الملف السياسي: لم تحظ القضية الفلسطينية في تاريخها الطويل بما تحظى به الآن من وجود يتمثل في التعاطف والتضامن على الساحة الاوروبية بشكل عام والايطالية بشكل خاص. عدد من المثقفين ورجال الإعلام وبعض أفراد في الأحزاب اليسارية في البلاد بما فيهم عدد كبير من ابناء الجالية اليهودية، لايزالون مأخوذين بمفارقة مؤلمة واستثنائية تمزقهم بين ولائهم المفترض لدولة اسرائيل وادانتهم الاخلاقية لها نتيجة مضي الجزار شارون وحكومته بخططه وارتكاب جيشه الفظاعات حيال أهلها. الانتفاضة الفلسطينية بضحاياها من الأطفال والنساء استطاعت جذب أنظار الرأي العام الايطالي من خلال دخولها في دورة الاخبار والتحقيقات اليومية بكاملها في عموم وسائل الإعلام الايطالية لتحصد تعاطفا انسانيا كبيرا، وتستعيد من خلاله العداء التقليدي التاريخي في أوساط الرأي العام لليهودية، الذي حاول الفاتيكان طيلة السنوات العشر الماضية محوه في قطاعات واسعة من الكاثوليك. في محاولة لاستعادة ثقة الناقمين، شهدت العاصمة الايطالية منتصف الشهر الماضي مظاهرة تأييد واعلان ولاء لدولة اسرائيل أعدتها الجالية اليهودية بمساندة بعض القوى اليمينية، واللافت ان الجهات الداعية اليها كانت يهودية حصرا، وتميزت بضعف ملحوظ (بضعة آلاف) في مشاركة أفراد من الأحزاب المحلية وهيئات مجتمع روما المعروفة بمواقفها غير الصديقة للعرب، إذ ان هذه التظاهرة حاولت المساواة بين اللاسامية واللاشارونية، وجاءت بعد أيام كرد على مظاهرة حاشدة للتضامن مع الشعب الفلسطيني في محنته، قامت بها الجاليات العربية وعدد من المنظمات اليسارية وعلى رأسها المراكز الاجتماعية (مناهضو العولمة) كما انتظم فيها كل من حركة الشبيبة اليسارية المنضوية تحت راية حزب الديمقراطيين اليساريين (الشيوعي سابقاً) وعدد كبير من اعضاء وقيادات حزب اعادة التأسيس الشيوعي وجماعات الخضر. التحولات في عدد من المواقف السياسية عند اليسار الايطالي التي عرفت بمواقفها المساندة العنيدة للقضية الفلسطينية، مخافة اتهامها من نقل اللوبي اليهودي الايطالي الذي يهيمن على وسائل الإعلام، ثقله السياسي لمصلحة تكتل يمين الوسط الحاكم في الانتخابات البلدية الجزئية التي ستجرى منتصف هذا الشهر، اضافة الى محاولات الانسلاخ الكامل عن الماضي الفاشي، وعقدة الذنب التي يحملها الايطاليون ازاء ما ألم باليهود في الفترة الفاشية، ومحاولة الجميع طوي صفحات الماضي. حكومة يمين الوسط التي يقودها رجل المال والتلفزيونات الخاصة سيلفيو بيرلسكوني الذي سبق له ان قدم اقتراحا يقضي بعقد مؤتمر دولي خاص بالشرق الأوسط تشارك فيه السلطة الفلسطينية واسرائيل وروسيا والولايات المتحدة اضافة الى الاتحاد الاوروبي والدول العربية، حاولت بالتأنيب المبطن والمطالبة الخجولة بالانسحاب الفوري من الأراضي العربية، وارسال قوات لحفظ السلام الدولية الى الأراضي الفلسطينية والاعتراف بالدولة الاسرائيلية من قبل الدول العربية الى جانب تحسين مستوى معيشة الشعب الفلسطيني من خلال برنامج مارشال، وهي كحكومة يمينية حاذرت في جميع خطواتها عدم اخلال التوازن في علاقاتها التبعية مع الولايات المتحدة وتجنبت التصريحات شديدة اللهجة، وفضلت التوازن في توزيع مسئولية ما يجري في الاراضي الفلسطينية على الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي في مراعاة للغضب العارم الذي اجتاح اوساط الرأي العام الايطالي. وقد بينت استطلاعات الرأي الذي اجرتها بعض الصحف ومعاهد البحوث المختصة بأن 88% من الشعب الايطالي يعتقد بضرورة انسحاب القوات الاسرائيلية من الاراضي الفلسطينية وضرورة اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وان اغلبية الناس تستنكر الجرائم البشعة التي تقوم بها قوات الاحتلال. السؤال الذي يطرح نفسه الآن يتعلق بقراءة لموقف اوروبا التي تعايشت مع شعوب المنطقة ووقفت على خطوط التماس معهم والتي بعد ان شاركت في حرب الامريكيين في افغانستان، رأت وجوب عقلنة