الملف السياسي: لقد كان نهار النظام العربي في خضم الاستباحة الإسرائيلية للشعب الفلسطيني كقطع الليل المظلم، يبحث أعضاؤه في سواد العجز المطبق عليهم عن لمعان برق في آفاق بعيدة ترشد حيرتهم، وتذهب بمخاوفهم، فقد خذلت أمريكا النظام العربي، شكلا بعد أن أحبطته موضوعا، فصار ينشد الخلاص في كل مكان إلا في نفسه وفي أهله، وبات يطلب من الآخرين ما كف عن تقديمه، بل قاد بفعله وقوله مواطنيه إلى أن يلتمسوا العون من خارجه، وفي هذا المناخ الكئيب بتنا نراقب لمعان البرق في ليلنا المدلهم، وحينما نرصد واحدا نظن أن الشمس على وشك الشروق، هذا حالنا مع أوروبا، فحينما أطبق علينا ظلام الجور الأمريكي وليل العجز العربي الرسمي،أصبحت همسة عطف من أوروبا آذانا لنا بتباشير الصباح. هل هناك عقلانية في توقعاتنا، وإن كانت، فما هي معاييرها؟ هل انسلخت أوروبا فجأة من تاريخها، وقطعت معه؟ وهل أصبح ميزانها حقا ينضبط بمتطلبات العدل والمساواة؟ أم أنها ما زالت تتحكم في سياساتها ومصالحها، لكنها وجدت أن مصالحها معنا أكبر من مصالحها مع الولايات المتحدة؟ وحين محاكمة هذه الافتراضات نجد أنها تتهاوى في ميزان التجربة، وتنفيها الوقائع والحقائق المتصلة بوضع أوروبا في النظام الدولي. ففي خلال المذابح التي اقترفتها الأيدي الإسرائيلية سمعنا جلبة أوروبية، وأصمتنا جعجعة أوروبية لكنها بقيت عند ذلك الحد، وعوقبت أوروبا بالإهانة والإقصاء لجلبتها وجعجعتها، فحينما قرر مجلس وزراء خارجية أوروبا في الثالث من إبريل الماضي إرسال وفد للتوسط، رفض شارون وساطتهم ومنعهم من زيارة عرفات بطريقة مذلة، حيث اقترن منعهم من رؤيته مع مقابلة زيني له، وبالرغم من ضخامة العلاقة الاقتصادية والدبلوماسية الأوروبية الإسرائيلية، فلم تجرأ أوروبا على اتخاذ إي إجراء ذي مغزى ضد إسرائيل، بل إن اتفاقية الشراكة بين أوروبا وإسرائيل التي منحت إسرائيل أفضليات تجارية تتضمن فقرة تنص صراحة على ضرورة الالتزام بحقوق الإنسان، وإذا كانت أوروبا في جعجعتها أكدت أن إسرائيل تنتهك حقوق الإنسان، فمع ذلك فإن رئيس اللجنة الأوروبية بوردي رفض فكرة استخدام ذلك الشرط معللا الامتناع بأن أوروبا لا تريد استخدامه كوسيلة للضغط والابتزاز، فما هي قيمة تلك الفقرة إذا لم تستخدم حينما تتوافر متطلباتها؟ فاستخدام شرط قانوني في نظره ابتزاز أما طرد الأوروبيين وإقصائهم عن المؤتمر الذي اقترحه شارون لأنهم انتقدوا تصرفاته فليس ابتزازا ولا ضغطا! ولنا أن نتصور كيف سيكون الموقف الأوروبي لو تجرأت دولة إفريقية أو عربية على مثل ما فعلته إسرائيل ليس بالقانون الدولي فحسب وإنما بكرامة أوروبا، وعلينا أن نتذكر كيف تداعت أوروبا قبل أسابيع قليلة لفرض عقوبات على موجابي لأنها رأت أنه لم ينظم انتخابات نزيهة، ثم ما فعلت بيوغسلافيا التي برر قادتها جرائمهم تماما كما يبرر الآن قادة إسرائيل جرائمهم بحق الفلسطينيين. ولو جردنا الموقف الأوروبي من جعجعته لما وجدنا فارقا نوعيا كبيرا فيه عن مثيله الأمريكي من