الملف السياسي: يرى الاستراتيجيون العرب ان اللحظة الدولية باتت مواتية تماماً الآن لمناقشة أوروبا في مواقفها الحقيقية تجاه القضية الفلسطينية خاصة، وما تحبل به الساحة الشرق أوسطية عامة. ويصفون بـ «الحماقة التي لا تُغتفر» أي اسراف متفائل يدّعي للدول الأوروبية قدرة دعم وتأييد «سوبرمانية» تفتقر اليها، ويتوهم بأن تعاطفها المنبري مع قضايا العرب عبر المؤتمرات والندوات والتجييش العاطفي للشارع الاوروبي بما «لا يسمن أو يغني من جوع» قادر على القفز فوق ذاكرة التاريخ المعاصر على الأقل، حيث شكلت القضايا مجرد ارث أسود لأنظمة أوروبية تعاقبت طوال القرن الماضي بدءا من تقاسم تركة الاستعمار العثماني للمنطقة على مدى حوالي خمسة قرون، واستيلاد كل ما يمزق الأمة العربية جغرافياً وبشرياً، ويهيمن على ثرواتها، خاصة النفطية منها، والتحكم بمصائر شعوبها ومنحها استقلالها الوطني كهبة غذائية لاستعطاء الفقراء واستجدائهم.. وصولاً ومروراً بأم القضايا العربية التي مازالت نازفة حتى الآن، وهي سلب أوروبا لفلسطين وتقديمها على «طبق من جماجم» ككيان مستقل للصهيونية العنصرية العالمية. من زاوية الذاكرة المعاصرة يدعو الاستراتيجيون العرب الى مقاربة حركة الشارع الاوروبي الغاضبة على اسرائيل والمتذمرة من الهيمنة الامريكية، والمستغربة للانبطاح الروسي، والمتخوفة من قيام تكتلات دولية جديدة أقوى من الاتحاد الاوروبي، سواء في اليابان أو افريقيا أو الصين بالذات التي قال عنها يوماً القائد الفرنسي نابليون بونابرت: «الصين مارد نائم، فلا توقظوه». لذلك يتحرك ذلك الشارع لدوافع مصلحية داخلية، محض أوروبية. يؤكد ذلك أكثر على سبيل المثال الخضة التي يحدثها تقدم اليمين المتطرف الى مراكز السلطة والقرار والتأثير والتي كان آخرها وليس أخيرها «ظاهرة» جان ماري لوبان في الانتخابات الفرنسية. وكيف يمكن ألا تكون عواطفه تجاه العرب عابرة، وهو الذي مازال يترنح أمام أي نسمة هواء أمريكية. فالأمر لا يتغير بين الأمس العربي ـ الأوروبي العقيم، وبين الراهن الضعيف والسقيم. هذا، على الأقل، ما يقوله وزير الإعلام السوري عدنان عمران، فخلال احدى زياراته المتكررة الى بيروت، قال الاسبوع الماضي لـ «الملف السياسي» إن عمله لمدة حوالي خمسة عشر عاما في جامعة الدول العربية علمه الكثير من الدروس الاوروبية (وغيرها). وكان بذلك يرد على سؤال خاص حول الآمال التي يمكن ان يراهن عليها العرب من الاتحاد الاوروبي، فقال: «الآن الحوار العربي ـ الأوروبي في غيبوبة، رغم انه انطلق بصورة مندفعة وجيدة بعد حرب اكتوبر 1973. آنذاك، وبعد سنوات عدة من تقدم الحوار ما أقلق تل أبيب وأزعج واشنطن، دخلت الولايات المتحدة الامريكية على خط العرقلة. فمثلاً جاء وزير الخارجية الأمريكي (آنذاك) هنري كيسنجر الى برلين ليقول لنظيره الألماني جينشر: «ترفض الولايات المتحدة الامريكية حواركم كأوروبيين مع العرب (وفهمكم كفاية)». وجرى تعميم هذه الرسالة ـ التحذير ـ التهديد على سائر العواصم الاوروبية عبر قنوات ووسائل عدة. يتابع الوزير عمران قائلاً: «منذ ذلك الوقت توقف الحوار العربي ـ الأوروبي، ويمكن القول انه بدأ يتعثر ومازال، فأوروبا رضخت مرة جديدة للارادة الامريكية. لكن ماذا كانت تقصد واشنطن من ذلك التحذير؟ ببساطة أرادت ابلاغ الاوروبيين رفضها لحوارهم مع العرب مجتمعين، لكن لا مانع لديها من استمراره مع كل دولة عربية على حدة». وبالفعل هذا ما حصل لاحقاً بصورة عملية، حتى ان الأوروبيين ذهبوا في ارضاء الولايات المتحدة الى حد قد يكون الامريكيون أنفسهم من دعاة التوصل اليه لاحقاً على طريق السياسة الكيسينجرية: الخطوة ـ خطوة. فقد حولوا الرغبة الامريكية تلك الى خيار استراتيجي لهم. فانعقدت القمة الاوروبية في لشبونة عام 1995 ، وأصدرت اعلاناً تبنت فيه ما سمي بـ «الشرق أوسطية» وبـ «المتوسطية». والهدف من ذلك هو أوروبي ـ امريكي ـ اسرائيلي مشترك يتمثل بإقحام اسرائيل أي نسيج من العلاقات قد يتم التوصل اليه بين أوروبا وكل دولة عربية على حدة. أعطى الوزير السوري بذلك جوانب لأسباب الغيبوبة التي يقبع فيها ذلك الحوار، والتي حاولت أوروبا التخفيف من وطأتها عبر المتوسطية أولاً، وقد تعثرت هي الأخرى بدورها، وصولاً، ثانياً الى مرحلة «تقزيمية» للتعاون الشامل ليصبح ثنائياً من جهة، ويقتصر في 99% منه على جوانب اقتصادية وتجارية محضة»، ومعطّرة! بالدعم الخطابي والانشائي للحقوق العربية. من «المتوسطية» و«الشرق أوسطية» الى مجرد اتفاقية «شراكة».. تراجع آخر في الآمال العربية المعقودة على أوروبا، كما يقول استاذ العلوم السياسية والقانون الدولي في الجامعة الامريكية في بيروت الدكتور شفيق المصري. وهو يضيف موضحاً: «كانت صيغة الحوار الأوروبي ـ المتوسطي قائمة، منذ مؤتمر برشلونة 1995 على مسارين اثنين: الثنائي الاقتصادي الذي يهدف الى تعزيز العلاقات الاقتصادية (والثقافية والبيئية) بين الاتحاد الاوروبي وبين كل من الدول الاثنتي عشرة الاخرى في الحوضين الجنوبي والشرقي للمتوسط، وبينها ثماني دول عربية. أما المسار الثاني فكان يراد له ان يتواصل ويتقدم بين هذا الاتحاد وبين الدول الأخرى المتوسطية مجتمعة لمناقشة هموم متوسطية عامة بيئية ودفاعية واقتصادية، وذلك من أجل متوسط نظيف وآمن من جهة، ومن أجل منطقة تجارة حرة متوسطية في العام 2010 من جهة أخرى. إلا ان الصيغة المتوسطية التي باشرتها قمة برشلونة لم تصل ـ في مسارها الجماعي ـ الى نتائج ايجابية ملموسة لأسباب عدة منها سياسة شرق أوسطية معقدة، ومنها الاختلاف في سلم الأولويات، ومنها تعثر المساعي السلمية وعجز الاتحاد الاوروبي السياسي والمالي، إلى ما هناك من أسباب مشابهة أخرى. وفي الخلاصة يتابع المصري قائلا: «رأى الاتحاد الاوروبي ـ تعويضاً عن الفشل النسبي في الحوار المتوسطي العام ـ أن يعزز المسار الثنائي ويحقق نجاحاً نسبياً فيه، ولذلك أيضا بدأ الاتحاد الاوروبي أكثر مرونة في هذا المسار الثنائي مع الدول المتوسطية الأخرى. ولا يبقى الآن غير عدد قليل من الدول التي لم توقع اتفاقاً ثنائياً للشراكة مثل (ليبيا وسوريا من دون استبعادهما على أية حال). اشارة في هذا المجال الى ان الدول المتوسطية التي وقعت اتفاق الشراكة مع الاتحاد الاوروبي حتى الآن هي: تونس (1995)، اسرائيل (1995)، المغرب (1996)، السلطة الفلسطينية (1997)، الأردن (1997)، مصر (2001)، الجزائر (في العام نفسه) ولبنان (في العام الجاري). وثمة اشارة أخرى الى ان الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هي: فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، ايطاليا، اسبانيا، بلجيكا، هولندا، الدنمارك، النمسا، البرتغال، السويد، لوكسمبورج، فنلندا، ايرلندا واليونان. ويعود الدكتور المصري الى التأكيد على أهمية اتفاق الشراكة وفوائده على الاتحاد الاوروبي، والأخص على الدولة الشريكة في حال كان اقتصادها يترنح، كما هو الحال في لبنان. لذلك يضيف قائلا: «حظي اتفاق الشراكة بترحيب كبير من الهيئات الاقتصادية اللبنانية كافة، حيث أعربت عن أملها في انفتاح الأسواق الاوروبية أمام الانتاج اللبناني، وتحفيز المنتج اللبناني على تحسين نوعية انتاجه حتى يصبح ذا قدرة تنافسية عالية. هذا فضلاً عن افادة لبنان من الدعم المالي الأوروبي والتكنولوجي الموعود، وعن التعاون التكاملي بين رجال الأعمال من الجانبين. وبما ان الاتفاق ينص على رفع القيود الجمركية و(ما شابه)، فإن في ذلك القرار والاتفاق منفعة تشجيعية أكيدة للاقتصاد اللبناني بشكل عام». لكن الدكتور المصري يستدرك