لقد مر على المواجهة الفلسطينية الاسرائيلية الساخنة حوالي أكثر من عام، شهدت فترات عصيبة أخطرها الحملات العسكرية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين، تلك التي استهدفت عمليات تصفيات على كافة المحاور، ضرب قادة الانتفاضة، محاولة القضاء على السلطة الفلسطينية وعلى رأسها ياسر عرفات محاولة اجهاض روح المقاومة عند الشعب الفلسطيني.. اللعب بورقة الوقت لارجاع المكاسب السياسية التي حققها الشعب الفلسطيني الى نقطة الصفر، وتصاعدت حدة وقسوة أهداف اسرائيل بعد 11 سبتمبر، بينما العالم يتفرج على المذابح ضد الشعب الفلسطيني، وأوروبا واحدة من المناطق الاستراتيجية على المسرح الدولي، التي وقفت تلتزم الصمت مرة، واخرى تتحرك بالأساليب السياسية التقليدية، وقد بدت أوروبا في بعض الظروف وهي تحاول التحرك بجدية تجاه القضية الفلسطينية، لكن سرعان ما كانت تقف سرعة التحرك، وتعود لبطئها خاضعة للأوامر والنفوذ الامريكي، ومن ناحية ثانية تقع تحت وطأة الحصار الصهيوني لها داخل أراضيها. «الملف السياسي» التقى في هولندا هارس بوست خبير السياسة الاوروبية في حوار حول الدور الاوروبي تجاه القضية الفلسطينية ومدى حقيقة التحولات الاوروبية في هذا المسار، خاصة بعد العمليات الوحشية التي ارتكبتها القوات العسكرية ضد الشعب الفلسطيني فقال: ـ بداية لدي بعض التحفظات عن استخدام تعبير الدور الاوروبي، فأوروبا ليست دولة واحدة وإنما قارة بأكملها، فهل نتحدث أيضا عن روسيا؟ وشرق ووسط أوروبا؟ لو قصرنا الأمر على الاتحاد الاوروبي بأعضائه الـ 15 دولة، يكون الأمر أكثر تحديدا نسبيا، وذلك لأن الاتحاد تربطه اتفاقيات داخلية نحو وحدة الموقف السياسي تجاه العالم الخارجي، وله «اللجنة الاوروبية» التي تدير شئون أموره اليومية، وله منسق أعلى لشئون السياسة الخارجية، وعلى الرغم من ذلك فإن المسألة نجدها ايضا نسبية. ونستدل على ذلك بموقف الاتحاد الاوروبي المتغير، حيث تبرد حرارته أو ترتفع حسب توجه وسياسة الدولة العضو التي تترأس دورة الاتحاد، فالآن في ظل رئاسة اسبانيا وجدنا محاولات جادة من هذه الدولة، وفي الماضي كان لبلجيكا دور ايجابي تجاه القضية الفلسطينية، هذا اضافة لتباين المواقف داخل كل دولة من أعضاء الاتحاد الاوروبي، كل هذا له تأثير على دور ومواقف الاتحاد الاوروبي. ـ وجدنا ثمة تحولات في تصريحات ساسة ومواقف عدد لا بأس به في دول الاتحاد الاوروبية، اللعبة السياسية، وليس بمستغرب ان السياسة الامريكية تهيمن في النهاية على مواقف أوروبا. لكن ظاهرة الجرائم الاسرائيلية تجاه المدنيين، تلك التي يحاكم القانون الدولي على من يرتكبها.. اليست سبباً كافيا لاستثمار الاحداث لكي تضغط اوروبا على اسرائيل؟ ـ بالطبع هناك اسباب كافية ومكتملة العناصر، وتبقى مسألة قيام خبراء القانون الدولي في الدول العربية بالتحرك على الساحة الدولية، وفي محافل ومؤسسات القانون الدولي، وتقديم الادلة على الجرائم، على ان يسبق ذلك عمل التحريات والتحقيقات والابحاث اللازمة التي تكفي لادانة المجرمين ومعاقبتهم لكن هذه مرحلة يجب ان يكون قبلها مرحلة سياسية تضمن السلام والهدوء في الاراضي المحتلة الفلسطينية، وربما التحرك نحو طلب قوات دولية لتوفير ذلك وهو الامر الذي يؤيده الاتحاد الاوروبي، وهذا يستوجب ان يكون له اولوية لاستثماره، والاستفادة بمرحلة اشبه بالهدنة السياسية حتى يتم القفز لمراحل اخرى لاستعادة الحقوق الفلسطينية، وفق قرارات الامم المتحدة والتي توافق عليها فلسطين والدول العربية. ـ هل ترى دورا سياسيا مستقبليا للجاليات العربية في اوروبا، من شأنه تحريك الدور الاوروبي تجاه القضية الفلسطينية والضغط على اسرائيل؟ ـ اذا تحدثنا عن الجاليات العربية الاوروبية في اوروبا نقول بأنها «للأسف» لا تمارس حقها الشرعي والدستوري في الانتخابات البرلمانية داخل الاتحاد الاوروبي، من اجل تصعيد ودعم انصار القضية الفلسطينية والمعتدلين من ساسة اوروبا، وهذا الدور المفقود ربما تستعيده الجاليات العربية في المستقبل وتوجد مؤشرات حقيقة ضئيلة، لكنها تبعث بعضا من الامل، فقد اثبت الناخب العربي الاصل في الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت الاحد الماضي، قدرته على التأثير وذلك بمنح معظم اصواتهم للرئيس المرشح والذي نجح جاك شيراك وأجهضوا فرصة نجاح اليميني المتطرف جان ماري لوبان المعروف بعدائه للعرب داخل بلاده وخارجها ولو استشرت هذه اليقظة في بقية دول الاتحاد الاوروبي، لارتفعت اسهم الامل في الجاليات العربية. ـ حدثتني عن ربط تحرك الدور الاوروبي بمدى تفعيل السياسة العربية.. دعني اسألك مرة ثانية عن غياب الدور الاوروبي والضمير الانساني الاوروبي ـ الاوروبي اين ذلك من ترك اسرائيل تصول وتجول وتهدر حقوق الانسان وتسفك الدماء؟ واين واجبكم التاريخي في اوروبا؟ ـ اعترف لك بوجود قصور وتقصير في اداء الواجب التاريخي الاوروبي تجاه القضية الفلسطينية، لكن الضمير الاوروبي ليس بغائب فقط هو محاصر، وفي حالات كثيرة سجين المصالح العليا مع امريكا، ويخضع ايضا لنفوذ واشنطن، اضافة لقيود الارتباطات الاوروبية الامريكية، في بوتقة حلف شمال الاطلسي العسكري والاتفاقيات الامنية مع واشنطن هذا اضافة للخلفية التاريخية التي تربط اوروبا باسرائيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لا اعول كثيرا على المواقف الاوروبية المغايرة لموقف واشنطن السياسي والعسكري والاقتصادي لان عملية التباين وقتية. خاصة بعد انتشار صور العمليات العسكرية والمذابح الاسرائيلية ضد الفلسطينيين فهل هذه مؤشرات لمرحلة جديدة؟ التحولات التي برزت للسطح على الساحة الاوروبية يجب رؤيتها وتقييمها في اطارها الطبيعي بدون اضفاء حجم اكثر من حجمها، فالمظاهرات التي شهدتها عواصم اوروبية مثل باريس وامستردام وبروكسل ولندن، خرجت لتعبر عن مشاعرها، وهو رد فعل انساني وغضب ومتنفس تسمح به الحكومات وفقا للدستور فهي حقوق ديمقراطية للتعبير عن حرية الرأي وهي مواقف شعبية تحركت بفضل كثافة تواجد الجاليات العربية في هذه المناطق اما تصريحات الساسة في اوروبا فهي لم تأتي بجديد ولم تكن بالقوة المطلوبة التي تناسب حجم الاحداث في الاراضي المحتلة الفلسطينية وانا على عكس الكثيرين حيث لم ار تطوراً ايجابياً في دور الاتحاد الاوروبي الذي لم ينجح في فرض اقل حد من العقوبات الاقتصادية على اسرائيل ويأتي التحول الاوروبي في شكل تعاطف بالدرجة الاولى. ـ اذا كنت من شريحة غير المتفائلين سياسيا على نحو ما ذكرت فما تفسيرك إذن لاسباب الموقف الرسمي للاتحاد الاوروبي؟ ـ ان لم تشعر دول الاتحاد الاوروبي منفردة وجماعيا على مستوى منظماتها السياسية والاقتصادية بمقايضة مصالح من طرف العرب، وهذا امر شرعي في الامور السياسية الدولية، فانه يكون من الصعب بل من المستحيل ان نتوقع دورا اوروبيا ضاغطا وفعالا على اسرائيل فالمذابح قائمة لأبنائكم العرب من فلسطين والحكومات العربية تشترى وتبيع وتتعامل مع اوروبا وبعضها حتى مع اسرائيل ذاتها أليس هذا بأمر غريب ومدهش؟ دول الاتحاد الاوروبي ابان حرب البوسنة اتخذت اجراءات صارمة ادت لشل حركة الحياة في يوغسلافيا حيث كانت المصالح الاوروبية مباشرة وتمس العمق الاوروبي ولماذا كل هذه التوقعات من اوروبا؟ في الوقت الذي يسيل فيه دم العرب وتعلن دولة عربية لها ثقل بان لها علاقات متميزة بامريكا وانها لن تقطع عنها النفط في حين ان الكل يعرف بان السند الاكبر لاسرائيل هو حكومة واشنطن. الدول الاوروبية تربطها مصالح اقتصادية وشراكة مع الحكومات العربية وهذه من الممكن توظيفها سياسا لصالح القضية الفلسطينية لكن لم نر هذا يحدث من طرف العرب. ـ تباينت مؤخرا مواقف عدد من البلدان الاوروبية مع موقف امريكا تجاه القضية الفلسطينية هل سيتنامى هذا التباين ام سيتراجع؟ ـ لا اعول كثيرا على المواقف الاوروبية المغايرة لموقف واشنطن السياسي والعسكري والاقتصادي لان عملية تباين المواقف السياسية هي وقتية تأتي في ظل احداث بعينها. فقط يكون اختلاف المواقف ذا وزن في حالة ما اذا كانت ترتبط بشكل اساسي بخط سياسي واضح، وموقف محدد ومعلن يحظى بموافقة وضمانات من البرلمانات الاوروبية القومية، والبرلمان الاوروبي، واللجنة الاوروبية.