حيث أنهما أطلقا يد إسرائيل في ذبح الفلسطينيين، صحيح أن الأمريكان فعلوا ذلك بعجرفة المستبد ووقاحة الطاغية، لكن الأوروبيين سمحوا بذلك حينما أقاموا تعادلا بين جبروت الاحتلال الإسرائيلي وهمجيته، ومقاومة الشعب الفلسطيني له بصدوره العارية، فعاقبة الموقفين كانت تدميرا لمؤسسات الشعب الفلسطيني وذبحا لأبنائه، وفي الوقت الذي كان فيه الأمريكان يشترون الوقت لإسرائيل حتى تكمل مجازرها، كان الأوروبيون يضيعون الوقت حتى تنتهي إسرائيل من مذابحها، أحدهما يذهب إلى رام الله مهددا ومتوعدا الفلسطينيين بأوخم العواقب وأسوأ النتائج إن لم يستجيبوا لشروط الإسرائيليين، والثاني، يذهب بمعسول الكلام متخوفا على الفلسطينيين إن لم يستجيبوا لطلبات الإسرائيليين، هذا هو جوهر التحركين الأمريكي والأوروبي، فعلى تناقضهما الظاهر في شكل التعامل مع الفلسطينيين لكنهما يتوحدان فيما يريدان منهم، إنهاء المقاومة والقبول بما هو معروض عليهم من أجل تسوية القضية الفلسطينية، ومن هنا اختلفت قراءة الكثيرين للموقف الأوروبي، لأن في غمرة الإحباط من الإرهاب الأمريكي والإسرائيلي والتخاذل الرسمي العربي انشد الانتباه للانتقادات الأوروبية لتصرفات الإسرائيليين والأمريكيين، وتركزت العيون على مشاهد الاختلاف بينهما، وغاب عن البال أن لا قيمة للأقوال إن لم يتبعها عمل، وأن جمال الأسلوب لا يغني شيئا إن كان يقود إلى الهاوية، فمن يبحث عن الشكل فقد أعطوه إياه الأوروبيون. فالدول الأوروبية، ككل الدول الكبرى، وبالذات الرأسمالية، يحكم تصرفاتها ويضبط سلوكها ويوجه سياساتها مصالحها كما تراها، لا كما يراها الآخرون لها، ولو تقمص المراقب دور صانع القرار الأوروبي لوجد أنه يستند إلى خلفية، وأنه جزء من بيئة سياسية واقتصادية وثقافية وأنه يتعامل مع متغيرات، فالخلفية البيئية هي الثوابت، أما المتغيرات فهي المشهد الدولي الراهن، وتقوم الخلفية على محورين، تاريخ أوروبا الاستعماري في المنطقة العربية، وتاريخ أوروبا التمييزي ضد اليهود، وبالرغم من أن هذا التاريخ البشع يقتضي بالمعايير الإنسانية أن تكفر أوروبا عن آثامها لكلا الضحيتين، لكن المعايير الإنسانية لدى الدول الرأسمالية الكبرى لا تصلح إلا واجهات لتحسين الحقيقة القبيحة، إذ قامت أوروبا بتكفير الخطيئة الثانية بإضافة تكاليفها إلى الضحية الأولى، ولم تتوقف أوروبا لحظة عن استمراء التكفير بالواسطة، ولكن بأشكال أكثر تهذيبا سهلها أن الولايات المتحدة نقلت إلى نفسها معظم أعباء ومنافع الدعم والإسناد لإسرائيل. وقد كانت أوروبا الاشتراكية متواصلة في دعمها لإسرائيل لأسباب تتعلق بالتكفير، لكن أوروبا الحالية المتجهة يمينا ستواصل طريق أخواتها الاشتراكيات لأسباب أخرى، أي أنها لا تريد أن ترى اليهود عائدين إليها، بل تفضل لو انتقل ما تبقى منهم فيها إلى إسرائيل. يضاف إلى ذلك أن اجتماع الإرث الاستعماري والموروث الصليبي شكلا قاعدة فكرية بالغة الغور في عقل الأوروبي الذي مع أنه ترك المسيحية واعتنق العلمانية، لكنه