الملف السياسي: الدور السياسي للاتحاد الاوروبي في الشرق الاوسط كان ولايزال رغبة أوروبية، ومطلبا عربيا لموازنة الدور الامريكي المنحاز لجانب اسرائيل، فالمواقف الاوروبية عموما اقرب الى مواقف الدول العربية، فيما يتطابق الموقف الامريكي الى حد كبير مع الاطماع الصهيونية، الا ان ثمة تردداً واضحاً من جانب كثير من دول القارة الاوروبية في الانخراط بآليات الصراع، ففي حين يتحدث العرب عن التوازن بين أوروبا وأمريكا في رعاية عملية السلام تتحدث اوروبا عن مساهمتها في العملية السلمية، ودورها المتمم لدور الولايات المتحدة الامريكية، وذلك لان الاتحاد الاوروبي لايريد التورط في نزاع علني مع الولايات المتحدة الامريكية، ويعود ذلك على نحو رئيسي الى الاهمية الكبيرة للعلاقات الاوروبية ـ الامريكية، بما فيها التعاون في المسائل الدفاعية والاستراتيجية وهذا يعني أن أوروبا ليست على استعداد للتضحية في علاقاتها مع الولايات المتحدة من أجل الشرق الاوسط. الاتحاد الاوروبي ككيان موحد، يطرح تصورات معتدلة لتسوية النزاع والتعاون الاقليمي ويركز على اطر ومباديء متوازنة يتم الاشارة اليها في كثير من الاحيان بالتعبير عن نوايا تستند على اصدار بيانات وتحديد مواقف اكثر مما يستند على آليات تنفيذية ترتبط بممارسة ضغوط عن نوايا تستند على اصدار بيانات وتحديد مواقف اكثر مما يستند على آليات تنفيذية ترتبط بممارسة ضغوط محددة كما انه يركز في جانبه الفعال على القضايا الاقتصادية من دون ان يتوازى ذلك مع التركيز على قضايا سياسية او استخدام الادوات الاقتصادية لدعم الدور السياسي. تباين الرؤى والاتجاهات وهناك مستوى اخر وهو الدور الذي تمارسه الدول الاوروبية ارتباطا بالشرق الاوسط ولاسيما فرنسا ويتم التعبير عنه بتحركات مكثفة لتقريب وجهات النظر الا ان تفاوت اهتمام البلدان الاوروبية بالمنطقة يجعل من تحركات باريس ذات طابع موسمي يترافق مع عدم توفر اجماع على ما تطرحه من جانب بقية الاطراف الاوروبية بالاضافة الى وجود نوع من التنافس على بعض المستويات بين عدد من تلك الدول حيث يتشكل الاتحاد الاوروبي من عدة دول لها اتجاهات وسياسات مختلفة ولا توجد لديه حتى الآن رؤية مشتركة بشأن قضايا المنطقة، ولا يمثل طرفا دوليا واحدا يمتلك سياسة خارجية محددة الامر الذي يجعل الاهداف الاقتصادية لاوروبا في علاقاتها مع بلدان المنطقة تطغى على الاهداف السياسية في حين تؤكد على ثوابت العملية السلمية التي انطلقت في مدريد، وتتبع ما يمكن تسميته بالطريق الآمن، كي لا تسقط الاسس التي عقد علي اساسها مؤتمر برشلونة في العام 1995 بهدف اعطاء ابعاد جديدة للعلاقات الاقتصادية المستقبلية بين الاتحاد الاوروبي ودول حوض البحر الابيض المتوسط ولجعلها تقوم على التعاون والتضامن والحفاظ على علاقات حسن الجوار والتاريخ المشترك الذي يربط بينهما علما ان وثائق مؤتمر برشلونة اشارت الى ان المبادرة الاوروبية المتوسطية لم تأت لتحل محل المبادرة التي يقوم بها الفرقا، المعنيون بها من اجل تحقيق السلام في الشرق الاوسط وانما جاءت لتدعمها وتساعدها على تحقيق الاستقرار والتنمية. لاشك ان المجموعة الاوروبية تملك الكثير من اوراق الضغط على اسرائيل ولاسيما الاقتصادية فاوروبا تمثل الشريك التجاري الاول للدولة العبرية وتستقطب اسواقها نحو 70 بالمئة من تجارتها الخارجية الا ان بلدان المجموعة اثرت تبني مواقف مرضية لكل الاطراف في الصراع دون ارضاء اي منهم على حساب الاخر فهي تحتفظ بعلاقاتها الطيبة مع اسرائيل، وتسقط الجانب السياسي في الحوار العربي ـ الاوروبي، وتتعامل مع البلدان العربية في صور انفرادية او اقليمية وتقوم باصدار كم هائل من الاستنكارات والبيانات التي تشجب اعمال العنف في الاراضي العربية المحتلة وفي الوقت نفسه لا تقدم اي مشروع للمساهمة في تهدئة الاوضاع في المنطقة تمهيدا لاستئناف عملية السلام وبالرغم من ان سوريا ولبنان قاطعتا المؤتمر