في الوقت الذي اتجه فيه حزبا «الأمة» بزعامة الصادق المهدي والاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني لتفعيل «نداء السودان» وفق ما أفضى اليه اجتماع السيدين بالقاهرة، مؤخراً ذهب نائب الميرغني الحاج مضوي محمد أحمد الى حرق المراحل في علاقة الحزبين بإطلاقه دعوة لوحدة اندماجية بينهما تستند الى ماضيهما العريق قائلاً انها تتيح فرصة استقرار للسودان وترسيخ للديمقراطية. وفي حوار مع «البيان» قال مضوي ان هذه الدعوة وجدت ترحيباً من قيادات حزب الأمة وانها عاجلاً أو آجلاً سترى النور مشيرا الى ان هذا المسعى يصب باتجاه ان يكون بالسودان حزبان حاكم ومعارض على غرار الاحزاب في بريطانيا وأمريكا وفرنسا.. ونفى مضوي وجود خلافات في حزب الميرغني قائلاً ان عودة رئيس الحزب الى السودان لن تحدث الا بواحد من خيارين إما وفق اتفاق أو ان يأتي غازياً، مشيرا الى انه يفضل الخيار الثاني. وتمنى في الوقت نفسه ان تسفر زيارة الميرغني وقيادات التجمع لأمريكا عن نتائج مشرفة تعجل بالحلول وتضع حداً لمشقات السودان. وتطرق مضوي الى مسألة اعتقال عراب الحكومة السابق دكتور حسن الترابي موجهاً عتاباً الى السلطات في عدم مراعاة سنه ووضعه تحت الإقامة الجبرية قائلاً انه كسير الجناح الآن. وطالب بتقديمه للمحاكمة أو إخلاء سبيله بالرغم من ان الترابي هو السبب في كل ما هو حاصل الآن ـ حسب قوله. وتطرق مضوي في حواره مع «البيان» الى عدة قضايا داخل البيت الاتحادي والبيت الكبير السودان تداخلت تفاصيلها وتشعبت اضافة الى الأوضاع في الجنوب ومفاوضات السلام بين الحكومة وحركة التمرد.. وفيما يلي نص الحوار: السؤال الصعب ـ في ضوء إلمامك بتفاصيل البدايات والنهايات التي تداخلت في الساحة السودانية ما هو في نظرك السؤال الصعب الذي ما زال يبحث عن الإجابة؟ ـ السؤال الصعب هو لماذا توجد ازمة ثقة في السودان بين السلطة الحاكمة والشعب؟ هذه الأزمة نتجت في المقام الأول لعدم مصداقية الحكومة فيما تقوله تشبثاً منها بكراسي الحكم.. ومن هنا فإن أياً من المبادرات التي طرحت كـ «الايجاد» و«المشتركة» لم تجد الأذن الصاغية من الحكومة التي تعتقد ان الشعب السوداني كله غبيا وانها الوحيدة التي تتمتع بالذكاء الخارق لذلك ظلت تماطل وتماطل والكوارث مستمرة، بدليل ان اتفاقية الخرطوم للسلام التي احتفل بها أمام القصر الجمهوري وقرئ فيها القرآن والانجيل كمباركة لها، باءت بالفشل، وبدليل ان كاربينو أخذ مال الدولة وسلاحها وضربها بهما ورغم انه في خاتمة المطاف قتل، الا انه نقض الاتفاقية للدرجة التي ضرب بها الحكومة وأودت بحياته. ثم د. رياك مشار وهو العنصر الرئيسي في الاتفاقية، ظل يحاور ويحاور حتى بلغ مرحلة اليأس التي قادته مرة أخرى للغابة على قناعة تامة بعدم جدية الحكومة في أي عهد تقطعه. وأخيراً انضم العميد عبدالعزيز خالد لجون قرنق.. ثم ان الامر الغريب مؤخراً هو ان مبارك