يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يقدم لنا إطلالة نادرة على جذور الشركة، المؤسسة، الكيان العملاق الذي سيتحول الى القوة العظمى الوحيدة في العالم. هكذا تجتمع الوثائق والتحليلات التاريخية والدراسات الاقتصادية والاجتماعية المعمقة، لتقدم لنا ضوءاً كاشفاً على هذا اللغز الذي اسمه أمريكا الذي يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكيل العالم بالقوة السافرة . والمؤلف هو جاك بيتي، المحرر الأقدم في مجلة «اتلانتك منثلي» ومؤلف العديد من الكتب والدراسات التي يتصدرها كتاباه عن السياسي الأمريكي جيمس مايكل كيرلي والمفكر بيتر دراكر. ثمة تعريف أورده البروفيسور لستر ثرو وهو من اعلام مدرسة الفكر الاقتصادي المعاصر بجامعة هارفارد ويقول هذا التعريف: إن الهزات الاقتصادية عبارة عن اختلالات، وأحياناً فتوحات يشهدها الاقتصاد وتنجم عن ظروف وملابسات تستجد على مسيرته. وهذه الاختلالات أو الفتوحات تأتي أحيانا على شكل تقنيات جديدة وعلى رأسها مثلا شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) في زماننا، وكان على رأسها في زمان مضى شبكة أخرى مادية هذه المرة هي شبكة قطارات السكة الحديد. على أن لستر ثرو يحرص على أن ينبهنا إلى أنه حتى الفتوحات التي تفضى إلى هزات عميقة في بنية الاقتصاد لا تلبث أن تختفي وقد تزول في نهاية المطاف لماذا ؟ لأن الصناعات الجديدة التي تطرأ على الاقتصاد وعلى حياة المجتمع يطرأ عليها بدورها نواميس النشوء والتطور والارتقاء ثم الذبول والانكماش، الصناعات الفتية التي تدر عوائد طائلة لا تلبث أن تصبح قديمة وبالية وعتيقة وشحيحة العوائد. ومن ثم تصبح أسواق النمو هي بالضبط أسواق الإحلال أو الاستعاضة أو الاستبدال وأن استغرق ذلك زمنا ليس بالقليل بمعنى أن يستغرق عشرات وعشرات من السنين. ومع ذلك ففي سياق هذه العملية التطورية من النشوء إلى النضج إلى الشحوب والغروب والإنكماش.. تستطيع دوائر شتى ويستطيع أفراد عديدون يجمعون بين الشطارة والمهارة مع شيء من حسن الخط أن يجمعوا ثروات طائلة ولو بمعايير العصر الذي عاشوا فيه. وبهذا المقياس استطاع بارونات منتصف القرن التاسع عشر في أمريكا من أمثال فاندر بلت وهنتنجتون وهاريمان أن يحققوا ثروات مليونية. تماما بقدر ما استطاع أقران لهم ولكن في اواخر القرن العشرين من أمثال بيل جيتس أو مايكل ديلز أن يحققوا ثروات مليارية. السكك الحديدية تعلن حضورها الحاصل أن الشركة العملاقة التي باتت تحمل اسم أمريكا دخلت عام 1860 وقد أصبحت تضم عشرات من شركات السكك الحديدية (18 في ولاية مين و22 في هامشايرو 76 في ماساشوسيتش و60 في بنسلفانيا). في هذا السياق يقول مؤلف كتابنا الكاتب الصحفي جاك بيتي: كانت خطوط السكك الحديدية الأولى في أمريكا شبكة بدائية يفتقر معظمها إلى عواميد الإشارات وخطوط المعابر وأجراس الإنذار وأضواء التحذير وكشف معالم الطريق، بل كان ينقصها وجود قاطرة تأوي سائق القطار ومعاونيه فيما كانت القضبان عبارة عن ألواح أو أشرطة فولاذية رفيعة أقرب إلى شكل الثعابين الحديدية. أما عربات السكك الحديد فكانت أشبه بحاويات أولية ساذجة تربط بينها أحزمة من جلد سميك وقد انكشفت عجلاتها وأصبح راكبوها معرضين لقارس البرد في زمهرير الشتاء ومن ثم عمد