يعلن مختلف ساسة العرب عن رغبتهم في التطبيع مع اسرائيل.. ويعدوها بالأمن والسلام، وتصريحات عربية بضمانات تحصل عليها اسرائيل للتعايش بجوار الدول العربية، ويلتقي صغار الدولة العبرية ـ من أبناء صهيون ـ بكبار زعماء العرب، في حوارات يستجوبونهم للتعرف على أفكارهم، ودماء أبناء الشعب الفلسطيني تسيل، أطفالاً وشباباً ونساءً وكهولاً. وتحصد قذائف الدبابات ونيران المدافع وصواريخ الطائرات الأرواح، تدمر الأخضر واليابس في الأراضي الفلسطينية في الوقت الذي أعلنت فيه ادارات الحكم السياسية في الغرب «تضامنها مع الشعوب العربية» عبرت فيها عن خيبة أملها من نتائج القمة العربية في بيروت، وتعود الاهتمامات الغربية بالدرجة الأولى لمعرفة ردود الفعل العربية، الى استمرار حمامات الدم التي تفجرها اسرائيل يوميا بقتل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، دون حدوث تحركات عربية توقف اسرائيل عند حدها، في وقت طال فيه الانتظار لنتائج فعالة للصبر والهدوء والدبلوماسية العربية، تجاه سلوكيات السياسة التي تدير الآلة العسكرية الاسرائيلية. «البيان» في هولندا التقت الدكتور «روبيرت شلندر» خبير شئون الشرق الأوسط والصراع العربي الاسرائيلي للتعرف منه على ردود الفعل الأوروبية، فقال: ـ التحديات التي واجهت القمة العربية أكثر من صعبة، وأخطر من معنى مفردة الخطر، فقد دخلت في اطار مواجهة الذات العربية بالنظر في مرآة، من المفترض انها تعكس مصالح العرب الاستراتيجية والقومية، واختبار حقيقياً لإرادة وحدة الرأي السياسي العربي، فقد انتظرنا مع الشعوب العربية نتائج القمة بعين الترقب، لأن الشارع العربي وفقاً لمعلوماتنا يمر بحالة من الغضب وغليان المشاعر، وعلى الجانب الثاني تابعت اسرائيل أيضاً، ولا نخفي ان نتائجها جاءت في مصلحة اسرائيل، وهي ستلعب دوراً سياسياً ملائماً في الفترة المقبلة بعد انتهاء القمة العربية، والمحور الثالث هو الاتحاد الأوروبي، الذي كان يريد دوراً عربياً واضحاً وموحداً يمكنه من اتخاذ موقف متميز بجانب أمريكا، وأخيراً واشنطن التي تحركت مؤخراً، وتبذل جهوداً سياسية وأعمال وساطة لوقف أعمال العنف في الأراضي المحتلة، لكن الجماهير العربية تنظر لهذه الجهود بعيون من الشك، وقد أحاطوها صراحة بكثير من الشبهات السياسية، وهو ما أطلعنا عليه في مختلف وسائل الاعلام العربية، قبل انعقاد القمة العربية بساعات. ـ ما هي خلفية وصفك بأن الجهود الأمريكية مُحاطة بالشبهات؟ ـ ليس بخفي على أحد ان أمريكا بصدد التمهيد لتحرك ما ضد العراق، ربما يكون توجيه ضربات عسكرية شاملة، أسوة بما فعلته قوات حلف الناتو حينما ضربت وسائل الاتصالات والمواصلات في يوغسلافيا، ومن الممكن أن تكون ضربات انتقائية لقصور الرئيس العراقي «صدام حسين» وقوات الحرس الجمهوري بهدف اسقاط النظام الحالي واستبداله بآخر، والادارة السياسية لواشنطن تريد تأييداً عربياً لخططها، أو على الحد الأدنى موقف حيادي، يضمن لها تحجيم الغضب العربي على سياستها، ومن هنا تأتي جولة نائب الرئيس الأمريكي «ديك تشيني»، وهي الجولة التي تشمل زيارته الى 11 دولة عربية، ذلك في الوقت الذي يتواجد فيه المبعوث الخاص للشرق الأوسط الجنرال «انتوني زيني» في المنطقة، وقيامه بنشاط واسع في الوساطة بين الاسرائيليين والفلسطينيين، ونخلص في ذلك القول ان الشعوب العربية التي نتفق معها في رأيها بأن كثافة الجهود الأمريكية في الشرق الأوسط تأتي تمهيداً لتحركات أمريكية ضد العراق، وتقع نتائج القمة العربية في المحظور لو خضعت لضغوط واستراتيجية أمريكا، وقد حضر مندوب عن واشنطن القمة العربية بصفة مراقب. ـ حدثتني عن ما أطلقت عليه بالمحور الثالث وان الاتحاد الأوروبي، يريد دوراً عربياً واضحاً وموحداً يمكنه من اتخاذ موقف متميز بجانب أمريكا، هذا القول يتكرر كثيراً، ولا توجد منطقة في العالم بدون خلافات في الرأي، هل معنى هذا ان الاتحاد الأوروبي سيظل منتظراً؟ ـ لا يمكن تأييد هذا القول، فالاتحاد الأوروبي لا يقف في صف المنتظر، لاتخاذ موقف سياسي، فيوجد له مبعوث دائم للشرق الأوسط هو «ميخائيل موريتانوس» وتوجد تحركات أوروبية منتظمة في المنطقة العربية يقوم بها «خافير سولانا» المنسق الأعلى لشئون السياسة الخارجية، وقد اتضح من خلال البيان الختامي للقمة الأوروبية مؤخراً مدى اهتمام الموقف الأوروبي بوقف العنف واعادة المفاوضات واحلال السلام. ـ أليست المواقف «النظرية» للقوى الدولية بما فيها بيان قمة الاتحاد الأوروبي، بهدف دفع القمة العربية للخروج بموقف غير محدد الملامح، وما يطلق عليه ب«اللاموقف»؟ ـ أستطيع أن أرد بعبارة قصيرة واحدة: إذا كان موجوداً؟.. لكن الحقيقة التي يجب على العرب ادراكها واستثمارها، هي ان ملف الشرق الأوسط كاملاً، والعنف في الأراضي المحتلة، قد وجد اهتماماً واضحاً من ساسة وقادة الاتحاد الأوروبي، وقد ترجم البيان الختامي للقمة الأوروبية ذلك، حينما أكد بأن استعداد العرب لتطبيع العلاقات مع اسرائيل يساعد على تحقيق السلام، ويبقي فرصته قائمة، وذكر المبادرة السعودية برهاناً على ذلك، مؤكداً على ضرورة احلال السلام وتفعيل مبادرات السلام المطروحة في المنطقة، داعياً الى تنفيذ مقررات «تينيت» وتوصيات تقرير «ميتشيل» كأساس لتهدئة الأوضاع والعودة للتفاوض، أليست هذه مطالب الحكومات العربية؟، ودعم بيان القمة الأوروبية ياسر عرفات، مؤكداً أيضاً وبوضوح ان السلطة الفلسطينية بقيادته قادرة على الاستمرار وأداء عملها، وطالب برفع القيود عن رئيس السلطة الفلسطينية، ورفض الحل العسكري للصراع في الشرق الأوسط، وضرورة العودة للمفاوضات، على اعتبار انها الطريق الوحيد المقبول. ـ قبل الخوض في تفاصيل البيان الختامي الذي نقدره للقمة الأوروبية، القضية هي مدى تفعيل الاطروحات النظرية التي لا ترقى لمستوى فرض عقوبات اقتصادية على اسرائيل مثلاً، فما قيمة هذه البيانات التي لا تلزم اسرائيل بوقف العنف؟! ـ المكان الطبيعي لفرض مثل هذه العقوبات حال وجود ضرورة لها هو الأمم المتحدة، ولا تقلل من شأن البيانات الأوروبية لقمة تحظى بوزن سياسي كبير في العالم، وثبوت المواقف الأوروبية على هذا النحو، واستمرار العرب في خوض الحرب الدبلوماسية في العالم سيكون له مكاسب بدون شك، لقد لاحظنا ان اهتمامات الاعلام الأوروبي الذي أصبح له معالم وأبعاد في صالح قضية السلام في الشرق الأوسط، حيث بدى مؤخراً معتدلاً، حيث وجدنا ان كثيراً من التغطية الاعلامية والأوروبية لأحداث العنف الاسرائيلي تدين حكومة شارون، ووجدنا الصور التي تبرز المأساة الفلسطينية. ـ لكن أوروبا ساندت من قبل أمريكا في سرعة فرض عقوبات اقتصادية، وحظر طيران، على دول عربية وغيرها مثل ليبيا والعراق والسودان، حتى قبل صدور قرارات من الأمم المتحدة، ألم تر ان الغرب يكيل بمكيالين في التعامل مع العرب واسرائيل؟ ـ قد أتفق معك نسبياً، وأوضح ان الأوضاع في العالم مختلفة الآن، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر والحرب ضد الارهاب، اضافة الى ان سلسلة العنف في الأراضي المحتلة واسرائيل ليست من طرف واحد، ونجد ان كلا الطرفين يتهم الاخر بالاعتداء، أما فيما يختص بالتعامل مع ليبيا والعراق والسودان في الماضي، فنعرف ان الأسباب كانت قوية جداً، حيث في موضوع العراق كانت تحتل دولة جارة لها بالقوة، وليبيا كانت بسبب قضية لوكيربي، والسودان كانت بسبب اتهامها بفتح أراضيها لتدريب الارهابيين. ـ اسمح لي أن أختلف معكم في هذه التبريرات، حيث ان القضايا التي ذكرتها لاتزال محل شكوك باستثناء الموقف ضد العراق في حينه، وأنت ترى معي ان القمة العربية الآن بتغير الأحداث ترفض ضرب أمريكا للعراق. ـ في كل الأحوال أعتقد ان المهم الآن هو وقف أعمال العنف في الأراضي المحتلة، وكذلك وقف التفجيرات الفلسطينية، وهي مهمة تقع على عاتق العرب بالدرجة الأولى، وكما توجد واجبات والتزامات على اسرائيل لا ننكرها، توجد مثلها على الفلسطينيين، ودعني أؤكد مرة أخيرة ان الموقف السياسي الأوروبي في الوقت الحالي في صالح الفلسطينيين والعرب، ونبقى بانتظار ما ستسفر عنه مرحلة ما بعد القمة العربية.