قائلاً، وواضعاً يده على بيت القصيد: «بالنسبة للموقف الأوروبي فثمة اتجاه عام يحاول ان يفصل بين السياسة الشرق أوسطية التي يتركها، وبتفويض مفتوح للقرار الأمريكي من جهة، وبين الاقتصاد المتوسطي والشرق أوسطي عموماً الذي يسعى الى الاستثمار المربح فيه من جهة أخرى، إلا ان الدول العربية المتوسطية تعتبر انه لابد من موقف أوروبي أكثر جرأة واستقلالية وانصافاً، ولاسيما بالنسبة للصراع العربي ـ الاسرائيلي. وقد كان هذا التعارض في التوقعات سبباً في فشل المؤتمرات والقمم الأوروبية ـ المتوسطية حتى الآن. ولعل هذا الموقف الأخير حيال الانقياد الأوروبي وراء التعريف الامريكي للارهاب والخطط الامريكية لمكافحته، وحيال السكوت الاوروبي عن مجازر أرييل شارون في فلسطين.. يشكل تحدياً مسبقاً للبنان، ولأية دولة عربية في النظر بتعزيز التعاون الاوروبي ـ المتوسطي المطلوب في هذه المرحلة بالذات». إذن مازال هذا التعاون مراهقا وقاصرا، ودون مستوى الاستراتيجية السياسية المتوخاة عربيا ومتوسطيا، حسب د. المصري. ويبدو ان السبب الاساسي في هذا القصور عدم ارتقاء أوروبا الى تقدير المخاطر التي تحدق بها في حال استمر دورانها في الفلك الامريكي، وبالتالي عجزها عن أي حل سياسي أو ربط عسكري. ويقدر أحد الباحثين الاستراتيجيين في الجيش اللبناني وهو نائب رئيس الأركان للعديد، العميد الركن وليد سكرية ان أوروبا ستحتاج الى الثلاثين سنة المقبلة، على الأقل، لتنضج في مواجهة المخاطر باستقلالية وقدرات ذاتية: «باعتبار ان ثمة تغييرات جذرية ستحصل خلال تلك الفترة، وستحدد معالم عالم جديد». يقول العميد سكرية انه بانتظار ذلك، فان مجموعة الاخطار التي بدأت تظهر اثر انحسار خطر حلف وارسو، ستنمو وتكبر ككرة الثلج المتدحرجة، والتي من أبرزها كما يحدد: 1 ـ المنافسة على رسم خريطة العلاقات السياسية والاقتصادية في العالم، وتفرد الولايات المتحدة في ذلك، ومحاولتها اضعاف أوروبا وابقاءها تحت المظلة الامريكية. 2 ـ هجرة الفقراء من الدول المجاورة إلى أوروبا، وتحديدا في دول جنوبي البحر المتوسط. 3 ـ الأخطار البيئية كحادثة تشرنوبيل. 4 ـ الارهاب، وهو خطر جديد قد يلحق خسائر فادحة بدولة ما باستعمال وسائل مدنية بأساليب بسيطة من دون حاجة لأسلحة متطورة. 5 ـ عدم الاستقرار في الدول المجاورة أو في دول تقع ضمن المجال الحيوي لأوروبا، مما يولد موجات هجرة بشرية ويعطل الموارد الطبيعية والاسواق التجارية، وقد يولد حركات ارهابية. 6 ـ احتمال تسرب أسلحة الدمار الشامل من روسيا الى دول أخرى قد تعرض السلم العالمي للخطر، إذ ترى أوروبا في امتلاك الدول غير «الناضجة ديمقراطيا» لأسلحة الدمار الشامل، يشكل خطرا على السلم العالمي لاحتمال استعماله بغير تعقل، أو مسئولية. 7 ـ هجرة الخبراء والعلماء الروس الى دول أخرى قد يهيئ هذه الدول لامتلاك أسلحة التدمير الشامل. تلك أبرز الأخطار التي يحددها العميد سكرية، وهي تطرح بأية حال، وبدورها أيضا، بعض جوانب عدم ارتقاء الحوار العربي ـ الأوروبي الى مرحلة التعاون الاستراتيجي، خاصة على المستوى السياسي. لكن مهما يكن، وبأية نتائج أمكن التوصل إليها يجب أن يبقى هذا الحوار مستمرا، حسب تعبير الوزير السوري عدنان عمران الذي يعود ليشدد على «وجوب انعاش حوارنا مع أوروبا وايقاظه من غيبوبته». والحجة في هذا هي ان العرب بحاجة الى توسيع أطر تعاونهم مع الكتل الكبيرة في العالم، ومنها أوروبا، كما الصين واليابان وافريقيا، وحتى الولايات المتحدة الامريكية نفسها، شرط تخليها عن أخطائها وانحيازها لاسرائيل. لذلك سيبقى الدعم الأوروبي للقضايا العربية عامة، وفلسطين خاصة، عابرا ومتقلبا، ريثما تحسم أوروبا قرارها مع نفسها، فتقلب الطاولة، وتعيد ترتيب الحجارة. لكن متى؟ الجواب الأوروبي في واشنطن.