اذا كانت المواقف الرسمية الأمريكية تجاه حرب الابادة التي يقودها الارهابي شارون ضد الشعب الفلسطيني لا تحيد عن اطار القاعدة العامة التي دأبت مختلف الادارات الأمريكية على اتباعها والداعمة ، لاستمرار التأييد المطلق لسياسات واستراتيجيات الكيان الصهيوني في اطار نزاعه مع الدول العربية، فإن المواقف الأوروبية سجلت نوعا من التحول في مواقفها التقليدية من هذا النزاع والتي لم يكن من الممكن فصلها في فترات سابقة عن الموقف الأمريكي. ترجع أسباب التباين الامريكي الأوروبي الى مجموعة من المعطيات أفرزتها كل من البيئتين الداخلية والخارجية.ورغم كل ذلك فان هذا التباين في المواقف الأمريكية والأوروبية تجاه أزمة الشرق الأوسط قد يبقى مجرد تعارض شكلي ونظري اذا لم تتمكن البيئة الاقليمية العربية من توظيفه بطريقة عقلانية، وتعميق الفجوة التي تفصل بين الطرفين عن طريق اجراءات عملية تهدف الى الابتعاد تدريجيا عن الطرف الأمريكي، والاقتراب بوتيرة أسرع من الطرف الأوروبي. ان المصلحة الاستراتيجية المشتركة التي جمعت الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية منذ الحرب العالمية الثانية كانت كافية لنسج مجموعة من الروابط وقنوات الاعتماد المتبادل بين الطرفين. فالمساعدات الاقتصادية التي قدمتها الولايات المتحدة لاعادة بناء أوروبا وكذلك الحماية الأمنية التي وفرتها أمريكا للدول الأوروبية في اطار الصراع شرق ـ غرب ساهمت في بناء أواصر الصداقة والتحالف بين أوروبا وأمريكا الشمالية. وهو ما ساهم في تجانس المواقف السياسية للطرفين تجاه مختلف الأزمات التي ميّزت فترة الحرب الباردة. ولكن ذلك لم يمنع من بروز بعض السلوكات والمواقف الداعية الى رفض الهيمنة الأمريكية مثل انسحاب فرنسا من عضوية حلف شمال الأطلسي سنة 1965. لقد شكل تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المنظومة الاشتراكية اختفاء واحد من أهم المبررات التي ساهمت في تكوين وتطور التحالف الأمريكي ـ الأوروبي.لذلك تكهن البعض بنهاية عهد هذا التحالف بحكم انتهاء الأسباب التي أدت الى قيامه. وفعلا ظهرت بعض الأطراف الأوروبية ـ خاصة منها الدول اللاتينية المتوسطية ـ المنادية بفكرة الهوية الأمنية الأوروبية المستقلة عن المظلة الأمريكية. ولكن الولايات المتحدة تمكنت من احتواء هذه المطالب عن طريق تكييف حلف شمال الأطلسي ليستجيب للتحولات التي أفرزتها فترة ما بعد الحرب الباردة. اذ تمكن الأمريكيون من اقناع شركائهم الأوروبيين بأنه اذا كان الخطر الشيوعي لم يعد يمثل تهديدا حقيقيا لأمن المنظومة الليبرالية الغربية، فان الوضع الدولي الجديد أفرز مصادر تهديد جديدة متمثلة أساسا في الارهاب الدولي، المخدرات، التطرف الديني، سياسات التسليح التي تنهجها بعض دول الجنوب أو ما اصطلح على تسميته بـ «الدول المارقة»، وقد ساهمت كل هذه الاعتبارات في التعجيل بعملية توسيع حلف شمال الأطلسي، رغم تباين مواقف وتصورات الطرفين الأوروبي والأمريكي حول كيفيات ومجال التوسيع. ومع ذلك فقد طفت الى السطح مجموعة من القضايا السياسية والاقتصادية والعسكرية الدولية التي ساهمت في بداية تآكل أسس التحالف الأوروبي ـ الأمريكي. يعتبر الصراع العربي - الصهيوني من بين أهم المسائل الدولية التي أدت الى تصدع هذا التحالف على الرغم من كون الكيان الصهيوني ابتكارأوروبي-أمريكي. ويرجع السبب في ذلك الى مجموعة من الاعتبارات. فمن الناحية البراغماتية النفعية فان الدول الأوروبية تدرك جيّدا حجم مصالحها الاقتصادية والثقافية والسياسية في المنطقة العربية. وهذه الاعتبارات تجعل من النظام الاقليمي العربي مجالا استراتيجيا مهما بالنسبة لدور ومكانة أوروبا في النظام الدولي المرتقب. بينما ترى الولايات المتحدة الأمريكية في اسرائيل الحليف الاستراتيجي الذي يضمن مصالحها في المنطقة. من ناحية أخرى فان العوامل الجغرافية والحضارية تجعل من المنطقة العربية امتدادا مباشر لأوروبا. كما أن أوروبا في حدّ ذاتها تعتبر احد امتدادات الحضارة العربية الاسلامية. وأخيرا، فانه اذا كان تأثير اللوبي الصهيوني في دوائر صناعة القرار في أمريكا حقيقة لا تدع مجالا للشك، فان دوائر صنع القرار في الكثير من الدول الأوروبية تتأثر أكثر بالدور الذي تقوم به الجاليات العربية المسلمة في هذه الدول خاصة عندما يتعلق الأمر بالحسابات الانتخابية. فكل هذه الاعتبارات تبين مدى التباين والاختلاف في مصالح وتصورات الطرفين الأوروبي والأمريكي تجاه النزاع العربي ـ الصهيوني وهو ما يحول في نهاية المطاف دون تجانس مواقفهما تجاه حرب الابادة التي تمارسها اسرائيل ضد الفلسطينيين في مناطق الحكم الذاتي. ان الاعتبارات الايديولوجية والاستراتيجية والاقتصادية خلال فترة الحرب الباردة كانت بمثابة الاسمنت الذي ساهم في تماسك أجهزة النظام الرأسمالي الغربي وهو ما أدّى الى تحجيم الخلافات التي كانت تطفو الى السطح أحيانا في العلاقات الأوروبية ـ الأمريكية. ولكن التحول الذي حدث في نمط العلاقات الدولية في نهاية القرن العشرين أفقد هذه الاعتبارات الوظائف التي كانت تؤدّيها سابقا.وبدأت العلاقة التحالفية بين أوروبا وأمريكا الشمالية تتحول تدريجيا الى علاقة تنافس وسباق نحو احتلال مكانة رائدة في النظام الدولي المرتقب.فالكتابات الأكاديمية والاعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية ركزت منذ نهاية مرحلة الحرب الباردة على تحديد طبيعة المنافسين المحتملين للهيمنة الأمريكية على النظام الدولي في القرن الواحد والعشرين وحذّرت من الخطورة التي يمثلها الاتحاد الأوروبي بالنسبة للمصالح الكونية الأمريكية. وعلى هذا الأساس فاذا كان مسار العلاقات الأوروبية ـ الأمريكية قد حدّدته في الكثير من الفترات مشاعر الثقة والتجانس بين الطرفين، فان الكثير من المؤشرات قد بدأت تدفع في اتجاه تحويل هذه المشاعر الى مشاعر عدم الثقة والريبة. وقد نتج عن هذا التحول عدم تطابق نسبي في مواقف ومصالح الطرفين تجاه القضايا الأساسية في العلاقات الدولية. وهو ما يؤدي جدليا الى بداية تبلور شكل من أشكال المنافسة بين القطبين الأمريكي والأوروبي. وفي هذا الصدد يمكن اعتبار حرب الخليج الثانية، مسألة كوسوفو، حرب أفغانستان والنزاع العربي ـ الصهيوني بمثابة العيّنات التي تعكس حقيقة عدم التطابق الكلي بين المصالح الأوروبية والأمريكية. ان الأوضاع الدولية الجديدة ساهمت في بداية احداث هوة بين المصالح الأمريكية والأوروبية في النظام الدولي وهو ما يعني عمليا ظهور مجال للاختلاف يمكن للأطراف الخارجة عن هذا التحالف التقليدي توظيفه لتحقيق مآربها على المستويات الاقليمية والمحلية. فالمواقف الرسمية والشعبية الأوروبية تجاه الممارسات العنصرية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني تختلف اختلافا جذريا عن مثيلاتها في الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما يدعو عمليا أعضاء النظام الاقليمي العربي الى التعجيل بنسج أطر لتوظيف هذه المواقف الأوروبية بما يحقق المصلحة العربية ويدفع الى تقارب عربي أوروبي. كما أن مثل هذا التحرك الاستراتيجي العربي تجاه الطرف الأوروبي سيكون بمثابة أداة الضغط الحقيقية المؤثّرة على الادارتين الأمريكية والاسرائيلية لتغيير مواقفهما وسياساتهما تجاه النزاع العربي ـ الصهيوني خوفا من احتمال تشكل ترتيبات اقليمية جديدة مضرّة بالمصالح الاستراتيجية للطرفين في المنطقة. وقد يبدو في خضم الأوضاع الدولية الحالية أن مجال مناورة الطرف الأوروبي لا يمكن أن يتعدّى اطار الخطوط الحمراء التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية لحلفائها الأوروبيين، وعليه يصبح تعارض المواقف الأوروبية مع الأمريكية تجاه اعتداءات الصهاينة على الفلسطينيين بمثابة الحدث الظرفي والشكلي الذي لا يمكن أن يهدد الأسس الحقيقية للتحالف الأمريكي ـ الأوروبي، فان التمعّن في خفايا المستقبل القريب والمتوسط تجسّد امكانية تحول العلاقة التي تربط طرفي هذا التحالف الى علاقة صراعية. فالتناقض في المصالح الاقتصادية والقلق الذي ينتاب الدول الأوروبية من الاصرار الأمريكي على الهيمنة على النظام الدولي، وكذا اختلاف المنطلقات والمحددّات المؤثرة في ادراك كل طرف للأحداث الدولية، تعتبر من بين المؤشرات التي تدعم السيناريو التحوّلي في العلاقات الأمريكية ـ الأوروبية وذلك بالرغم من التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي التي تفيد باحتمال تكييف الموقف الأمريكي من النزاع في الشرق الأوسط مع الموقف الذي بلورته الأوساط الرسمية والشعبية في أوروبا. وعلى هذا الأساس فان فترة ما بعد الحرب الباردة أفرزت مجموعة من التطورات والأحداث الدولية التي أسهمت في احداث شرخ في العلاقات الأوروبية ـ الأمريكية تزداد مساحته اتساعا بفعل مجموعة من الاعتبارات الداخلية والدولية. واذا كان هذا التحول يصب في اتجاه تدعيم مكانة النظام الاقليمي العربي، فان ذلك يتوقف بالدرجة الأولى على حجم وطبيعة الأساليب التي يوظّفها أعضاء هذا النظام لاستغلال هذا التعارض في المصالح والمواقف الأمريكية ـ الأوروبية بما يخدم القضايا الأساسية للوطن العربي التي ظلّت لما يربو عن نصف قرن من الزمن حبيسة التحيّز الغربي المطلق للطرف الصهيوني.وهذا يتطلب تحركا عربيا سريعا وواسع النطاق لان العامل الزمني قد يؤدي الى تآكل ثم تلاشي فرص الاستفادة من هذا التناقض الأمريكي ـ الأوروبي. ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة الجزائر