كل شيء ماشية وراء لعبة التوازنات الدولية والذي يصفه البعض بالمتراجع والبسيط والعاجز، والتبعية ويصفه الآخر بالعادل والموضوعي. أوروبا جاهرت بانزعاجها من السياسة الامريكية في الشرق الاوسط التي جمعت بين الغطرسة والصلف والطيش الذي تماهى في كثير من الاحيان الى الرعونة (شارون رجل سلام!) وموقف الانزعاج والرفض الذي عبر عنه اكثر من مرة اكثر من زعيم ومسئول اوروبي ليس نابعا من وازع اخلاقي، بل هو مدفوع بهاجس القلق من مخططات استراتيجية امريكية تشكل خطرا على القارة الاوروبية ومستقبلها. صحيح ان اوروبا التي لا يمكن الآن التعامل معها على انها كتلة موحدة متراصة على صعيد السياسة الدولية لكونها تمر بمرحلة انتقالية بنائية، ونعلم جميعا انها هي التي اصطنعت (الدولة) اليهودية وهي التي احرقت اليهود الذين لم تطق وجودهم فيها، وهي التي نفذت قرارا دوليا بتقسيم فلسطين ثم اغمضت عينيها عن تجاوز اسرائيل ما رسمته من حدود، وهي التي افشلت في المنظمة الدولية مشروع قرار عربي يستبدل عملية تقسيم فلسطين باقامة دولة فيدرالية، الا ان اووربا في الوقت الحالي تعي جيدا بأنها غير قادرة على وقف عملية الذبح التي يقوم بها شارون الذي يستند الى الحائط الامريكي، كما انها تدرك بعجزها عن طرح اي مبادرة مستقلة طالما لم تكن ما تطرحه من دبلوماسية منسقة مع الولايات المتحدة، بمعنى ما لم تحظ بموافقة اسرائيل المفترض انها شريك في عملية السلام. أوروبا تعاني من عدم قدرتها في الوقت الحالي على صنع قرارات او آليات تنفيذها، كما انها لا ترى ضرورات ملحة لحرب جديدة، ولا ترى موجبا لتجاهل الامم المتحدة وصلاحياتها، الا انها بالمقابل تعترف بأنها غير قادرة على اختراق السقف الامريكي، ولا ترى في الضفة الاخرى حزما في البلدان المتوسطية التي يتركز اكثر من 80% من معاملاتها الاقتصادية مع الاتحاد الاوروبي. اوروبا التي اصبحت اليوم في المركز القادر على الدفاع عن نظامها الدولي وهو نظام الدولة القومية، هي قوة تتعاظم وتحقق انتصارات متواصلة، لديها الآن اكثر من اي وقت مضى ما يمكنها من الاستلهام المنهجي لروحها والانبعاث المنظم لارادتها، فهي صاغت تقاليد الغرب الكلاسيكية، في المعرفة والاخلاق والسياسة، وأنجبت عصور الانسانية العظيمة من عصر الاحياء الديني الى عصر النهضة وعصر التنوير وعصر الحداثة وما بعدها، والتي اعتمد العالم مفاهيمها ومعارفها وقيمها كلها تقريبا. ان الاسلوب الاوروبي يعتمد على نوع من المشاركة فحتى ما ورثته بلدان العالم الثالث عن مرحلة الاستعمار الاوروبي التقليدي والمباشر الا ان اوروبا بنت في مرحلتها الاستعمارية تلك مدنا جديدة مهدت الارض لحاصلات جديدة، وكيفت نمو قوى اجتماعية حديثة مهما كانت دوافع كل ذلك. اوروبا قارة المتبدلات البرجوازية ذات الطابع الديمقراطي المفتوح على افاق اجتماعية ومعرفية وثقافية كبيرة ومن يكسب اوروبا هو باعتقادنا الطرف الذي ينجح في دفع خصمه الى الهاوية قبل سقوطه هو فيها، فاسرائيل تملك امكانات واسعة جدا للضغط على الموقف الامريكي سواء في اوروبا الغربية والشرقية، ام العالم النامي، وهي تضع نفسها في موقع يتيح لها مقاومة الضغوط الامريكية في حال وجودها واغراء امريكا بقوس واسع من الخدمات (يقول شارون ان اسرائيل هي اهم استثمار خارجي صحيح مئة في المئة) تقدمها فتعينها على توطيد مكانتها الاقتصادية وهو الامر الذي يغل ايدي الامريكيين في الصراع العربي ـ الاسرائيلي ويشجعهم على العمل لاقامة نسيج علائقي لابد من اطرافه المختلفين على القبول بما تقدمه لهم من مغانم بديلا لحل جدي للمشكلة النابعة من احتلال الاراضي العربية. لاشك ان امريكا تعرف تمام المعرفة معنى التقاء اطراف العالم العربي والاسلامي مع اوروبا على قصد مشترك فهذا العالم هو مصدر الخطر الاساسي على سيطرتها الاسيوية والافريقية، وهو تحد قوي لاوروبا نفسها القارة التي تضم اليوم في ارجائها اكثر من 35 مليونا من المسلمين والعرب يتنامى يوما بعد آخر، عالم العرب والمسلمين هذا يملك الاسلحة النووية والصواريخ العابرة للقارات وصناعات متقدمة وحديثة اضافة الى ثلاثة ارباع نفط العالم وكميات هائلة من الثروات المعدنية الاخرى. وان كانت سياسة امريكا تقوم على وضع هذا العالم في مواجهة بعضه وعلى اثارة تناقضات عدائية بين اطرافه تنتهي بها الى سيرورة تمزق وتمزيق ذاتية لا نهاية لها وتحول طرفه الشرقي الى عدو لطرفه الغربي والجنوبي العربي اساسا ليصبح كلا منهما عبئا على الآخر فان استراتيجية العرب يجب ان تنصب اولا على دمج هذين المجالين في فسحة سياسية حضارية واحدة، متقاربة او موحدة الهدف تتجه جهودها ضد اعدائها الحقيقيين، ونجاح مثل هذه الاستراتيجية يتوقف على تصالح العرب مع ذاتهم اولا ومع الاسلام كهوية ثقافية حضارية ثانيا، ومن ثم التحالف مع اوروبا. يعتقد المراقبون هنا بأن حكومة شارون ومن يأتي بعدها بعد الاحداث المأساوية الاخيرة، ستبقى على شعرة معاوية مع العديد من العواصم الأوروبية، وهو ما يفسر رميها بنفسها وبكل ثقلها لدى واشنطن لاعتبارات كثيرة. والاسرائيليون يتحسسون جدا من كل التوجهات التي ترمي الى تعزيز السلام في الشرق الأوسط وبناء الدولة الفلسطينية، لان تحقيق هذا الهدف سيقلل من الاهتمام بمجمل الاوضاع الاسرائيلية، ويدفع بها الى الصفوف المتأخرة على صعيد التوازنات الدولية، فما تستوعبه الدول العربية بدءا من الأراضي العربية وأسواقها التصريفية، مرورا بكل الدول المجاورة يزيد اضعاف المرات على ما يمكن ان تحصده أوروبا بشكل عام من «الثروات الاسرائيلية». ولان الاقتصاد هو العصب الرئيسي للحياة في أوروبا، وان العلاقات السياسية هي الرديف لاهتمامات ومصالح الاقتصاد الاوروبي، فإن مستقبل العلاقات مع الشرق الأوسط العربي على وجه الخصوص هو ما تتجه نحوه بوصلة أوروبا السياسية والاقتصادية، ويدرك العرب بان الركض وراء واشنطن حقق الاقل من ثمراته في حين تستطيع أوروبا تقديم الاكثر بقليل من الجهد العربي الذي ربما يكون ضربة موجهة الى الغطرسة والعناد الاسرائيلي بالوقت المناسب. ان بعض الزملاء العاملين في الاعلام العربي في تفسيرهم للسياسات الاوروبية بعد الرغبة في لعب دور فعال في عملية التسوية السلمية، يتناسون او يغفلون مساهمة العرب وقبولهم بهيمنة مطلقة واحتكار الولايات المتحدة لدبلوماسية المفاوضات الثنائية والمتعددة الجوانب، كما يتناسون ان القيادات العربية ذاتها هي التي تشدد على مثل هذا الحضور المكثف وتغض النظر للغياب الاوروبي الذي يستطيع خلق نوع من التوازن النسبي بين الفرقاء، وهو الامر الذي يجعل دور الاتحاد الأوروبي تكامليا مع واشنطن التي لا تسمح لأي من دول الاتحاد تخطي ما هو مرسوم لها، علما بأن دول الاتحاد ذاتها تحمل تعددا في وجهات نظرها لمجمل قضايا العالم ومنها قضية الشعب الفلسطيني كما اسلفنا. اوروبا تشعر بانها معنية لمساعدة المجتمعات العربية على النهوض في بنياتها التحتية وتقديم المساعدات الاقتصادية والعلمية والثقافية والتقنية، وهو دور لا يمكن التقليل من شأنه، ويرى العديد من الأوروبيين اليوم بأن أوروبا بامكانها الخروج عن صمتها خارج احتكار الولايات المتحدة للعب دور مؤثر في الشرق الاوسط. يقول لـ «البيان» الكساندرو كورتسي رئيس تحرير صحيفة الليراسيون الايطالية وعضو البرلمان الايطالي. ان اوروبا قادرة تماما على انتزاع دور ريادي لنفسها في الشرق الاوسط والتنديد بسياسات التدمير لبنية المجتمع الفلسطيني، كما انها قادرة على التأثير على مواقف الولايات المتحدة المتحيزة ودفعها نحو التوازن المطلوب، بدل الانحياز الاعمى لاسرائيل وهي تعي جيدا حجم مصالحها الحيوية في المنطقة العربية، وعلى العرب ان يدفعوا اوروبا بهذا الاتجاه، اي ان يجعلوها طرفا رئيسيا لا هامشيا كما هو الحال في الوقت الحاضر، لان المصلحة الامريكية والاسرائيلية الضيقة تتطلب على الدوام استبعاد اي دور اوروبي منافس ونشيط وعادل. بقلم: موسى الخميسي ـ كاتب عراقي مقيم في روما