لا زال يلبس عدساتهما حينما يعاين المنطقة العربية وحين يراقب المسلمين. أما البيئة، فهي أن أوروبا وأمريكا جزء من تحالف عسكري واقتصادي وثقافي ضخم، ومع أنهما في نطاقه يتنافسان، غير أن أوروبا سلمت الولايات المتحدة القيادة السياسية والعسكرية، وبدرجة أقل الاقتصادية، فهي تتبعها، وإن أحيانا بتثاقل، إلى أين ذهبت أو تذهب، إلى العراق وإلى البلقان وإلى أفغانستان، والآن في فلسطين وغدا، ربما، إلى العراق من جديد، ولو تمعن المراقب في سلوك أوروبا لوجد أنه يتماهى أحيانا في دور الولايات المتحدة كما حدث في العراق من قبل وفي البلقان وإلى حد ما في أفغانستان، وأحيانا تتميز في دورها عن دور الولايات المتحدة، والتميز يحصل عادة في نطاق توزيع الأدوار، أو عندما يستدعيه تصور أوروبي أن الولايات المتحدة قد تجاوزت حدود المعقول وأنها بالتالي تهدد مصالح الجميع بطيشها، ولعل دورها في فلسطين يجمع بين الاثنين، فهي قد عملت خلال السنوات التي أعقبت أوسلو على تكميل الدور الأمريكي، بتقديم المساعدات إلى السلطة الفلسطينية، أو تليين الموقف الفلسطيني حينما يشتد عوده، أما خلال المرحلة الحالية، فقد أقلقها البطش الإسرائيلي والحماقة السياسية الأمريكية، ولذلك عملت على تخفيفهما من جانب، وتليين الجانب الفلسطيني من جانب آخر. كما أن المشهد السياسي الدولي ينسجم مع متطلبات خلفيتها التاريخية وبيئتها الاستراتيجية، فهو يعكس اندفاعا أمريكيا كاسحا لفرض الهيمنة الرأسمالية تستسلم له الكثير من الدول أو تسايره أو تتحاشاه، وترى أوروبا في ذلك فرصة لها، لكن ما يزعجها هو التفرد الأمريكي الذي لا يأبه لرأي الدول الأوروبية أو مصالحها، فما يغيظ أوروبا ليس بسط الهيمنة الأمريكية على العالم وإنما تجاهل الحكومة الأمريكية الحالية لاعتبارات القسمة المتعارف عليها، مما يؤثر على مصالحها الحالية، ويهدد مساعيها المستقبلية، ولذلك، بدأت أوروبا تعلن اعتراضها على السياسات الأمريكية وتتجرأ على انتقاد المواقف الأمريكية وتظهر امتعاضها من التصرفات الأمريكية. وقد ظهر الامتعاض الأوروبي من الحماقة الأمريكية والبطش الإسرائيلي في فلسطين، لكن ليس لأنها اعتلت جبل الفضيلة أو رقيت ظهر المبادئ والقيم في العلاقات الدولية، بقدر خشيتها أن تنفجر الأوضاع في المنطقة العربية، بعد أن رأت تململ الشارع العربي وتحركه، فمثل هذا الانفجار سيكون ضرره كبيرا على مصالح أوروبا في المنطقة وداخل أوروبا نفسها، ولذلك، فهي وإن تتفق مع أمريكا وبالتالي مع إسرائيل استراتيجيا، لكنها اختلفت معهما في المعركة الجارية تكتيكيا. وقد كان يمكن أن يكون صوت أوروبا أكثر وضوحا ضد الحملة الأمريكية الإسرائيلية لو وجدت أن النظام العربي فيه بعض الحيوية أو وشى ببعض التمرد على السياسة الأمريكية، لكن صمت القبور العربية، وإن أخفض من حجم الزعيق الأوروبي، لكن جعله، من المفارقة الهزلية، يبدو مدويا على خفوته. بقلم: د. خالد عبدالله ـ الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن