تعبتم من النداء،وتعبنا من الاصغاء في ذروة الوجد داهمتنا اناتكم بين الخراب لم نحلم مذ صعدتم الى السماء لم نفعل شيئا سوى حضن اطفالنا نائحين تعبتم من دفع الثمن؟ ربما اما نحن فاحترفنا تعاطي المحن في شغف كحولي نكرر ايامنا من دون الحاجة للزمن ما حاجة السابح الابدي في الفراغ للتراب ماحاجة فلسطين وهي تذبح على مهل لكل هذا البكاء القومي؟! اكبر هزائمنا على مدى تخبطنا كأمة اننا تعرضنا للاختطاف وتم سجننا في حلقة واحدة معلقة على حسام التاريخ كميدالية للزينة فقط. ها نحن نصطدم ثانية بتجاويف الحلقة الداخلية، ننكفئ الى الفصل المشين نفسه: شعب يهب مجددا على ارضه لكنس الغزاة فتسارع الحكومات العربية لتنكيس رايته النضالية واقناعه بالتعقل وادارة الخد الايسر وما يطلب الصهاينة من اعضاء للنهش. مند ثورة البراق الى الانتفاضة الاولى اجهض النظام الرسمي العربي كافة الثورات في فلسطين وتاليا في شوارع الامة على امتدادها ... والمصيبة من دون أي ثمن. فان كان الثمن في السابق تحالفات تضمن ديمومة الانظمة السياسية المفروضة على هذه الامة فان الراهن يشير الى ثمن مضاد اذ رغم فروض الطاعة المستميتة لا يكف الامريكيون عن التلويح بفزاعة تغيير بعض هذه الانظمة، فصار لزاما على الاخيرة ان تزيد من فروض الطاعة.. وهو ما يحدث على شكل ضغوط مالية وسياسية سرية على المقاومة الفلسطينية ومبادرات تجنح لاستسلام متجمل بمساحيق الواقعية. لكن سلام مع من؟ جذور الليكود النازية ثارت ثائرة الولايات المتحدة واوروبا وحتى ميكرونيزيا «التي لم يتحقق احد ان كانت دولة على الخريطة» ولن ننسى ايضا «الواقعيون» العرب حين شبه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومن قبله نظيره السوري بشار الاسد الممارسات الاسرائيلية بالنازية. واكتفينا نحن بالمعلومات المدرسية العامة عن النازية وتاريخ الحركة الصهيونية، وشذرات من بحثوا في العلاقة بينهما. ونجد لزاما على ضمائرنا ان تبعث بالعرفان للمناضل الامريكي ليندون لاروش المرشح لانتخابات الرئاسة الامريكية القادمة الذي تجرأ على مواجهة السيل اليهودي الجارف في بلاده وطالب علانية بتنظيف الامن القومي الامريكي من التأثير الصهيوني. مجلة لاروش «اي.آي.ار» نشرت في عدد 15 فبرايرأسرار العلاقة بين اجداد شارون والنازية، نعرض خلاصتها تاليا: في العام 1925 أسس اليهودي الالماني زئيف فلاديمير جابوتنسكي «الاتحاد الصهيوني العالمي من اجل التغيير» ومنظمة الشبيبة التابعة له «بيتار» وذلك لاسقاط الحركة الصهيونية الرئيسية التي انتقلت الى فلسطين وابرز ناشطيها في ذلك الوقت دايفيد بن جوريون. اهداف جابوتنسكي العلنية كانت «رفض الاكتفاء باقامة اسرائيل على ارض فلسطين وحدها بل مدها الى الاردن وصحراء سوريا» ليدخل بناء على ذلك في صراع طاحن مع بن جوريون وصلت الى حد وصف الاخير له بـ «فلاديمير هتلر». بعد دعوة جابوتنسكي اتباعه لبدء «الكفاح» ضد اتحاد العمال الصهيوني «هستدروت» دعا بن جوريون الصهاينة لاعلان الحرب على «الهتلريين الجدد» ممثلين بتيار جابوتنسكي وقال «انها حرب حياة او موت». هذه الحرب كلفت بن جوريون اغتيال حليفه شايم ارلوسوروف الذي كان يشغل منصب رئيس الدائرة