يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يقدم لنا إطلالة نادرة على جذور الشركة، المؤسسة، الكيان العملاق الذي سيتحول الى القوة العظمى الوحيدة في العالم. هكذا تجتمع الوثائق والتحليلات التاريخية والدراسات الاقتصادية والاجتماعية المعمقة لتقدم لنا ضوءاً كاشفاً على هذا اللغز الذي اسمه أمريكا الذي يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكيل العالم بالقوة السافرة . والمؤلف هو جاك بيتي، المحرر الأقدم في مجلة «اتلانتك منثلي» ومؤلف العديد من الكتب والدراسات التي يتصدرها كتاباه عن السياسي الأمريكي جيمس مايكل كيرلي والمفكر بيتر دراكر. تعبير «الآباء المؤسسون» ينصرف بداهة لكي يصدق على جيل الرواد في أي ساحة وأي مجال.. ويرتبط بصورة المبادرة الى العمل وتحمل مشاق الاستكشاف وارتياد تخوم بغير سابق تجربة وتجشم اخطاء وتحمل شظف العيش والتذرع بحبال الصبر الجميل الطويل وشق طريق لم يسبق اليها أحد يرتادها جيل الاباء لصالح تمهيدها وتعبيد مسارها وتيسير الحركة فيها لجيل الابناء. في أمريكا يضاف الى تعبير «الآباء المؤسسون» معنى جديد يتجاوز جيل الكشف والارتياد وذرع القيم الرائدة والجسورة هو معنى المال والثروة.. المزيد من المال الكثير والكثير من الثروة لدرجة ان مؤلف كتابنا يكاد يصرف النظر عن حكاية آباء الريادة والتأسيس هذه الى حكاية جيل تدوير الثروة والرخاء والطفرة والازدهار هذا الجيل الذي تلمع بين دفاتره اسماء كارنيجي وفورد وروكفلر ومورجان ومن على شاكلتهم من بليونيرات النصف الاول من القرن العشرين. وفورات الحجم والحق يقال ان الاباء المؤسسين للثروة الامريكية لم يأتهم المال عفوا ولا كان ضربة حظ بقدر ما كان من صنع العمل بالدرجة الأولى وربما لم يكتشف افراد ذلك الجيل مناجم وتخوما بقدر ما انهم اكتشفوا ومن ثم طبقوا واحدا من اهم قوانين العمل الاقتصادي في التاريخ وهو: قانون وفورات الحجم، اي القاعدة التي تحض على تكبير حجم المشروع الاقتصادي بما يؤدي الى خفض التكاليف الاجمالية، ومن ثم خفض اسعار المنتجات وبالتالي الى تعظيم حجم العوائد والأرباح. يعبر مؤلف كتابنا عن هذا الجانب قائلا «ص160» لقد حولوا رفاهية الاغنياء لكي تصبح احتياجات الفقراء ومن ثم عملوا على تخفيض الاسعار الحقيقية لكل شئ وابلغ النماذج في هذا المجال كان اندرو كارنيجي ( 1835 ـ 1919) الذي توسع في صناعة الصلب وما ان وافى عام 1900 حتى كان ينتج 25 في المائة من مجموع انتاج الصلب في طول الولايات المتحدة وعرضها . وقد كان مفتاح نجاحه يتمثل في أن كلف كارنيجي فريقا من أمهر الكيميائيين لكي يدرسوا مايدور بالضبط داخل اتون افران الصلب العالية في مصاهر الفولاذ وبفضل دراساتهم استطاع كارنيجي ان يرفع الانتاج ويخفض النفقات بشكل درامي لدرجة ان حل الصلب محل الحديد بوصفه المعدن الأساسي المستخدم في الاغراض الحديثة للقرن العشرين. وقد نجم عن هذا الاحلال (الصلب بدلا من الحديد) نتائج اقتصادية واجتماعية سرعان ما صبغت جوانب شتى في حياة المجتمع الأمريكي، مابين الميكنة الزراعية الى صناعات البناء والتشييد وقد تجسدت ابرز هذه النتائج كما يضيف مؤلف الكتاب، في الارتفاع صعودا بناطحات السحاب وبالانخفاض سعرا في نفقات بناء البيوت لصالح عامة المستهلكين. وعندما دخل الصلب ـ الفولاذ سوق الصناعة احتفلت به أوساط السكك الحديد وجاء واحد اخر من آباء الثروة المؤسسين في أمريكا واسمه ادوارد هاريمان وكان من بارونات السكك الحديدية ليفيد من هذا المعدن الجديد في بناء قطارات اقل تكلفة وأوفر سلامة . على ان أكبر صناعي من هؤلاء الرواد افاد من قانون وفورات الحجم كان جون روكفلر، وقد ظل امبراطورا مسيطرا على صناعة تكرير النفط على امتداد عقود من القرن العشرين وتوفى عام 1937 وهو مؤسس شركة ستاندراد أويل التي انشأت بدورها اكبر مصفاة بترول في أمريكا واستطاع من خلال هذه المنشآت والمرافق ان يسيطر ـ كما يقول مترجم سيرته رون شيرنو على نحو 80 في المئة من انتاج وتكرير النفط في العالم! ومنذ البداية استطاعت امبراطورية روكفلر النفطية ان تخفض سعر الكيروسين وكان مستخدما ايامها في الاضاءة ومواقد الطبخ النحاسية كما عرفناها بنسبة 70 في المائة وبهذه التخفيضات دخل النفط السائل الرخيص في منافسة اصبحت لصالحه ضد وقود الفحم الصلب في عمليات توليد الكهرباء وكانت مع مغيب القرن التاسع عشر اضافة جديدة ومبهرة الى موارد الطاقة التي اكتشفوها لصالح الإنسان وهكذا فعندما بدأت عصر الكهرباء حوالي عام 1900 للميلاد سرعان ماتحولت كاليفورنيا في غرب الولايات المتحدة لتصبح اغنى ولاية ضمن الاتحاد الأمريكي ومن ثم تحول الغرب الامريكي الذي كان قد تخلف نسبيا ليصبح واحدا من أكفأ المناطق الصناعية في العالم. وكان طبيعيا لهذا النفط الرخيص ان يؤدي الى ازدهار مجال اخر كان محوره السيارة سواء من حيث نمو صناعتها وتطور انتاجها أو من حيث دخولها عنصرا رفاهيا، ومن ثم مهما الى ان اصبح ضروريا ومن بعد اساسيا ان لم يكن حيويا في حياة سكان كوكب الأرض خاصة وقد دخل الى انتاجها نمط فريد من التثوير على نحو ما يعبر مؤلف الكتاب، وجاء ذلك على يد اخر الاباء المؤسسين لثروة الشركة المساهمة المارد التي يسمونها بالولايات المتحدة وكان اسمه هنري فورد (1947 - 1863) . لقد أدت وفورات الحجم الى اكتشاف خط التجميع من أجل انتاج السيارات بالجملة مما افضى بدوره الى انتاج سيارة معقولة الثمن يمكن ان يقتنيها يوما ذات العامل الذي انتجها أو يشتريها المزارع الذي كان يمثل مع طائفته من المزارعين نصف سكان الشعب الأمريكي مع بدايات القرن الماضي. الوحش بيد ان المسألة لم تكن نجاحا خالصا ولا كانت انجازات بغير تضحيات، يوضح مؤلفنا كيف ان هذا كله تم بوسائل انعدم فيها ضمير حضرات الآباء الرواد المؤسسين، حيث يوضح كاتبو سيرهم ومؤرخو حياتهم كيف ان بعضهم كان يفصل العمال بغير رحمة بدعوى ان هذا العامل أو ذاك يفتقر الى كفاءة الاداء. هكذا كان يفعل روكفلر الذي وصفه مترجم سيرته بأنه كان فظا وخشنا غليظ القلب يقطع عيش العامل باشارة لأنه غير كفء. وربما عاد احد هؤلاء العمال المفصولين الى بيت اسرته حزينا محبطا كاسف البال.. كان اسمه تيربل وهو والد الكاتبة الصحفية ايدا تيربل التي ارادت ان ترد الصاع صاعين لقاء ما لحق بأبيها واسرتها من آلام وهكذا آلت على نفسها ان تكتب باستمرار عن فظاظة وظلم الآباء المؤسسين وفي مقدمتهم طبعا روكفلر وشركته (ستاندارد اويل) وهي التي خلعت على رئيسها ومؤسسها روكفلر الوصف الذي علق به باستمرار ضمن حوليات التاريخ الأمريكي المعاصر وهو: الوحش. يمضى مؤلف الكتاب ليوضح ان السيدة ايدا تيربل ربما كانت في طليعة جيل من الصحفيين الذين كانوا يعادون ويعارضون الاساليب غير الانسانية التي كان يتبعها الاباء المؤسسون بارونات الصناعة والخدمات في الشركة الامريكية العملاقة. وقد افضت جهود هؤلاء الكتاب والصحفيين الى تحريك الساسة والمشرعين في الكونجرس مما ادى الى رفع قضايا ضد اساليب الاستغلال واحيانا القهر الاقتصادي الذي كان يتعامل بها أولئك البارونات وبلغ الأمر ان يقول لويس برانديزي قاضي المحكمة العليا: ليس صحيحا ان ضخامة المشروع هي خير مطلق في حد ذاته. ولأن لكل فعل رد فعل مساو له في السبب والنتيجة فقد كان طبيعيا ان يحاول العمال المستخدمون مواجهة هذا الجبروت الذي كانوا يتعرضون له من بارونات الشركة العملاقة ـ الخرافية ان شئت ـ التي حملت اسم الولايات المتحدة. كيف أمكنهم المواجهة؟ من خلال تنظيم صفوفهم؟ ان كتابنا يوضح ما يمكن أن نصفه بأنه (جدل الشركة) بمعنى ان الشركة حين تأسست فقد كانت تحمل نقيضها بين احشائها وكان النقيض هو النقابة أو منظمة اتحاد العاملين وكم كانت المبادئ والافكار والمنطلقات متباينة الى حد التناقض بين الطرفين. نظموا صفوفكم! في ظل هذا التناقض ارتفع شعار نقابي شهير هو: نظموا صفوفكم والا كان هلاككم وفي ظل هذا التناقض ايضا اتسعت الشقة بين القطبين المتعارضين.. المؤسسة والعمل.. الشركة والمستخدمون. كانت الشركة تجسد مبدأ الاقتناء والتملك وكان شعارها هو ان الربح الفردي هو الدافع الاساسي لحياة البشر وكان اتحاد العمل يجسد مبدأ التضامن والتكافل والتآزر بين الأفراد. الشركة تقول ان كسب الفرد ورفاهيته هو الاساس والنقابة تقول ان على الفرد ان يتضافر مع اقرانه من أجل خير المجموع أو حتى لا تتبدد قدرة المجموع وكانت المؤسسة ترفع لافتة حرية النشاط وكانت النقابة ترفع لافتة أخوة العاملين. يقول مؤلفنا: وعلى الرغم من أن الحرية وقد استوردتها أمريكا من حاضنتها الأولى ـ أوروبا كانت شعارا براقا وشديد الجاذبية الا ان شعار الأخوة والتضامن العمالي كان هو السائد بين صفوف العمال فما كان عامل منهم يتصور ان يضحي بحياته أو بمصالحه في سبيل الشركة التي يعمل في خدمتها فيما دلت الاحداث ان من العمال من جاد بحياته ذاتها في سبيل النقابة التي كان ينتمي الى عضويتها. ان حوليات امريكا بوصفها المؤسسة الشركة العملاقة التي يحكي الكتاب سيرتها تسجل الاضرابات التي نظمها العمال ضد بارونات الصناعة الاوائل ومنهم كارنيجي امبراطور صناعة الصلب كما اسلفنا لقد كان كارنيجي شأنه في ذلك شأن أقرانه من الرواد الرأسماليين يرى ان العامل هو ترس من تروس الآلة الجبارة التي تدور الشركة أو المنشأة على اساسها.. وعندما لاحظ، أو أبلغه ارصاده وجواسيسه ان العمال ينظمون صفوفهم للمطالبة بالمزيد من حقوقهم اختار مديرا جديدا لمصنعه الجديد لانتاج الصلب في (هوستيد) وكان المدير اسمه هنري كلاي فريك وقد سبقته شهرته بوصفه من أقدر المديرين على تفكيك أي تنظيم عمالي واحباط أي محاولة للاضراب وكان اول اجراء للسيد المدير هو ان امراً باحاطة المصنع بسور من الاسلاك الشائكة يتخلله 200 فتحة كان على العمال ان يلاحظوا انها مجهزة خصيصا من أجل فوهات البنادق وكان طبيعيا ان تقع محاولة اعتداء باطلاق الرصاص على حياة المدير الذي كان من الجسارة لدرجة ان تحمل دون تخدير جراحي عملية استخراج عدة رصاصات من رقبته وعندما ضمدوا له الجرح داخل جدران المصنع عاد المدير لفوره للتجوال في جنبات المكان في اشارة ـ ما كان ابلغها ـ الى ان الادارة لها الكلمة العليا. والحاصل ان كثيرا من العمال عوقبوا بطردهم من المصنع فيما تم تخفيض أجور الآخرين الى النصف ومن ثم تدهور أحوال الجميع لدرجة تبعث على الآسى الشديد. وعندما زار المكان الروائي الأمريكي (هاملن جارلاند) عاد الفنان يتحدث عن مدينة البؤس والشقاء وقد التقاه واحد من العمال فصرح له قائلا: ان المرء يا سيدي الكاتب يبدأ عمله هنا محاولا ان يكون انسانا، مجرد انسان، ولكن المرء لا يلبث يتحول مع الايام الى مجرد ماكينة هذا العمل بلغ من القسوة لدرجة ان ينال من الانسان ذهنيا ومعنويا بقدر ما ينال منه ثمنا جسديا شديد الفداحة. مؤلفنا يكتب هذه السطور ثم يعلن قائلا (ص174 ومابعدها): كانت تلك هي ظروف المؤسسات والشركات الرائدة الأولى في (أمريكا المعاصرة) وعليك ان تضيف اليها ظروف الظلم الاقتصادي في تلك الحقبة (أواخر القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين) زائدا شعور الاحباط السياسي الذي كان سائدا حيث كانت الحكومات، عبر مستوياتها كافة ـ تحت رحمة تلك الشركات الرائدة العملاقة.. فضلا عن تفشي مشاعر التباغض العميق في هذا المضمار ـ لتدرك كيف ان عصر انشاء الشركات العملاقة في أمريكا كان يفتقر الى الروح الإنسانية بكل معنى الكلمة.ويضيف مؤلف الكتاب: وبقدر ما أدت ظروف العمل الوحشية هذه الى تحويل العامل الى آلة صماء فقد تحولت المؤسسة ذاتها الى آلة اقتصادية أيضا تديرها وتغذيها مطامع أصحابها ومساهميها الى أعلى عوائد وارباح على الاسهم التي يستثمرونها ولم يكن مسموحا لهذه الآلة البشرية ولا لتلك الآلة الاقتصادية بأن تكف يوما عن الدوران.. ولا عجب ان وضعها جون مارشال وهو من اعلام القضاء في أمريكا بعبارة تقول: لقد كانت كيانا مجردا من المعاني أو الاخلاق مع ذلك كان كل من الطرفين بحاجة الى الآخر الشركة تحتاج الى العامل لكي تكون مؤسسة انتاج أو مرفق خدمات يحقق أرباحا للمالكين والمساهمين والعامل يحتاج ـ بداهة ـ للشركة من أجل قوت اليوم والغد ورزق العيال. وكان لابد ان تتدخل حكومة لها عقل يفكر ويتزعمها رئيس له مكانته. وهو ما حدث مع حكومة الرئيس ويلسون في مستهل عشرينات القرن الماضي الذي انشأ لجنة قومية من حزبي الحكم والمعارضة حملت اسم (لجنة العلاقات الصناعية) وقد بادرت اللجنة الى ملاحظة سجلاتها في مستهل نشاطها وتقول فيها: قد يكون ثمة سبب يدفعنا الى الامل في ان يتاح للعمال اجور مرضية وتهيأ لهم ظروف معقولة من خلال العمل على تثقيف وتوعية اصحاب الأعمال ولكن هذا الأمل يبدو بعيدا مع تنامي ظاهرة انفصال مالكي المؤسسات عن أعمالهم حيث اصبحت مقاليد السيطرة بين هيئات المساهمين وتلك كيانات اعتبارية لا تشعر ولا تحس (بما يعتمل في صدور العاملين). ردم الهوة ردم الهوة مع هذا كله فقد ساد الشعور بأن الهوة الفاصلة بين الشركة والعامل لابد من محاولة ردمها.. والغريب أن القوم فيما يبدو اختاروا أن يردموها أو يوفقوا بين طرفيها المتناقضين بجسور اصطناعية تؤدي الى تجميل الاوضاع وتزويق الظروف دون التماس حلول للمشاكل من جذورها. هذا الاختبار أفضى بهم الى استحداث فن جديد أو تخصص مستجد بدأ يشق طريقه في مجال العمل العام.. الاقتصادي والسياسي الى ان اصبح مهنة لها أصولها ومحترفوها وطبعا ارباحها السوبر طائلة ناهيك عن اسمها الذي يتردد الآن على كل لسان انها البي آر.. مهنة العلاقات العامة.