ثمة مظاهر عديدة لتغيرات سياسية مهمة حدثت في مختلف الدول الاوروبية خلال الاسابيع الماضية، كان الدافع الرئيسي لها الحملة العسكرية المدمرة التي شنتها اسرائيل على المناطق الفلسطينية واعتمدت فيها سياسة الارض المحروقة، ومع ان هذه التغيرات لم تبلغ درجة التحول الكامل والحاسم في المواقف حيال الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وإزاء القضية الفلسطينية تحديدا لكنها ابرزت أمرين أساسيين: الاول، انها شملت البعدين الرسمي والشعبي والثاني، انها أكدت وجود تفهم عميق لجوهر الصراع مما يؤشر الى امكانية تحقيق نتائج ايجابية، على المدى البعيد، لمصلحة الحقوق الفلسطينية والعربية المشروعة. المتتبع لردود الفعل المختلفة على الساحة الاوروبية يلاحظ ان حركة التضامن الجماهيرية الواسعة مع الشعب الفلسطيني التي تجلت من خلال تظاهرات شعبية حاشدة (غير مسبوقة في اتساعها وتواصلها) شهدتها عواصم الدول الاوروبية كافة والعديد من مدنها الرئيسية في البداية بالحذر والتردد ثم بات اكثر وضوحا بعد ذلك مع توسع الاجتياح الاسرائيلي وارتكاب مجازر مروعة ضد المدنيين وتدمير البنى التحتية الفلسطينية ومؤسسات السلطة الوطنية والامعان في محاصرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات واذلاله كذلك بدت وسائل الاعلام المختلفة اكثر تفهما وموضوعية في تغطية ما يحدث في الارض الفلسطينية المحتلة وحتى في استخدام اوصاف معينة عند الناشطين الفلسطينيين ومنفذي العمليات الاستشهادية ونتيجة لذلك لم يعد وصف «ارهاب» و«ارهابي» مرافقا، تلقائيا، لكلمة فلسطين، كما كان الحال دائما، فقد اصبح هناك مزيد من التدقيق في هذه المصطلحات، في الوقت الذي توجهت الانتقادات العنيفة نحو رئيس الحكومة الاسرائيلية ارييل شارون، من خلال المقالات الصحفية أو الرسوم الكاريكاتيرية. وإذا أضفنا الى ذلك تحركات ونشاطات دعاة السلام الاوروبيين في الاراضي الفلسطينية المحتلة، الذين جعلوا من أنفسهم دروعا بشرية لحماية المدنيين الفلسطينيين والرئيس ياسر عرفات شخصيا، كما قاموا بدور المراقب المحايد لتسجيل كل ما يحدث من انتهاكات اسرائيلية خطيرة، يتضح ان هناك وعياً عاما بأهمية الحضور الجماهيري في التأثير على مجريات الأحداث، أيا تكن النتائج المحققة راهنا أو مستقبلا. وعلى سبيل المثال فإن الشعارات التي رفعها المتظاهرون في المدن الاوروبية والناشطون من أجل السلام في الاراضي الفلسطينية المحتلة تميزت لا بجرأتها فقط، وإنما بعمقها السياسي ايضا، ما يدل على ان هذه التحركات الشعبية ليست انفعالية أو آنية، وإنما تعكس موقفا سياسيا يتبلور اكثر فأكثر مع تطور الاحداث، كما تكتسب مزيدا من الشرعية والاحترام حتى لدى الذين يحملون أفكارا وقناعات متباينة. فالذين طالبوا بمحاكمة شارون كمجرم حرب، لم يفتهم الربط بينه وبين الرئيس الامريكي جورج بوش من خلال اطلاق أوصاف مشابهة عليهما تعكس حقيقة ما يحدث في فلسطين المحتلة من جهة، وتبرز عملية التواطؤ القائمة بين الاثنين من جهة اخرى. ومع ان ما شهدته المدن الفرنسية الرئيسية من تحركات جماهيرية حاشدة كانت الأكثر تعبيرا عن اتجاهات الرأي العام الاوروبي، إلا ان دول اسكندنافيا المعروفة بارتباطاتها التقليدية مع اسرائيل، شهدت هي الاخرى ردود فعل شعبية بارزة. وخلال تظاهرة حاشدة شهدتها