السياسية في الحركة الصهيونية في العام 1933 . والحقيقة ان وصف بن جوريون لخصمه جابوتنسكي بالهتلرية لم يكن من باب الكيد السياسي ، بل كان حقيقة يشهد عليها اعلان صحيفة الاخير «الجبهة القومية» ان «هتلر هو مخلص المانيا» وان الصهاينة سيقفون بحزم الى جانبه متمنين عليه اسقاط حملة التحريض على اليهود من برامج النازيين. المهم في هذا العرض التاريخي معلومة في منتهى البساطة والخطورة معا : من رحم تيار جابوتنسكي ولد حزب الليكود. اذن لا غرابة ان يتمسك زعيم هذا الحزب حاليا ارييل شارون سرا وعلانية بمقولة «الاردن وطن قومي للفلسطينيين» ولا عجب في ان يسير على نهج النازيين في مذبحة الحي اليهودي في وارسو ابتداء من قبية الى صبرا وشاتيلا وليس انتهاء «ان بقي الحال على ما هو عليه» في بلدة نابلس القديمة ومخيم جنين. ما الداعي للمبادرات؟ شارون حقق حلمه ب«تمزيق اتفاق اوسلو» وحث عمليات التوسع والاستيطان ومصادرة الاراضي وتهديد القدس وتهجير الفلسطينيين بالمجازر وخدع المنظمات الاستيطانية عبر عقود العمل الزائفة، وما زال حزبه يتمسك بمقولة الوطن الفلسطيني البديل في الاردن. اذن لم سارع النظام الرسمي العربي لطرح مبادرة سلام حين كانت دبابات شارون تسحق اطفال فلسطين ويهدد بضرب لبنان وسوريا بعدما هدد وزراؤه سابقا بضرب السد العالي المصري؟ لم يكن الهدف عموما انقاذ الفلسطينيين والا لجرى تهديد واشنطن بمصالحها الاستراتيجية في المنطقة. الهدف الاول والاخير كان الحفاظ على النظام الرسمي العربي متماسكا رغم تباين السياسات القطرية عبر جبهتين: الاولى «والاهم» حوز الرضى الامريكي اتقاء لغضب 11 سبتمبر والثاني كبح حركة الشارع العربي الناهضة والتي ان واصلت الزئير لن تسكت الا بعد انتزاع الخبز الوفير والحرية الراسخة. واشنطن التقطت كعادتها التوجه الرسمي العربي،وفهمت دون الحاجة الى اي ذكاء ان المناخ السياسي العربي مروض تماما فبادرت الى تهيئة الاجواء لتنفيذ الضربة المبيتة للعراق عبر تبريد الجبهة الفلسطينية بثلاجة المبادرات والتطمينات المؤقتة كعادتها في اطار صفقة عنوانها «رأس المقاومة مقابل حل سياسي» غامض وغير محدد الاسس والآفاق. وما دفع بوش لتسريع خططه التسووية هذه تقارير المخابرات المركزية «سي.آي.ايه» حول خطر احتمال تصدير العمليات الاستشهادية من فلسطين الى المصالح الامريكية في المنطقة وهو سلاح لا يجدي امامه حتى القاذفات العملاقة «بي 52». اذن هذه المرحلة من تاريخ الامة غاصت كالعادة في الوعود الامريكية الضبابية،ورفعت عواصم القرار العربي في المقابل لافتة واضحة تعلن التنازلات بلا حدود وبلا ثمن، سوى وعود امريكية لم تصدق يوما. لا يلدغ بوش من ذات الجحر والحقيقة ان جورج بوش لا يهوى الكذب بل يتقن اخذ العبروخصوصا ان كانت داخل بيته: فهو يحرص على تجنب مصير والده حين غامر بالضغط على اسحق شامير ما دفع اللوبي الصهيوني لتسديد لكمة مضادة اطاحته في الانتخابات الرئاسية امام الديمقراطي بيل كلينتون. وهذا الاخير لم يجرؤ على ممارسة اية ضغوط على اسرائيل في فترته الرئاسية الاولى بل في الثانية والاخيرة حين تغلبت مصلحته الشخصية على رعب حزبه المستند تماما للوبي الصهيوني فأمل بحفر اسمه على جدار التاريخ كصانع سلام لأعتى الصراعات على الارض. فهم بوش الابن تماما مصير كارتر بعد ضغوط كامب ديفيد الاولى وتعلم جيدا ان ما من رئيس امريكي ضغط على الدولة العبرية وصمد في البيت الابيض باستثناء حالة جونسون الفريدة، وعليه فان موالاته للصهاينة ستظل على عمقها الى حين الفترة الرئاسية الثانية وساعتها يمكن له ان ينظر لمصلحة «كارتل» النفط الذي يتزعمه ويصب في خانة التحالف مع العرب. لكن الامور لا تجري بمثل هذا التسطيح والتبسيط اذ انه ورغم حرص اليمين المسيحي الامريكي المستميت على اسرائيل كـ «ضرورة عقائدية» الا ان رأس المال يظل ديدن امريكا ودينها ومصالحه هي القيمة السياسية العليا شرط عدم التسبب بصدام حاد يهدد مستقبل الولايات المتحدة. وتظل قوى الضغط الاقتصادي غير المؤدلجة تضغط خفية للحد من غلواء السياسات الاسرائيلية لكنها وعبر وزارة الخارجية بزعامة كولن باول تصطدم بغياب البديل الاسرائيلي المعتدل: فلو جرت انتخابات اسرائيلية مبكرة سيكون بديل شارون هو نتانياهو. وعليه لا بديل سوى تمويت الاحداث بعد تبريدها في انتظار تغييرات دراماتيكية اسرائيلية باتجاه الاعتدال او اعلان العرب الاستسلام النهائي دون قيد او شرف. بداية جديدة نحو الفعل هبة الجماهير العربية على عظمتها لم تتفادى مرض الانفعال الآني في انتظار قيادات حزبية ونقابية فاعلة، حيث لم تنتقل من حالة الغليان العاطفي الى البرنامج المطلبي الواضح من خلاله تنتزع تنازلات سياسية لجهة مواجهة التوحش الاسرائيلي والتغول الامريكي عبرمحاصرة العلاقات الرسمية العربية مع واشنطن وتل ابيب. واكثر ما يثير الحفيظة اعلان حكومات حنقها الكامل ضد اسرائيل من دون اي اجراء مضاد لها ولو على المستوى الديبلوماسي ما يعني العجز الذي يستلزم التنحي. ولم تتمكن الهبة الجماهيرية هذه لعفويتها التامة من التحول الى القضايا الداخلية بهدف المساءلة والتساؤل عن هدر مقدرات الاوطان الاقتصادية على اسلحة مصيرها الصدأ. طبعا هذه مطالب مغرقة في الطوباوية، والاجدى في الظرف الراهن التركيز على واقعية غير مستسلمة وعنوانها الابرز دعم مقاومة الشعب الفلسطيني. لكن حتى هذا الدعم وقع اسير الفورة العاطفية الطارئة من جهة، واسير خوف الانظمة من تهمة «دعم الارهاب» الامريكية الجاهزة. وحدها الامارات اجترحت بادرة نحلم بتعميمها في الوطن العربي الكبير حين حولت لجنة دعم الفلسطينيين من مؤقتة الى دائمة وغير مربوطة بمجزرة او هجمة او حصار. المؤسسات الراسخة كانت دوما شرط الثورة الادارية التي هي بدورها شرط النهوض الحضاري والتراكمي. لكم نعود حالمين وخائبين كعادتنا بعد حين يا احباب سنخلع صور اشلاء اطفالكم عن الجدران نمحو اشعار الثورة والحزن من ذاكرتنا ونعود للوجبات السريعة والملابس الساحلة عن الخصور انتظارا للريح الغربية بعد حين سنعتذر باسمين للتاريخ عن الحضور ونلوذ باطفالنا بعيدا حتى عن اللغة العربية يا احباب تأخرنا عن اللحاق بدمكم الى منصة الشرف فاعذرونا ان جفت عروقنا عن الجريان والله انا نسينا من اين يؤتى القلب فقدنا الدرب وفروسية الشجب وحتى هجاء الانظمة لا بوصلة لايامنا بعدكم نرجوكم لا تصمدوا كي ترحموا شهواتنا من طعم الهزيمة! خالد ابوكريم