عبدالله الفاضل المهدي الذي كان سببا في خروج حزب الأمة من التجمع عاد بطريق أو آخر وأصدر بياناً سياسياً مع قرنق. ومن هنا بدأت الحكومة تفقد من كان مقرباً منها. أما محمد عثمان الميرغني فعلاقته مع جون قرنق ليست بجديدة وبدأت منذ 1988 وان هذه العلاقة فيها مصلحة للشمال لأنها على اقل تقدير جعلت جون قرنق يثق الى حد ما في الحزب الاتحادي الديمقراطي وفي هذا مكسب للشمال يهيئ الجو لحوار بناء. ننتقل الى ما يحصل داخل النظام نفسه، لنقارن ما سبق بمعاملة النظام للدكتور الترابي وهو الأب الروحي المؤسس لهذا النظام، ماذا فعل به النظام؟ تكالب عليه أنصاره، لم يراعوا سنه ولا مكانته وزجوا به في غياهب السجن وانتهى به الأمر الى الاقامة الجبرية.. صحيح لنا رأي في الترابي، ورغم اننا سعيدون بهذا الخلاف، الا اننا في نفس الوقت في الحزب الاتحادي الديمقراطي ضد حجر الحريات ونعتقد رغم رأينا في الترابي الا انه من حقه ان يقدم للمحاكمة، اذا كانت هنالك جريمة يحاكم عليها وإلا فليخل سبيله.. ورغم رأينا فيه بأنه السبب في كل ما هو حاصل الآن، الا اننا نعتب على النظام فيما يجري له باعتباره الآن مكسور الجناح ومن ثم فإما أن يحاكم أو ان يطلق سراحه. طائرة الحكومة ـ لكن الحكومة وحسب منسوبيها تقول إن طائرتها الآن على وشك الاقلاع ان لم تكن قد أقلعت بالفعل وما على الآخرين الا ربط الاحزمة وانه لا مجال للقهقرى أو العودة للوراء انطلاقاً من قوة الدفع والتمكن من عجلة القيادة فماذا أنتم فاعلون؟ ـ التاريخ واضح، ففي سياقه نذكر ان الرئيس السوداني الأسبق ابراهيم عبود كان نظيفاً ومن معه، لم يسرقوا أو ينهبوا لكن الشعب السوداني أسقطه، لأنه ضد حكم الفرد وضد النظام الأوحد. ومن بعده جاء النميري وحكم مدة طويلة فعل فيها ما فعل، قتل من قتل، شنق من شنق وصلب من صلب، وفي النهاية انتفض عليه الشعب السوداني وأسقطه.. هؤلاء الناس في رأيي أضعف من النميري ولابد من زوالهم عاجلاً أم آجلاً.. صحيح ان النميري كانت معاملته قاسية، قتل وصادر.. وهكذا، لكنه لم يحارب الناس في أرزاقهم كهؤلاء الذين فصلوا من الخفير الى الفريق أي من المدنيين والعسكريين، يفصلون الممتاز المقتدر ليحل محله الموالي للنظام الذي عاث في البلد ضرائب وجباية لم نشهدها من قبل. أفقروا الشعب السوداني، ويكفي في هذا ان نشير الى ما حصل في طريق الغرب بضياع المليارات، كما ان الموظف منهم اذا ارتكب خطأ او ثارت حوله الشبهات في جهة ما، بدل ان يحاكم أو يتم فصله، ينقل الى وجهة اخرى يواصل فيها ما كان عليه من افعال.. هذه هي صورة الاوضاع السائدة في البلد التي تدمرت وتدهور اقتصادها وصار التسول فيها على اوسع نطاق بعد ان كان محصوراً في حدود ضيقة جداً. تمكين الأمريكان ـ ثم ماذا بعد؟ ـ في رأيي ان النظام الآن أسير لأحداث 11 سبتمبر الدامية في أمريكا فيما يتعلق بابن لادن، حيث وضع الأمريكان النظام تحت المجهر وضغطوه الى ان نالوا منه فوق ما سعوا اليه وفي هذا الاتجاه فإن اتفاقية جبال النوبة مؤخراً تعكس التدخل الأمريكي الواضح كالشمس، لأن الأمريكان متمكنون في منطقة جبال النوبة أكثر من النظام، وهذا التمكين لربما تتبعه وتترتب عليه امور وأشياء اخرى، كأن يحصل ما تم في جبال النوبة بالجنوب ومناطق النيل الأزرق بالرصيرص والدمازين وفي شرق السودان بالبحر الأحمر، بأن تتشكل حكومات كونفدرالية في هذه المناطق سيكون لها خطرها على السودان اذا قدر لها ان تتشكل، اذ ربما يحدث اختلاف يجر الى مسألة تقرير المصير وبالتالي الى الانفصال.. ومن هنا تبدو المخاطر محدقة بالسودان بصورة لا مثيل لها من قبل. نذكر ان الرئيس الراحل اسماعيل الازهري تمكن من اخراج المستعمر من السودان، لكن هؤلاء ادخلوه مجدداً، وهو ليس كالاستعمار الانجليزي الذي ربما كان خفيفاً وانما هو استعمار رعاة البقر.. فالسودان الآن يعاني ويواجه من الاخطار ما لم يسبق له مثيل وهي اخطار تهدد وحدته وتماسكه ووحدة شعبه. مستحيل البشير ـ الفريق البشير تزوج ثانية تطبيقاً وامتثالاً لدعوة أطلقها لكل السودانيين، كما ان مسألة التعدد هذه أضحت ضرورة في ضوء قلة الكثافة السكانية قياساً بحجم البلاد؟ ـ أولاً لا تثريب في تعدد الزوجات، لكن هذا التعدد لا يوجد ما يقابله من امكانيات، لا صحية ولا مادية وهما أمران ضروريان للتعدد والاثنين لا وجود لهما.. ومن هنا فإن البشير يطلب المستحيل من الشعب في غياب الامكانيات وعليه مراعاة ظروف الناس وعليه بدل ذلك ان يوفر الصحة والامكانيات المادية وعندها فإن طلبه يكون مقبولاً. ـ أنتم في «الاتحادي الديمقراطي» ألا تؤيدون اتفاقية جبال النوبة؟ ـ نحن في الداخل مغيبون لا نعرف الحقائق، لكنني سمعت ان التجمع له رأي في الاتفاقية.. ومع ذلك اعتقد ان المغيب عن حقائق الأمور لا يستطيع ان يؤيد أو يعارض لأنه فاقد للرؤية التي تمكنه من ذلك، هو مغيب لم يحضر لم ير لم يشاور فكيف يمكنه التقييم هل يعلم الغيب؟ ورغم ذلك نعتبر ان أي قدم أجنبية تطأ أرض السودان هذا في اعتقادنا هو احتلال جديد لا ندري الى أي مستقبل يقودنا؟! ـ ألا تعتقد ان ضعف المعارضة هو الذي اتاح الفرصة للحكومة ان تقدم على ما قامت به؟ ـ المعارضة عملت ما يمكنها عمله، قامت عدة حركات، لكن النظام له قسوته التي قهرتها كما انه ملأ البلد عيوناً أجهضت كل الحركات قبل قيامها، ونبذل في سبيل ذلك من الأموال ما فيه الكفاية، المعارضة لم تقصر لكن السلطة كانت قاسية وشتت الناس وهاجرت جراء ذلك بأعداد كبيرة من الشباب لسوء الأحوال والمعيشة. بديل المعارضة ـ السؤال بطريقة اخرى هو ان معارضي الحكومة بدوا وكأنهم فشلوا في تقديم البديل مما يبرز ان الحكومة القائمة بوضعها الراهن وتماسكها النسبي هي الأفضل الى حين اشعار آخر والدليل على ذلك انتخابات المحامين ومن بعدهم المزارعين باعتبارها بروفة لأي انتخابات قادمة؟ ـ أي انتخابات للمزارعين أو المحامين أو العمال أو أية فئة من الفئات، لا يمكن ان تنجح في ظل هذا النظام الذي يمتلك مقومات تزويرها.. ومن ثم لا يمكن في ظل هذا الوضع ان تكسب المعارضة اي انتخابات، الا اذا تمت تحت رقابة دولية تشرف على العملية الانتخابية من ألفها إلى يائها.. وأؤكد في هذه الحالة، ان الحكومة لن تفوز، أما طالما هي المهيمنة الآن، فإن الانتخابات السكوتية هي التي ستمضي. نداء السودان ـ قوبل توجيه الميرغني بتفعيل نداء السودان الموقع مع حزب الأمة عقب لقائه مؤخراً بالصادق المهدي بالقاهرة، برفض واعتراض بعض قيادات الحزب الاتحادي باعتبار ذلك يعني تخلي الحزب عن منظومة التجمع فما هو في نظركم مردود تفعيل النداء في ضوء ما يثار بين قيادات الحزبين من محاذير بعض الاتحاديين في مد جذور كاذبة من حزب الأمة وتأكيدات قيادات الأخير بالسعي لتجميع رؤى القوى السياسية تحت مظلة خيارات محددة؟ ـ تاريخياً ظل التعاون بيننا وحزب الأمة قائماً حتى في زمن الديمقراطية، فحزب الأمة بالنسبة لنا صديق.. ونسعى الى ان يكون بالسودان حزبان على غرار الاحزاب في انجلترا وأمريكا وفرنسا وهذه رغبتنا الأساسية، لذلك نحن مستعدون للتعاون مع حزب الأمة لأبعد مدى بل أرى انه في المستقبل القريب على الحزبين دراسة مبادئهما وأفكارهما، ليقفا على ما هما مختلفين فيه، ان اتفقا يكونان حزبا واحداً ليمنح البلد خمسين أو ستين سنة من الاستقرار.. في الماضي كان اختلافنا ينصب في ان حزب الأمة يتهمنا بأننا مصريون فيما نتهمه نحن بأنه انجليزي، لكن الاستقلال جبّ ما قبله، فمن الأصلح ان نكون حزباً واحداً ليعطي البلد أطول فترة من الاستقرار، ولتكون الاحزاب الأخرى المعارضة التي لابد ان نفسح لها المجال هي الأخرى. ومن هنا نحن لا نرفض التعاون مع حزب الأمة. قبول عاجل أم آجل ـ هذه الدعوة المتقدمة هل هنالك أي صدى لها أو محاولات لتوسيعها في أروقة الحزبين؟ ـ نعم، لقد طرقنا هذا الأمر اكثر من مرة مع الأمير نقد الله، أحد كبار مساعدي المهدي في الحزب ولمسنا استعداده له واعتقد ان د. مادبو وبكري عديل وعبدالمحمود الحاج صالح ودكتور إبراهيم الأمين لا مانع لديهم باعتبارهم رجال المستقبل وأولاد قبائل.. واعتقد ان هذه الفكرة ستجد الرواج والقبول عاجلاً أم آجلا. وعلينا ان نذكر هنا بالعلاقات التي كانت سائدة بين قيادات الحزبين إذ لا أنسى علاقة الزعيم الأزهري بالإمام الصديق المهدي في زمن جمال عبدالناصر.. حينما جاء الأخير للسودان طلبت الحكومة من الصديق المهدي عدم دعوة الأزهري لمقابلة عبدالناصر لكن الصديق المهدي أصر على دعوة الأزهري التي تمت. زد على ذلك جراء حوادث الأنصار في مارس 53، ركب الأزهري والامام عبدالرحمن الباخرة الطاهرة في رحلة نيلية اسفرت عن انتهاء القضية بدون محاكمات.. ومن هنا فإن علاقتنا مع حزب الامة قديمة وليست جديدة. ولحاجتنا الماسة الملحة للاستقرار، فإنه لن يتأتى الا بتوحد الحزبين في رأيي