أكد فاروق قدومي رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية ان اتفاقية اوسلو لم تكن السلة التي وضع فيها الفلسطينيون كل البيض. وقال ان الاحداث الاخيرة من عدوان اسرائيلي غاشم ضد الشعب الفلسطيني كشف أهمية وصحة الاختلاف في الرؤى. ولم يؤكد او ينفي قدومي صحة الخبر الذي نشرته في وقت سابق صحيفة «يديعوت احرونوت» ان عرفات عين قدومي خليفة له عندما اشتد الحصار عليه وعلى الفلسطينيين في مخيم جنين. وقال قدومي في حوار شامل ل«البيان» ان إسرائيل لم تكن يوماً في جانب عملية السلام ولا يمكن ان تفكر به اصلاً. وجدد المسئول الفلسطيني رفضه التام لاتفاقية اوسلو جملة وتفصيلاً. وقال ان الثورة الفلسطينية هي ثورة لا تموت وادان الادارة الأمريكية لمحاولتها ومزاعمها الصاق تهمة الإرهاب بالثورة الفلسطينية. وشدد على ان الشعب الفلسطيني محاصر في سجن كبير. ولم يستبعد قدومي ان يكون عميلاً للاحتلال وراء القبض على مروان البرغوثي. وأكد ان المقاومة الفلسطينية ضربت اقتصاد اسرائيل المدعوم من دول الغرب واحدثت حالة من الاكتئاب لدى الإسرائيليين. وخلص الى ان رئيس دولة الاحتلال دخل نفقاً لن يخرج منه بسهولة وان ما ارتكبه من مجازر لطخت سمعته وسمعة إسرائيل. واعرب عن استمرار تفاؤله بالصمود الفلسطيني. وفاروق قدومي هو أيضاً بمثابة وزير خارجية فلسطين وقد رأس الوفد الفلسطيني بقمة بيروت ويطلقون عليه لقب «أبو لطف»، وفيما يلي نص الحوار: ـ هل صحيح ان عرفات عين قدومي حسبما نشرت «يديعوت احرونوت» خليفة له عندما اراد الإسرائيليون التخلص من عرفات؟ ـ بادرني بكبريائه المعهود وببسمة المتعالي عن الاسفاف قائلاً دون ان ينفي المعلومة: «المهم ان المحنة التي تعرضت لها ثورتنا أكدت كم هو صحي الاختلاف في الرؤى، وبينت كذلك ان اوسلو لم تكن السلة التي وضعنا فيها كل بيضنا، فقد صمدت منظمة التحرير الفلسطينية حين ضرب الاحتلال السلطة اجهزة وبنياناً. وان اوسلو ولد من رحم مأساة حرب الخليج لقد كان ابو لطف مصراً على الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية مهما حصل. وعاود ابولطف التساؤل: اكانت اسرائيل جادة في خيار السلام بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتصار أمريكا في التسعينيات؟ وكانت اجابة ابولطف عن سؤاله الذي وضعه بنفسه بأن اسرائيل لم تكن يوماً راغبة في السلام. ولا يمكن ان تفكر فيه اصلاً. ودون غرور واضح او انتصار متعصب الى فكرته الرافضة لاوسلو جملة وتفصيلاً تحدث «ابولطف» عن الثورة الفلسطينية، وعن هذه الحقبة التاريخية التي تحياها مشدداً على انها ثورة لا تموت حتى وان عرفت الانتكاس مراوحاً في التحليل بين الاخذ بتجارب الاخرين «الفيتناميين» وبين مراحل الثورة الوطنية الفلسطينية كحركة تحرير تعمل وسوف تواصل العمل وفق شروط ونواميس حركات التحرير التي تشرع ايذاء العدو لنيل الاستقلال، غير ابه بهذا التصنيف الغريب العجيب التي تعمل الإدارة الامريكية بالتحالف مع إسرائيل على ترسيخه، حين ينعتان الثورة الفلسطينية بالإرهابية. ـ ماذا عن جولتكم لدفع الاصدقاء للتعاون والضغط على المجتمع الدولي؟ ـ قال قدومي ان الجولة كشفت الأهمية تجاه بلدان إسلامية وعربية ودول من كتلة عدم الانحياز مؤكداً على ان التواجد الفلسطيني كان ضرورياً بالساحة الدولية وسط هجمة المسخ في حق الثورة الفلسطينية التي تعتمدها القوة الأمريكية بتوافق مع قوة الاحتلال الإسرائيلي. وهنا تشدد القدومي بعد ان أكد ان إسرائيل غير معنية بالمسيرة السلمية. ـ هل ترى في اسرائيل حليفا استراتيجيا تحافظ عليه وعلى أمنه ووجوده ومطامعه للحفاظ على مصالحها التي تتمثل في استمرار تدفق النفط الى الولايات المتحدة الامريكية وبشروطها؟ ـ وهنا كذب القدومي كل من يعتقد ان البترول لم يعد سلاحا، معرجا على اللعبة الاعلامية التي سارع الى تصديقها اصحاب هذه الثروة الاستراتيجية، من ان حبس تدفق البترول لا يضر بمصالح القوى الدولية التي تنقله؟ ـ اما بخصوص وضع القيادة الفلسطينية بالداخل ومسألة المناضلين الستة المودعين في سجن اريحا تحت مراقبة امريكية ـ بريطانية اجابني ابو لطف بسؤال: الا تعلمين ان القيادة الفلسطينية محاصرة؟ وواصل بل ان الشعب الفلسطيني محاصر في سجن كبير ومازال الاحتلال قائما بمظاهرة المقيتة من انتشار الى وجود حواجز تزيد عن 227 حاجزا، لذلك وفي اطار هذه الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني ترى القيادة الفلسطينية في الداخل ان الحفاظ على الكوادر السياسية والقيادات الميدانية هي افضل الوسائل المتوفرة وحبذا لو ان الاخ مروان البرغوثي قد وضع في مكان تحت اشراف فلسطيني ووجود مراقبين اجانب للحفاظ على حياته لانه الان يتعرض الى تعذيب جسدي ونفسي طابعه وحشي. ودعم القدومي طرحه بالقول: فكم من المناضلين الرسميين من رجال الامن والشرطة تعرضوا للاغتيال والقتل دون اسباب؟. ـ سألت فاروق القدومي عن البرغوثي وظروف اعتقاله، وهل انه يعتقد ان قوات الاحتلال وصلت اليه عبر عملاء؟ ـ قال ابو لطف: كل شيء جائز ففي الازمات يصعد الناس من المدنيين وينهار البعض، ولقد سبق ان سألنا الفيتناميين هل تقتلون كل متعاونين في بلادكم مع العدو؟ فقالوا: لو قتلنا كل متعاون لأفنينا العديد من ابناء شعبنا، ولكننا كنا نعيد تأهيل البعض منهم ممن اقترفوا اخطاء لاسباب فوق طاقتهم بكثير، او لان احوالهم النفسية لم تحتمل التهديد او الضرب او التعذيب او المغريات وهم في حالة من الجوع وفقدان موارد الرزق، لذلك يواصل ابو لطف شهادته عن الفيتناميين ـ قالوا لنا بعد كل نضال شاق اعيدوا «الفيتنام للفلسطينيين» الجماهير الى حياتها الطبيعية حتى تستوعب المعاناة التي مرت بهم. وبعد ان اكد رئيس الدائرة السياسية ان القادة الفلسطينيين سألوا القادة الفيتناميين عن كل آليات الثورة وروافدها، بغية الاستفادة من ثورات انسانية مماثلة. ـ سألته: هل يكون مثل هذا الامر جائزا على قيادات او مسئولين في الثورة؟ قال ابو لطف. ـ نعم هو كذلك، ثم واصل دون سؤال قوله: اعتقد ان الثورة الفلسطينية هي ثورة المعجزات هي الثورة المحاصرة، لقد كانت في البداية ثورة «بساط الريح» تنتقل من سوريا الى لبنان الى الاردن فمصر واليمن وتونس والجزائر والعراق، وهكذا جاءت التسوية، وحوصرت الكثير من نشاطات الثورة الفلسطينية في اطار الضفة وغزة نتيجة اتفاق اوسلو والذي هو في الحقيقة! اتفاق ثنائي بين اسرائيل والفلسطينيين لا ضامن له كما اعلن ذلك رابين في 1993 عندما قدم «اوسلو» للكنيست للموافقة عليه. ـ اللوحة الان، على تشابك عناصرها، هل هي لوحة