القوم إلى تدفئتها باستخدام مواقد تشتعل بحطب الوقود مما كان يشكل خطرا جسيما في كل حال.. والحاصل أن تقرير مهندسي السكة الحديد في نيويورك عن عام 1853 يسجل وقوع 209 إصابات في العام المذكور للمسافرين الذين قتل منهم 137 وكان من بينهم 19 مسافرا القوا بأنفسهم من عربة القطار فيما كان يحث عجلاته على القضبان. مع هذا كله فقد كان دخول القطار حياة أمريكا منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر عاملا في غاية الدينامية والأهمية في تنمية اقتصادها وتشغيل عجلاتها وإضفاء الحراك الاجتماعي على ساكنيها كي ينتقلوا بالقطار من موقع إلى موقع ويتحولوا بالثراء من طبقة أدنى إلى طبقة أعلى، ومرة أخرى يلحظ شاعر وفنان هو (إمرسون) فضل السكة الحديد على أمريكا فيصف مؤسسة القطار في عام 1844 بأنه بمثابة (العصا السحرية في حياتنا لأنه يفجر الطاقة الكامنة في البر والبحر على السواء). وبعد 100 عام تقريبا من إيمرسون يأتي الاقتصادي البريطاني الأشهر (جون ماينارد كينز) فيطلق على مؤسسة السكة الحديد في أمريكا وصفا آخر هو: المضاعف (بكسر العين) ويقصد به عامل مضاعفة المال وإكثاره بمعنى عامل رواج وازدهار الحياة الاقتصادية في المجتمع. كيف لا؟ كيف لا وثمة أرقام قالت ان كل 100 ميل من تمديد خطوط السكة الحديد كانت تحتاج إلى 1000 عامل لدرجة أن جاء عقد الثمانينيات في القرن التاسع عشر ليشهد استخدام 200 ألف عامل أمريكي في تشييد خطوط السكة الحديد وتوظيف 250 ألف عامل آخرين في إدارة وسواقة وتشغيل القطارات ذاتها مما استلزم كما يقول كتابنا استثمار عشرات بل مئات الملايين من الدولارات (في عام 1873 كان قد تم توظيف ثلاثة مليارات من الدولارات كاستثمارات في مجال السكة الحديد بأمريكا وهو مبلغ طائل وخطير بمقاييس ذلك الزمان البعيد). مع ذلك، وعلى الرغم من أن قطار القرن ما قبل الماضي استطاع أن ينقل الفرد الأمريكي من مكان إلى مكان، إلا أن ستينيات ذلك القرن جاءت لتشهد انقساما حادا أو شبه حاد بين شمال الولايات المتحدة الذي كان أقرب إلى التقدم وجنوبها الذي كان أدنى إلى التخلف أو التعثر، وبالذات من حيث التعليم والعلم والتقنية، هذا فضلا عن الانقسام إلى شرق يطل على الأطلسي يعيش قدرا من الاستنارة وغرب لايزال شبه مجهول وبحاجة إلى رواد ليستكشفوا أراضيه المطلة على المحيط الهادي ومن ثم يستوطنونها ويقيمون بين جنباتها فروعا تنتمي إلى الكولوسوس، الشركة العملاقة التي مازالت تحمل اسم الولايات المتحدة وهي فروع بدأت بما أصبح يعرف في التاريخ الأمريكي المعاصر تحت شعار (كيف غزونا الغرب)، أو كيف فزنا بالغرب وشهدت التسابق الهستيري المشوب بحمى الطمع وأحلام الثراء تحت شعار (البحث عن الذهب) ولم تنته بتجارة الأحلام والطيوف ومنتوجات الخيال في سينما هوليوود. كانت الولايات الواقعة في جنوب أمريكا أقرب إلى المواقع المغلقة على أسوأ أسرار عرفتها الإنسانية في عصرها الحديث، وكانت أسرارا غير إنسانية في التحليل الآخر: تلك كانت أسرار الاسترقاق ونظام العبودية الذي وضع الملايين من أبناء الشعوب السوداء المجلوبين بالقهر والاختطاف والإتجار الخبيث بالبشر تحت رحمة مزارعي القطن وقصب السكر وسائر محاصيل المناطق الحارة، من مستوطني ولايات الجنوب والوسط الأمريكي يستغلون كدحهم ويمتلكون أجسادهم ويستحلون ناتج عملهم وذوب عرقهم. ولا تحسب أن القوم في تلك الاصقاع، ولا في تلك المراحل، كانوا يخجلون مما يعملون. لقد كان من بينهم من يدافع عن نظام العبودية الذي استغلوه لخدمة مصالحهم الاقتصادية والمعيشية، كانوا يقولون ان العمال الأحرار في شمال أمريكا لم يكونوا أسعد حظا من العمال الأرقاء الزنوج المستعبدين في ولايات الجنوب، استوى الاحرار والعبيد في ضآلة الأجر وقلة البخت وسوء المعاملة وفداحة الاستغلال وربما أمعن بعضهم فتمادى في غيه وسخافته مثل شاعرهم ويليام جرايسون الذي كتب قصيدة في عام 1854 واختار لها العنوان التالي: (الأجير والرقيق) والشاعر إياه كان من ولاية نورث كارولينا وقد اصدر قصيدته إياها التي تفوح بروح التعصب وتصف الحرية بأنها مجرد فوضى في حين أن العبودية في رأي سيادته ما هي إلا رعاية. أبوية يبسطها السيد المالك على العبد، المملوك. ولما كان الأمر على هذه الحال فالأفضل للسادة، كتر الله خيرهم.. أن يمتلكوا عبيدا ولا يعنون بإطعامهم وصحتهم وأن يتيهوا على الناس عجبا لأن هؤلاء العبيد يعملون في صمت ورضا وسلام.. أين هذا من شقاوة وغلاظة ومشكلات العمال الأحرار الذين يتسامح الناس عن اضرابات ينظمونها واحتجاجات تؤدي إلى تعكير صفو.. السلام الاجتماعي والحاصل أن تشييد معظم البني الأساسية والهياكل الرئيسية في الجنوب الأمريكي تم على حساب عرق وكدح ملايين العبيد المسترقين ذوي الأصول الأفريقية.. أحفادهم لا يزالون أحياء يرزقون وأحيانا لا يرزقون سوى على مستوى الفتات القليل.. وقد أحسن مؤلف هذا الكتاب حين اختار للفصل الذي نعرض له في سطورنا هذا عنوانا له دلالته التي لا تخفي وهو: «الديون» ويقصد بذلك أن ثمة ديونا ما برحت معلقة في أعناق احفاد المستوطنين من السادة البيض ومازال أداؤها واجبا في رأيي المؤلف، يستحق الوفاء به لصالح أحفاد السود الذين أفنوا أعمارهم يرسفون في أغلال العبودية من جهة ويبذلون سيول العرق وربما الدم والدموع من جهة أخرى من أجل أن تخرج إلى العالم أكبر شركة أو مؤسسة عرفها تاريخ هذا العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية، التي يعترف واضع هذا الكتاب (ص 119) بأنها شيدت مجدها وبنت أهم مرافقها الأساسية وهي السكة الحديد على حساب عرق الزنوج الأفارقة وثمار كدحهم اناء الليل وأطراف النهار أو كما يقول المؤلف على حساب العمل الأسود.. المسروق! عصر الاندماج الباب الثالث من هذا الكتاب يحمل العنوان التالي: عصر بناء الشركة المساهمة (عصر الإندماج) وقد حدد المؤلف حقبة هذا العصر بأنها بدأت في عام 1870 وشارفت على الختام في عام 1930. في إطار الحقبة المذكورة كانت أمريكا قد قطعت أكبر الأشواط ربما عبر تاريخها كله في مضمار العلم والاختراع والفتوحات التقنية عام 1870 شهدت الفترة التي انتهت فيها الحرب الأهلية بين الولايات الشمالية والجنوبية في أمريكا، وحين انتصر الشمال بزعامة رئيسه إبراهام لنكولن تأكدت مع هذا النصر وحدة البلاد وخروجها إلى الساحة القومية والدولية كيانا سياسيا متأزرا محفوفا أو محميا باثنين من المحيطات ومصانا بسياج من العزلة الجغرافية التي أبعدته عن التعاطي مع مشكلات العالم القديم، منازعاته وحروبه وصراعاته الباردة والدموية الساخنة على السواء. هكذا شهدت