الشخصي لأن في ذلك دفعاً باتجاه ان تثبت الديمقراطية انطلاقاً من طول فترة الاستقرار التي يتيحها توحد الحزبين.. لأن الشواهد على عدم الاستقرار في الفترة الماضية كثيرة وتمثلت في ان الزعيم الازهري كان في وداع القائد العام سقطت حكومته، جاء عبود، ومن بعده قبل ان ينقضي اجل البرلمان حل النميري وهكذا لم تجد الديمقراطية فرصة استقرار للنمو وحتى الحكومة الحالية جاءت ولم ينقض عمر الجمعية التأسيسية بفعل تآمر بعض اعضائها الذين شكلوا من بعد الحكومة القائمة. وحدة اندماجية لا نحر ـ هل تعني بوحدة الحزبين اندماجهما في حزب واحد تحت قيادة واحدة؟ ـ نعم، لأن ما حصل في السودان لم يحدث من قبل واعتبره شاذاً وقبيحاً ومكروهاً محلياً وعالمياً ويستدعينا للتأمل والتفكير إلى أبعد ما يكون لتقوية الجبهة الداخلية من الخلل. ـ هل ترى ان انضمام ادريس البنا للحزب الاتحادي هي مقدمة أو خطوة في هذا الاتجاه؟ ـ نعم هناك أشياء من هذا القبيل، ومع هذا نحن لا نريد أو نرغب في نحر حزب الأمة، لكننا نرى انه في حالة خروج أي فرد منه، فإن مكانه الطبيعي هو الحزب الاتحادي الديمقراطي بدل الذهاب لأي وجهة أخرى، ومع ذلك لا نتمنى أن نكون سبباً في نحر حزب الأمة، نريده حزباً ثابتاً صلباً مترابطاً متماسكاً لأنه بالنسبة لنا صديق. حيوية بناة الأفكار ـ في البيت الاتحادي كل الأنظار مصوبة الآن باتجاه المؤتمر المزمع عقده المختلف على تسميته وشكله، المؤجل رغم المساعي المبذولة لانعقاده، فهل نراه قريباً فيما يراه آخرون بعيداً وربما مستحيلاً ولا ضرورة له في خضم المشاكل الماثلة؟ ـ نعم المؤتمر سيعقد اما في القاهرة أو في السودان أما ما يشاع عن خلافات الحزب فهو هراء وما يظهر من وجهات نظر، في رأيي هي حيوية مطلوبة، لأن الاتحاديين هم بناة أفكار وتجمع بينهم الأفكار والرؤى ولسنا مثل الأحزاب الأخرى يتم اقتيادنا كالقطيع، لذلك تجد النقاش ووجهات النظر تترى لكنها في النهاية تصب في بوتقة واحدة، ومن هنا لست مشفقاً لهذه الأحوال بل مطمئناً جداً. ـ ألا ترى انه من الأحسن انعقاد المؤتمر في السودان بدل القاهرة؟ ـ إذا قام في السودان فإنه سيكون استفتاء ويكون أوسع بعكس محدودية عدده إذا انعقد بالقاهرة، ومن ثم أتمنى أن يقوم المؤتمر في السودان. ـ هناك من يقول ان المؤتمر اذا قام فإن عماده سيكونون الموالين للميرغني أو ان الدعوة أساساً تمت للموالين؟ ـ للحقيقة والتاريخ لا نزاع حول زعامة محمد عثمان الميرغني في هذه المرحلة اطلاقاً لكن بشرط أن يكون هناك حزباً ديمقراطياً ذا مؤسسات، وهذا متفق عليه. مستقبل الوسط ـ ماذا تقول للذين يرون ان القراءات تشير فيما حاق بالحزب الى انه (يتناقص) وتآكل مما يستدعي الجلوس وتحليل الأوضاع فيه؟ ـ اعتقد ان الحزب متنام وليس متآكل بدليل ان هناك كثيراً من الاسلاميين اتصلوا بنا وطلبوا منا تهيئة أنفسنا لاستقبالهم في صفوف الحزب. وهناك فئة كبيرة من اليسار ـ وهو صديقنا وقد ضرب في عقر داره ـ تتجه للانضمام للاتحادي الديمقراطي، وهناك من كان يقف على الرصيف، لما أصابه من الأوضاع السائدة، هو في طريقه الى حزب الوسط الذي أرى مستقبله انه إذا اتحد مع حزب الأمة فليكن واذا لم يتحد معه، فإنه سيشكل الحكومة منفرداً وهذا رأيي، ليعود بذلك سيرته الأولى باعتباره أول حزب في السودان يشكل الحكومة منفرداً في الخمسينيات الأمر الذي لم يتكرر حتى الآن. ـ لكن هناك من يقول ان الأوضاع في الحزب تحتم عليه أن ينغلق على نفسه ليعد الاعداد الجيد لحكم السودان الذي ليس هو مؤهلاً له الآن؟ ـ هذا الحزب مؤهل تاريخياً ومؤهل في أي وقت وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان، دعك من هذا فلتأت الديمقراطية لنرى ما ذهبت اليه وهو ان هذا الحزب سينطلق كالمارد الجبار وهذا الحزب أشبه بجذور «النجيلة» تقطعه اليوم لتجده مخضراً في الغد.. فليطمئن الناس على الأوضاع بالحزب. آخر الموالين ـ تسجيل الحزب بين كونه فرصة أخيرة عند البعض وتقليل لمكانته عند غيرهم أمر يقتضي التكيف مع الواقع بكياسة وحصافة أضحى البت فيه ضرورة لممارسة نشاط الحزب الذي لم يسلم من المضايقات، كما ان دخول أي انتخابات قادمة رهين به ماذا تقول في هذا الشأن؟ ـ يمكننا أن نخطر مسجل التنظيمات بأن الحزب الديمقراطي المعارض يريد مباشرة نشاطه والذي بدوره سيفيدنا في ذلك بما يمكننا تعميمه لجميع مكاتبنا في أنحاء السودان، لكن ليس من حقنا خوض الانتخابات وبذلك نحن محرومون من دخول الانتخابات ما لم نكن موالين ونحن آخر من يوالي هذا النظام. ـ معنى ذلك وبهذه الطريقة انكم لن تخوضوا الانتخابات؟ ـ هناك رأي يقول انه لكي نباشر نشاطنا يفترض أن نخطر المسجل وهناك رأي يقول انه بما ان قيادة التجمع الذي ينضوي تحته لفيف من الأحزاب الأخرى، يتولاها زعيم الحزب فإن الاقدام على هذه الخطوة يجعلنا في موقف مطابق لمن سبقونا، هذان الرأيان مطروحان وفي النهاية ستكون الغلبة لأحدهما على الآخر ولا ندري متى يكون ذلك؟ الهندي ـ في دوائر الحزب هناك من يقول انه لا مكان في القيادة لمن اشترك في النظام الشمولي والاشارة واضحة تعني الشريف الهندي وجماعته وعلاقتهم بالحكومة، فهل الحوار مع الهندي مازال مستمراً لإعادة اللحمة للحزب أم انه تأثر باسقاطات ومرارات هنا وهناك؟ ـ الهندي بالنسبة لي هو الهندي، لكن أعتقد ان الشريف زين العابدين (فرز عيشته) من الحزب لاعتبارات منها ان القضية التي رفعها ضد علي محمود حسنين، كانت مزعجة ولم تكن مريحة بالنسبة له، وعموماً أستطيع القول ان الهندي فرز عيشته، ونحن من جانبنا قد أطلقنا من قبل على من شاركوا في حكم نميري اسم (السدنة) ومازلنا حتى اللحظة ضد أي شخص باع قضيته، لأن من يترك صفك وقت الضيق والحار وينضم الى السف الذي يقاتلك، لا يمكن أن تعتبره صديقاً. خيار وفقوس ـ في سياق الحراك الماثل في أروقة الحزب، تردد ان حاج مضوي ضمن آخرين يجمعهم تكتل لقطع الطريق أمام تمدد نفوذ الختمية في الحزب؟ ما مدى صحة ذلك؟ ـ أنا شخصياً احترم الختمية وكل الطرق الصوفية، لكني لست ختمياً، بدليل كنت أقف الى جانب الراحل اسماعيل الأزهري حين الاختلاف بينه وعلي الميرغني طيب الله ثرى الاثنين، هذا للتاريخ، لكن الآن موقفنا ليس هو ختمي أو اتحادي وانما هو اتحادي ديمقراطي، ذلك لأن كلمة الاتحادي من عندنا والديمقراطي منهم ومن ثم (لا خيار أو فقوس) هنا، نحن نقف مع الحزب وليس مع الأشخاص لأننا لا نعبد الأشخاص، نحن مع الحزب، لذلك إذا قال محمد عثمان انه ختمي، فلسنا معه وسبق للميرغني أن نبه الختمية بعدم القول بأن الحزب هو حزب الختمية. ـ لكن ألا ترى ان محاولات الهيمنة والاستيلاء على الحزب مازالت تنشط هنا أو هناك في إطار ما سبقت الاشارة اليه في مذكرات رعيله الأول؟ ـ أنا لا أراها اطلاقاً بل لقد قلت صراحة في مناسبة جامعة انه لا يصح القول بأن هذا الحزب هو حزب الختمية لأنه يضم القادرية والادريسية والسمانية والبرهانية والعركيين وغيرهم، فهو حزب كل الطرق الصوفية، لذلك نحن مع الحزب لا الأشخاص ونحن مع محمد عثمان الميرغني طالما هو مع الحزب. أمريكا وتفسير الشك ـ إلى أي مدى يمكن أن تساهم الزيارة المرتقبة للميرغني لأمريكا في حلحلة العقد المتشابكة؟ ـ هذه الزيارة التي سبقت زيارة قرنق لأمريكا تأتي في أعقاب القصف الجوي للجنوبيين، مما ذهب بأمريكا الى القول ان هذه الحكومة تتعامل بوجهين، هي تحاور من جهة ومن الجهة الأخرى تحارب، ومن ثم فقدوا الثقة فيها ومن هنا كانت الدعوة لقيادات التجمع، والدعوة هذه دليل على تحويل وجهة نظر الأمريكان من الحكومة رغم الضغوط التي مارسوها عليها وأفضت الى نيلهم، كما ذكرت، أكثر مما طلبوا وسعوا اليه ومن ثم يبدو ان عنصر الشك موجود وربما يفسر هذا للتجمع، ونحن نتمنى أن تسفر الزيارة عن نتيجة تنهي هذا النظام وتعيدنا للديمقراطية والتعددية. رديف أم صفقة؟ ـ فيما يتعلق بالتحرك الأمريكي هل تعتقد انه رديف للمبادرات الماثلة أم بديل لها انطلاقاً من أن هناك من يقول ان المبادرة المشتركة تحولت الى محلك سرك؟ ـ ما يجري في البلد شبيه بشمعة في مهب الريح، يمكن القول ان أهداف الأمريكان تتلخص في التسليم فالتركيع ثم الازالة ووارد أن يكون هدفهم هو تطويع هؤلاء الناس وتركهم لتماثيل ودمى في السلطة، هذا كله وارد، وهناك رأي يقول ان الأمريكان يعلمون ان هؤلاء الناس ليسوا مضموني الجانب اطلاقاً لذلك فهم أي الأمريكان يسعون إلى تغييرهم تغييراً كاملاً، أياً كان الأمر أعتقد ان ما قدموه للأمريكان يجيء ثمناً للسلطة، والأمريكان سيذهبون إلى آخر الشوط حتى يصبحوا أشبه بأسرى تحت رحمتهم. ـ هل يمكن القول ان ما تم هو عبارة عن صفقة بين الجانبين؟ ـ نعم هو صفقة لكنها قابلة للنقض، وهنا نشير الى ان الشعب السوداني مغيب وهذا من أكبر عيوب النظام الذي يعتقد انه سيد الشعوب السوداني ولا يبالي أو يكترث ان هناك بشراً وأناساً سبقوه الى الحكم، وأعتقد ان هذا منتهى الغفلة. النكسة ـ المعارضة تطرح خياراً وحيداً هو التحول للديمقراطية الذي لابد له أن يسبق السلام ويشكل الأرضية التي يستند عليها، فبحكم معايشتك للأنظمة الشمولية هل تعتقد ان الأنظمة الشمولية من السهولة أن تتخلى عن طبيعتها؟ ـ رأيي الشخصي كنت أتمنى ألا تقبل المعارضة الحوار مع النظام، وكانت أمنيتي هي اقتلاع النظام من جذوره لأن الاقتلاع يمكن الشعب السوداني من القصاص، صحيح الأمر يبدو خشناً وصعباً لكنه قطعاً يطهر (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) أي أن يكون اقتلاعاً مبنياً على المنطق والحجة لا العشوائية يحاسب على الصغيرة والكبيرة، يبريء ساحة البريء ويدين المذنب، لكن نجد ان المعارضة قبلت الحوار وهو رأي الأغلبية ولا مانع في ذلك، لكن الحوار هذا اذا لم يكن جاداً فإن النكسة هي المال وبالتالي الرجوع والعودة الى منطق الاقتلاع. ـ مما ذكرت هل هناك أي أمل في المنظور القريب في جلوس الفرقاء الى مائدة مستديرة لحلحلة عقد الأزمات المتداخلة أم ان المسألة تبدو بعيدة المنال؟ ـ أنا متفائل ولست متشائماً والليالي حبالى، أنظر الى أمريكا التي وصلت الى درجة من الكمال في التسليح وأعلنت بالتالي نفسها حامياً للشعوب، ما حصل لها في 11 سبتمبر الماضي، وأعتقد انه من فعل اليهود، لم يكن ينتظره أحد في العالم الذي تأثر بأسره بالحادث من هنا وهناك فإن الليالي حبالى، وقد تدور الدائرة بليلٍ على من هم في سدة الحكم؟! عودة الميرغني ـ ما هو في نظركم مردود عودة أحمد الميرغني باعتباره نائب رئيس الحزب؟ ـ أحمد الميرغني هو نائب رئيس الحزب في الخارج وليس في السودان. ـ ما هي الاضافة التي سجلتها عودته؟ ـ أحمد الميرغني في نظري لم يكن محارباً لم يذهب الى أسمرا ولا مصوع ولا علاقة له بالحرب وكان مقيماً مع أسرته في الاسكندرية وبحكم انه كان رئيس مجلس رأس الدولة اعتبر نفسه رجلاً قومياً ولا يملك أكثر من هذه القومية وهو بذلك لم يعد بشيء من التجمع ليبشر به في الداخل. ـ لكنه بشر بعودة شقيقه محمد عثمان؟ ـ شقيقه لن يأتي إلا بواحد من خيارين إما أن يأتي في ظل اتفاق أو أن يأتي غازياً وأتمنى أن يعود غازياً. ـ في الختام هل لك ما تريد اضافته؟ ـ الشعب السوداني الآبيّ كريم الأخلاق والصفات عانى معاناة لم تحصل في تاريخه، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يأتيه بالفرج السريع وأن ينتقم من الظلمة، وأعتقد ان السودان بلدٌ غني بثرواته في باطن الأرض وظاهرها، انه تحت أي ظرف يزول هذا الكابوس، فإن السودان سوف يستعيد عافيته بسرعة البرق، وأتمنى من الدول العربية مجتمعة أن تضع السودان في حدقات عيونها لأن السودان سيوفيها حقها، بما له من مخزون كامن في أرضه من الذهب والفضة والنحاس والزراعة والأنهار، وان من جثم على صدره ظلماً مصيره الى زوال ونسياً منسياً.