الوزاري الاوروبي ـ المتوسطي الذي عقد مؤخرا في فالنسيا بسبب الممارسات الاجرامية الصهيونية، الا ان الاتحاد الاوروبي اصر على موقفه الرافض الحؤول دون مشاركة اسرائيل فيه ووصفت مدريد التي ترأس الدورة الحالية للاتحاد لاوروبي، دعوة دمشق وبيروت الى تعليق عضوية اسرائيل بسبب سياسة شارون الاجرامية بانها «دعوة غير واقعية» وفي محاولة للايحاء بان الاجتماع حقق تقدما بالرغم من التوترات التي سادته تم الاعلام عن خطة عمل للمضي في عملية الاندماج السياسي والاقتصادي والثقافي بين الشركاء الـ 27 في عملية برشلونة. علما ان مؤتمر فالنسيا ليس المؤتمر الاول الذي تعترضه صعوبات عديدة ناتجة عن السياسات الصهيونية والممارسات العنصرية الاجرامية بحق الشعب العربي الفلسطيني التي ادت لفشل عملية السلام التي انطلقت في مدريد، حيث كانت سوريا ولبنان قد قاطعتا ايضا مؤتمر مرسيليا الذي عقد العام الماضي الا ان وزراء الاتحاد الاوروبي التزموا في مرسيليا الحياد تجاه ما يجري فوق الاراضي الفلسطينية وهو ما دفع وزراء الخارجية العرب المشاركين لرفض التوقيع على البيان الختامي للمؤتمر لان الرئاسة التي كانت تتولاها فرنسا رفضت التنديد بالاعتداءات الاسرائيلية على البيان الختامي للمؤتمر لان الرئاسة التي كانت تتولاها فرنسا رفضت التنديد بالاعتدائات الاسرائيلية على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وانتقد نائب رئيس البرلمان الاوروبي «رينزو ايميني» بشدة الشكل والمضمون الراهنين للعلاقات الاوروبية ـ المتوسطية عبر «اوروميد» داعيا الاتحاد الاوروبي للعب دور ايجابي في المنطقة كي لا يبقى متفرجا وبالرغم من ان احداث الشرق الاوسط طغت على مؤتمرات «اوروميد» الاخيرة الا ان قراراتها ركزت على البعد الاقتصادي كمنطلق لاقامة منطقة للتبادل التجاري الحر في العام 2010، في حين ان الشراكة الاوروبية المتوسطية مازالت محدودة في مجالات التعاون التي تم وضع الاطار لها في الاعلان الصادر عام 1995 في برشلونة، ولا سيما تحديد مجال مشترك للسلام والاستقرار عبر تعزيز الحوار السياسي والأمني. واقامة شراكة اقتصادية ومالية لخلق منطقة مشتركة مزدهرة من خلال العمل تدريجيا على انشاء منطقة للتبادل التجاري الحر، واقامة شراكة اجتماعية وثقافية وانسانية عبر تكثيف المبادلات المجتمعية المدنية. الدور الأوروبي من سخرية القدر ان أوروبا التي يراهن عليها العرب اليوم، ويتطلعون الى دور ايجابي يمكن ان تقوم به، هي التي أوجدت الكيان الصهيوني، بوعد بلفور المشؤوم، ودفعت بموضوع فلسطين الى الامم المتحدة لتحقيق المطامع الصهيونية، وتبنت قراراً بتقسيم فلسطين، ثم تغاضت عن تجاوز اسرائيل على ما رسمته من حدود. وأوروبا هي التي أقرت تجاهل قرارات الامم المتحدة بحيث ربطت بين حل المسألة الفلسطينية، وبين مشكلة الأوروبيين سكان معسكرات من شردتهم الحرب العالمية الثانية، بينما كانت تعرف بأن الصهاينة ينشطون بين اليهود من هؤلاء لتعبئتهم ليختاروا الهجرة الى فلسطين، كما أفشلت أوروبا في الأمم المتحدة مشروع قرار عربي يستبدل تقسيم فلسطين باقامة دولة فيدرالية فيها. وبالرغم من ذلك، فإن لأوروبا تراثا حديثا يمكن الاستناد اليه في التحرك من أجل السلام في المنطقة، ففي العام 1980 اعترف الاتحاد الأوروبي في اعلان البندقية بالحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وفي العام 1987 أعلنت المجموعة بمبادرة فرنسية في اجتماع بروكسل تأييدها عقد مؤتمر دولي للسلام، باشراف الامم المتحدة، واشراك الاطراف المعنية، واعلنت استعدادها للقيام بدور في هذا المؤتمر، كما شاركت الدول الاوروبية في مؤتمر مدريد مع وجود حدود لدورها، وقدمت خلال السنوات الماضية مساعدات مالية وفنية للسلطة الفلسطينية. وقد أقرت مؤخرا تقديم 1.2 مليار دولار للسلطة الفلسطينية لاعادة بناء البنى التحتية التي دمرها الجيش الصهيوني، ولهذا فإن أبواب أوروبا المفتوحة على