فلسطينية في قتامتها ام هي عربية في ضعفها ام هي دولية في كثرة الاشواك التي تحويها؟. ـ قال القدومي: بعد برهة تفكير كأنها الدهر كله هذه تجربة مررنا بها كانت هناك ومازالت مقاومة باسلة وجهت ضربات قاسية الى بطن اسرائيل الرخو فمزقت الكثير من احشاء اسرائيل، فهجرت مئات الالاف من الذين جاءوا وهاجروا بهدف الاطماع التي سوف يجنونها من ارض السمن والعسل، كما يطلقون على فلسطيننا، لقد خربت الثورة الفلسطينية اقتصاد اسرائيل المدعوم من دول الغرب واحدثت حالة من الاكتئاب لدى الاسرائيليين والعديد من الحالات النفسية التي عددتها الصحف الاسرائيلية بقولها ان الالاف من الاسرائيليين يزورون العيادات النفسية، وهنا عرج القدومي على مجال الاستثمارات والاموال التي نقلت من اسرائيل الى اماكن آمنة خارج فلسطين المحتلة. وشبه القدومي الجيش الاسرائيلي بالجيش النازي الذي حطم كل البنى التحتية التي بنتها اوروبا، وتقوم قوات الاحتلال باشعال الاحداث لاستفزاز المواطنين الفلسطينيين للدفاع عن انفسهم عندها يتهم شارون وأزلامه القيادة بأنها اعطت الاوامر للهجوم على المدنيين الاسرائيليين، ووضع القدومي في الميزان ورهن التساؤل مبادرة بوش الاب التي قادت العرب الى مدريد في 91، كاشفا ان الهدف منها كان حرمان سوريا من عمقها الاستراتيجي: العراق، واستغلال الاحباط العربي بعد حرب الخليج لتمكن اسرائيل من حل تفرضه على العرب لكنه في صالح الكيان الاسرائيلي، وهنا دلك على ما قاله بكلام شامير الذي ما ان دخل «مدريد» حتى كشر عن انيابه قائلا: سوف نتفاوض لعشر سنوات دون الوصول الى حل وهنا لم يفوت القدومي التعريج على رابين الذي قدّ اوسلو وفي الوقت نفسه كان يكسر عظام الانتفاضة. وعدد القدومي فصول المؤامرة الصهيونية على شعب فلسطين، والتي بدأت بعمليات «جهنم» الى حقل «الاشواك» واضاف ان الولايات المتحدة الامريكية وقفت علنا هذه الفترة مع اسرائيل وشجعت على اقتراف مجازر جنين وطولكرم ونابلس ورام الله وبيت لحم وبيت جالا، واضاف: «اراد شارون بمجازره ان يدفع الشعب الفلسطيني الى الهجرة من وطنه ففشل واستبسل الفلسطينيون، ونصبوا خيامهم على انقاض بيوتهم المهدمة، كان يعتقد انه سيحقق نصرا سيصفق له العالم فيأتي بالمهاجرين من الارجنتين بعد تآمر الصهيونية على الاقتصاد الارجنتيني ولكنه فشل فكانت له هزائم سياسية. واضاف القدومي: لقد دخل شارون مأزقا لن يخرج منه بسهولة، لان الهجرة المعاكسة اصابته بالاحباط وما انفقه شارون من المليارات على هذه العملية لطخت سمعته وسمعة اسرائيل بالسواد وفقد تعاطف الدول الغربية التي انشأت اسرائيل، على ان الدولة الفلسطينية حسب القدومي وستكون رغم انف شارون وبدعم اوروبي. وفي الختام بدا القدومي مصرا على التفاؤل، لان مجرد الصمود والبقاء للثورة الفلسطينية هو في هذا الظرف المقيت مبعثا على التفاؤل، القدومي استشهد بمحطات من الماضي. ماضي الثورة الفلسطينية وماضي قريب نشأ في الامة العربية بعد العدوان الثلاثي ضد مصر فكأن العراق اليوم في استهدافه من قبل قوى الاستعمار هو مصر الاسس، وكأن الثورة الفلسطينية هي نفسها في افرادها وفي تراكم تجاربها. فالقدومي كعادته، لايبكي حركة التاريخ في غدوها، وانما يفضل ان يحسبها في خانة التجارب والمواعظ لثورة العصر.