الساحة الأمريكية منذ أواخر القرن التاسع عشر وبواكير القرن العشرين عدة مخترعات واكتشافات غيرت وجه الحياة في أمريكا والعالم. شهدت الكهرباء نورا وطاقة للحركة ومراحل البخار واتصالات البرق التلغرافية ثم الهاتف السلكي، وبعده المصعد الكهربائي وماكينات الحصاد الزراعية ثم ماكينة الحياكة وسلاسل حفظ الأطعمة في المعلبات وما واكب هذه السلاسل من التوصل إلى صفائح العلب أو الجلود الفولاذية كما كانوا يسمونها. كل هذه المخترعات والاكتشافات وجدت طريقها إلى التسجيل والاحتكار قبل طرحها للاستخدام الميداني العملي والعام حيث تكونت من أجلها شركات ومؤسسات متخصصة في ميادين الإدارة والتشغيل والإنتاج وكل هذه الظواهر والانجازات أدت إلى دفع خطى النمو الاقتصادي على الرغم مما صادف أمريكا مع الثلث الأول من القرن العشرين من مخاوف وانتكاسات وتجلى ذلك في حقيقة أن الفترة الفاصلة بين 1871 و1813 زاد فيها الناتج القومي الإجمالي للفرد الأمريكي بنسبة 133 في المائة وعندما وفد على أرض (العالم الجديد) تيار من المهاجرين الجدد الذين بلغ عددهم 25 مليون مهاجر أدت هذه الزيادة الضخمة في حجم السكان ومن ثم حجم العمالة الشغيلة في أمريكا إلى زيادة ثروات الأفراد بنسبة وصلت إلى 60 في المائة. وسط هذا الازدهار قامت تطورت واتسعت وازدهرت ظاهرة إنشاء الشركات المساهمة لدرجة أن وصفوا أمريكا حسب عبارة المفكر (ليبتر دراكر) بأنها (بلد المنظمات) التي وصل بعضها إلى أبعاد عملاقة من حيث الحجم والعمالة ورقعة النشاط ومعدل الأرباح.في هذا الإطار لاحظ الفيلسوف الشهير (جون ديوي) أن أمريكا تتحول من جماعة إلى مجتمع والمعنى أنه إذا كانت الجماعة البشرية تضم أفرادا مترابطين تجمع بينهم وشائج من القربى أو المودة أو التواصل الإنساني فإن المجتمع الجديد أصبح كيانا كادت تتلاشى فيه علاقة التواصل وروح الإنسانية وذلك لحساب سيادة الآلة والإحصائية وتعاليم التنظيم ودفاتر الإنتاج وأعراف الإدارة. وكم كان صادقا الكاتب الصحافي (والتر ليبمان) وهو من رواد علوم الاتصال الجماهيري ورصد اتجاهات الرأي العام حين كتب في عام 1914 يقول: لقد استطعنا أن نغير البيئة التي نعيش فيها ولكن بوتيرة أسرع من قدرتنا على تغيير أنفسنا. ومشكلتنا أننا نتغير ولكن دون وجود شواهد سابقة نهتدي بها.وهكذا تحولت أمريكا إلى عصر جديد وخطير مع دخول القرن العشرين سنواته الأولى، عصر أطلق عليه الدارسون والمحللون الوصف التالي: عصر الفردية المادية وهذا هو بالضبط عنوان أحد الفصول المهمة من الكتاب الذي بين أيدينا، وفي هذا الفصل يشير مؤلفنا جاك بيتي إلى أن بارونات الاقتصاد الأمريكي، لوردات الحديد أو الصلب أو النفط أو العقارات أو السيارات أو الخدمات المصرفية ومن في حكمهم، هؤلاء المتنفذون الذين ارتبطت أسماؤهم بالمؤسسات العملاقة التي شيدوها كانوا يعيشون في ظل قانون دارون الشهير والخطير. إن الحياة صراع شرس ودائم من أجل البقاء وأن البقاء للأصلح.لكن بحكم هذه الشراسة الضاربة فقد كان الأصلح في هذا السياق هو الأكثر قوة وربما الأشد وحشية وضراوة والأقدر على حبك المؤامرات ونصب الشراك والتنكيل بالخصوم والمنافسين. عاد إذن قانون الغابة مع القرن العشرين. ولكن بصورة أكثر شياكة وبأساليب مغايرة وأن ظل الهدف واحدا لا يتغير.