العاصمة السويدية، تحدث وزير الخارجية السويدي السابق موجنيس ليكثوفث فانتقد ارييل شارون واتهمه بأنه «يدفع بالارهاب الى الأمام تحت تأثير عمليات التدمير التي تنفذها قواته في الضفة الغربية المحتلة». وقال ان شارون «لا يحارب الارهاب وإنما يمارس الارهاب وينتج الارهاب ولا يقوم إلا بفتح الباب أمام المزيد من العمليات الانتحارية المفزعة». كذلك شهدت الدنمارك، وهي الدولة المؤيدة تقليديا لاسرائيل، دعوات نقابية لمقاطعة المنتجات الاسرائيلية، وذلك لحمل الدولة العبرية على وقف حملتها العسكرية على المناطق الفلسطينية. الموقف الاوروبي الرسمي الموقف الاوروبي الرسمي من تطورات الوضع في الاراضي الفلسطينية كان مرتبكا الى حد بعيد، برغم تأييد الاتحاد الاوروبي والثابت للسلطة الفلسطينية ودعوته المستمرة لاقامة دولة فلسطينية مستقلة وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وبرغم انه أكبر الداعمين ماديا لمشروعات البنية التحتية في المناطق الفلسطينية. وكان من المتوقع، أو من المفترض، والحالة هذه ان يبادر الاتحاد الاوروبي الى اتخاذ اجراءات عملية حازمة للضغط على اسرائيل ومنع حكومتها من مواصلة عمليات التدمير التي تنفذها في صورة شاملة ومركزة لا تترك مجالا لأي خطأ في تفسير أهدافها القريبة والبعيدة. فالاتحاد الاوروبي أعلن أكثر من مرة على لسان كبار المسئولين فيه وخلال مختلف اللقاءات والمشاورات التي تمت بين حكومات دوله الخمس عشرة، ان عملية «الدرع الواقية» الاسرائيلية هدفها تدمير السلطة الفلسطينية وهياكلها الأمنية، الامر الذي سيؤدي لاحقا الى الحيلولة دون تنفيذ «خطة تينيت» و«تقرير ميتشل» او اي خطة سياسية وأمنية اخرى. كما سيؤدي بالتالي الى انهيار التسوية السلمية برمتها وتعرض منطقة الشرق الاوسط كلها الى مخاطر كبيرة. وبرغم هذا الوعي بخطورة المشكلة فقد ظل الاتحاد مترددا في اتخاذ اي اجراء عملي، مكتفيا باعادة التأكيد على مواقفه المبدئية السابقة، خصوصا ما يتعلق بضرورة اقامة دولة فلسطينية مستقلة والتمسك بشرعية السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات. ثم اضاف الى ذلك مطالبته بانسحاب قوات الاحتلال الاسرائيلي وفقا لقراري مجلس الامن 1402، 1403 وانهاء الحصار المضروب على الرئيس الفلسطيني. لكن الاتحاد بدا حريصا على عدم تجاوز الموقف الامريكي، بل بقائه منسجما معه. وقد تجلى ذلك في التنسيق مع وزير الخارجية الامريكي كولن باول خلال جولته في المنطقة، وفي البيان الرئيسي الذي صدر عن لقاء مدريد الرباعي الذي حضره ايضا امين عام الامم المتحدة كوفي عنان. وبلغ هذا الحرص في بعض الاحيان، درجة استخدام خطاب مشابه للخطاب الامريكي من حيث توزيع المسئولية على الطرفين، الاسرائيلي والفلسطيني، المعتدي والمعتدى عليه، ومطالبة الجانب الفلسطيني والرئيس ياسر عرفات شخصيا ببذل جهود اكبر لوضع حد للارهاب، ثم اعتبار «خطة تينيت» الامنية الطريق الوحيد للوصول الى مفاوضات سياسية لاحقة. ومع ان الاتحاد الاوروبي ايد بقوة مبادرة السلام العربية، الا انه ابدى ارتياحه لاقتراح شارون بعقد مؤتمر اقليمي (لا تشارك فيه أوروبا) واعتبره تطورا ايجابيا وهو بذلك اقترب ايضا من الموقف الامريكي الذي رحب باقتراح شارون وأشاد به على رغم ادراك الجانبين الاوروبي والامريكي، ان هذا الاقتراح