المنطقة، تأتي في اطار محاولات اثبات الوجود، إلا ان المساعي الأوروبية محكومة بسقف لا يمكن تجاوزه. فهي تتطلب أولا توافقا أوروبيا وسياسيا موحدا، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، ورغبة امريكية واسرائيلية في اعطاء أوروبا مثل هذا الدور ثانيا وهو أمر مستبعد حاليا، الأمر الذي يبقي الدور الأوروبي بشكل عام مرتهنا للتوازنات الدولية في المنطقة، وما يمكن ان تسمح بها الولايات المتحدة الامريكية مستقبلا، وقد صاغت واشنطن معالم هذا الدور بتحميل الاتحاد الاوروبي جزءا من تكاليف السلام المادية في المنطقة، والمشاركة في بعض الترتيبات الامنية. اما اسرائيل التي تعرف كيف تستثمر كل الاوراق المتاحة للضغط على اوروبا. فقد تقوم بين الحين والآخر بنبش ماض كريه تريد أوروبا أن تنساه. وذلك لمواصلة ابتزاز أوروبا ومحاولة كسب الرأي العام الذي تخسره تباعا نتيجة ممارساتها الاجرامية، ومع ان الدولة الصهيونية تقلل من اهمية الدور السياسي للاتحاد الاوروبي في المنطقة. وتسعى للحد منه، تعتبر انه من الخطأ قيام مواجهة مباشرة وحادة مع أكبر قوة اقتصادية ناشئة في العالم، ذات قدرة شرائية تبلغ ضعفي قدرة الولايات المتحدة الامريكية، حيث تقيم علاقات جيدة مع أغلب البلدان الأوروبية، ولا سيما في الشأن الاقتصادي. ولهذا تحاول اسرائيل تدعيم علاقاتها مع أوروبا استنادا لهذا المفهوم ولا سيما مع ألمانيا وفرنسا. ولادراكها ان هاتين الدولتين تشكلان مفتاحا أساسيا لدول الاتحاد الأوروبي، وتلعبان دورا كبيرا في مجموعة الدول التي ستساهم في تمويل المشاريع المشتركة في المنطقة، فيما لو انجز السلام، وسيكون لهما تأثير مباشر في المفاوضات المتعددة الأطراف التي من المفترض أن تستأنف بعد استئناف عملية السلام. القادة الأوروبيون على كل المستويات تعودوا منذ سنوات عديدة، اطلاق التصريحات المتفائلة في اجتماعاتهم ولقاءاتهم ومساعيهم السياسية، إلا ان جهودهم تفتقر للمشروع.. للموقف.. للمبادرة، هدفهم الاساسي حماية مصالح بلدانهم في المنطقة فيما لو انجز السلام، الذي لن يكون قطعا صناعة أوروبية ... الاتحاد الأوروبي مجموعة هامة على الساحة الدولية، ويستطيع ان اراد ان يلعب دورا بناء في عملية السلام إلا انه مع الأسف لا يستخدم كل امكاناته وقدراته. وبالتالي فإن غياب الاتحاد الاوروبي ليس في مصلحة جميع الاطراف. وأولهم الاتحاد الأوروبي نفسه الذي يقف على خط المواجهة الأول لأي صدمة من احتمالات حرب أو عنف أو حتى سلام في الشرق الأوسط. وهو ما عبرت عنه «اللوموند الفرنسية» عشية زيارة شيراك للمنطقة العام 1996 معتبرة «ان انهيار السلام يضر بمصالح أوروبا مباشرة، ويهدد بتقويض مشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية الذي انطلق في برشلونة». وعلى الرغم من ان الاحساس بهذه التأثيرات ليس على الدرجة نفسها في جميع دول الاتحاد الأوروبي، فإن اختفاء الحدود فيما بينها وفقا لخطوات الوحدة الأوروبية، سوف يجعل التهديدات القادمة من الشرق الأوسط، هاجسا أوروبيا جماعيا، يتطلب ارادة سياسية جادة لمنع انفجار المنطقة. من البديهي ان السياسة الامريكية اصبحت بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، حاسمة في تحديد الشكل المستقبلي للامن الدولي، وتلعب دورا محوريا في قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، ولا يمكن فهم الدور الاوروبي إلا كممهد ومحفز لواشنطن كي تمارس دورها من اجل توطيد أسس «السلام» وترسيخها كقواعد للحياة في المنطقة، وتحقيق الغاية من الامن الجماعي الذي صاغته قمة واشنطن الاطلسية، وبذلك يبقى الاستعداد الاوروبي لملء الفراغ الذي خلفه صمت الادارة الأمريكية عن جرائم شارون، محاولة يائسة، لان أوروبا لم تلوح بأي انطباع بأن هناك موقفا مستقلا عن موقف واشنطن التي تتحكم بمسيرة الامم، وتحدد مصير بلداننا ومستقبل المنطقة وآليات تطورها. ـ أمين تحرير صحيفة «الثورة» السورية