لا يعدو كونه مجرد مناورة سياسية لتحويل الاهتمام عما تفعله آلة الحرب الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية ولاضفاء مسحة ايجابية على سلوك الحكومة الاسرائيلية وعلى صورتها في الخارج. على صعيد العمل الجماعي لم يستطع الاتحاد الاوروبي اتخاذ أي اجراء عقابي ضد اسرائيل، لا سيما في المجال الاقتصادي. وعلى الرغم من اتخاذ البرلمان الاوروبي (مقره في ستراسبورج) قرارا دعا فيه دول الاتحاد الخمس عشرة الى تعليق «اتفاق الشراكة» مع اسرائيل كذلك «التفكير في ارسال قوة تدخل ومراقبة دولية الى الشرق الاوسط باشراف الامم المتحدة» الا ان هذا الطلب واجه معارضة من دول عدة الى حد انه تعذر دعوة مجلس الشراكة المشكل بين الاتحاد والدولة العبرية الى الاجتماع خوفا من عدم استجابة الحكومة الاسرائيلية للدعوة. كذلك رفض الاتحاد الاوروبي اخيرا طلبا تقدمت به سوريا بصرف النظر عن دعوة اسرائيل لحضور مؤتمر الشراكة المتوسطية الذي عقد في مدينة فالنسيا الاسبانية بحيث يكون هذا الاستثناء رسالة احتجاج على الموقف الاسرائيلي الرافض لكل الحلول السلمية. وكانت النتيجة ان اضطرت سوريا ولبنان الى مقاطعة المؤتمر برغم تشديدهما على اهمية الشراكة مع أوروبا. الاسباب والدوافع المحللون يردون اسباب هذا الاهتمام الاوروبي بوجهيه الشعبي والرسمي الى التأثيرات الناشئة عن احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 سلبا وايجابا فالاوروبيون ادركوا منذ وقوع تلك الاحداث دوافعها الرئيسية، وبانها لا تتصل بحالات الظلم والقهر التي تعاني منها شعوب معينة وبقضايا كبرى ذات تأثيرات تتجاوز حدودها الجغرافية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية لكن الادارة الامريكية ولاسباب خاصة بها ومنها ارتباطها باسرائيل رفضت ان تأخذ بهذا التفسير واصرت على ان تكون معالجتها لتلك الاحداث امنية صرفة، تماما كما تفعل اسرائيل حيال القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. واذا كان الشارع الاوروبي لم يستطع ان يعبر عن موقفه من احداث 11 سبتمبر مراعاة لظروف تلك المرحلة الحساسة وانسجاما مع السياسات الاوروبية الرسمية الداعية الى حمل الولايات المتحدة الى التعقل ومعالجة الاسباب الحقيقية لتلك الاحداث بوسائل مناسبة ـ وليس بالوسائل الامنية وحدها ـ فقد وجد في الارتكابات الاسرائيلية الجديدة فرصة سانحة لاظهار حقيقة المشاعر الشعبية مما جرى سابقا وما يجرى حاليا ومسئولية الولايات المتحدة في كل ذلك ومع ان الجاليات العربية والاسلامية كان لها دورها البارز في تحريك الشارع الاوروبي الا ان المنظمات الاوروبية، بمختلف اهتمامتها كانت حاضرة بقوة في هذه التحركات وتدل الشعارات التي رفعتها خلال تظاهراتها الحاشدة على وعيها التام بحقيقة ما يجري في منطقة الشرق الاوسط وعلى ادراكها لمسئولية القوى المدافعة عن السلام والحرية في مواجهة الروح العنصرية التي يمثلها السلوك الاسرائيلي والتواطؤ الامريكي. على ان مالم تستطيع الولايات المتحدة فعله حيال الشارع الاوروبي مارسته مع الحكومات الاوروبية بكثير من الصلف والفجاجة ويمكن القول ان العجز الذي اظهرته الدول الاوروبية بالنسبة لاتخاذ موقف جماعي حيال المجازر التي ترتكبها اسرائيل في الاراضي الفلسطينية المحتلة سببه الضغوط التي مارستها الادارة الامريكية على العديد منها الامر الذي جعل المواقف الاوروبية تتغير بين يوم وآخر. وفي هذا السياق فان التناقضات الامريكية الفرنسية كانت الابرز منذ 11 سبتمبر وحتى الزيارة الاخيرة لوزير الخارجية الامريكي للمنطقة وقد طفت هده التناقضات على السطح واتخذت شكل سجالات حادة بين وزيري خارجية فرنسا هوبير فيدرين وامريكا كولن باول ثم كادت ان تتحول الى ازمة دبلوماسية بين البلدين بعدما تبلغت باريس احتجاجات امريكية رسمية. فالانتقادات الفرنسية لما وصفه فيدرين بـ «سذاجة» السياسة الخارجية الامريكية التي تحصر كل شيء بـ «الارهاب» كانت من القسوة والتشكيك بحيث تعذر على المسئولين الامريكيين تجاوزها اذ سدد فيدرين على «ضرورة معالجة الاسباب الجذرية: الاوضاع والفقر والظلم» وقال: «الاوروبيون مجمعون على عدم دعم سياسة البيت الابيض في شأن الشرق الاوسط. اعتقد من الخطأ القبول الاعمى بسياسة القمع التام التي يقوم بها ارييل شارون». وذكر الوزير الفرنسي في مناسبة اخرى «ان السياسة الاسرائيلية التي تحظى ـ للاسف ـ بتغطية امريكية، ستقود الى مأزق استراتيجي لانه لن يكون هناك حل من دون دولة فلسطينية ما يتطلب مفاوضات وبالتالي شركاء». أما اسبانيا، التي ترأس الدورة الحالية للاتحاد الأوروبي، فقد انتقد وزير خارجيتها جوزيب بيكيه، ضمنا، التفرد الامريكي، وقال: «انه لأمر جيد ان تتدخل الولايات المتحدة، لكن الحل لا يمكن أن يؤمنه الامريكيون وحدهم». بيد ان رئيس الحكومة الاسبانية خوسيه ماريا ازنار كان أكثر صراحة في الحديث عن اشكالية العلاقة مع الولايات المتحدة، حيث قال ان السياسة الاوروبية المشتركة في الشرق الاوسط «ليست ممكنة وغير مرغوب فيها من دون الولايات المتحدة». وذكر ازنار انه «نظرا الى ان اوروبا غير قادرة على ضمان امنها بمفردها، فمن الاجدر تطوير علاقات امتن مع الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى». رهانات المستقبل بعد كل ما تقدم، هل يمكن المراهنة على دور أكثر فاعلية للاتحاد الأوروبي في قضايا الشرق الأوسط، وفي القضية الفلسطينية تحديدا؟ لابد من القول، انه اضافة الى التأثير الامريكي القوي على معظم دول الاتحاد الاوروبي، فإن أوروبا مازالت تخضع للابتزاز الاسرائيلي في شأن مقولة «معاداة السامية». ومن الملاحظ ان اسرائيل ترفع باستمرار هذه اليافطة في وجه جميع الذين يحاولون التصدي لسياساتها العدوانية التوسعية. لكن أوروبا التي سيرتفع عدد اعضائها الى 25 دولة بعد العام 2004، حيث تصبح من أكبر التكتلات البشرية والاقتصادية في العالم، لا تستطيع ان تمارس دورها العالمي الموازي لحجمها وقوتها من دون التحرر من عامل الخوف الذي يشل أو يضعف حركتها. ومن الضروري بالنسبة للدول العربية والاسلامية ان تواصل تطوير علاقاتها مع القارة الاوروبية والافادة من كل ما تستطيع تقديمه لها. ففي ظل واقع الاحادية القطبية الذي تمثله الولايات المتحدة لابد لكل الدول، التي تشكو وتعاني من الهيمنة الامريكية واضرارها، من ان تتضامن وتتآزر دفاعا عن نفسها ومصالحها. ومن المؤكد ان الشعب الفلسطيني معني، وربما أكثر من أي شعب آخر بهذه الحسابات المستقبلية، بعدما تأكد له ان رهاناته السابقة، ومنها الرهان الامريكي، كانت وهمية وقاتلة. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس