يبدو ان حكومة الدكتور محمد مصطفى ميرو الثانية التي تشكلت في أواخر ديسمبر من العام الماضي، وهي أول حكومة تشكل رسمياً في عهد الرئيس السوري بشار الأسد، قد عادت بمشاريع الاصلاح الاقتصادي، السابقة التي صيغت في العامين الماضيين عبر ورشات حوار اختصاصية كثيفة، تمثل احدى اهم ورشات الحوار الثمينة في تاريخ النخب السورية، الى ما يشبه نقطة الصفر، وبات فريقها الاقتصادي الذي اختير من اصحاب الكفاءة «المشهود» لهم، وليس من اصحاب الثقة الثورية، منكباً هذه الايام على انجاز برنامج اصلاحي اقتصادي جديد يقوم المشترك ما بينه وبين المشاريع السابقة على تجنب خصخصة الملكية الاجتماعية للقطاع العام، وتفادي تسريح العمالة «الفائضة» عبر الاكتفاء بخصخصة ادارية في اطار مبدأ الفصل ما بين الملكية والادارة، مع ان البعض ونحن منهم يرى ان هذه التوجهات ليست الا ترجمة حذرة وبطيئة على الطريقة السورية لتوصيات صندوق النقد والبنك الدوليين. لكن اذا كانت برامج لجان الاصلاح الاقتصادي السابقة، وفي مقدمتها لجنة التنمية الاقتصادية والاجتماعية (أو لجنة الـ 18 التي قدمت تقريرها الى رئيس الجمهورية) ولجنة اعادة هيكلة القطاع العام الصناعي المعروفة باسم لجنة الـ 34 التي شكلتها الحكومة، وكاد برنامجها ان يخرج بصيغة قانون لولا ربع الساعة الأخير، قد نوقشت بهذا القدر أو ذاك على نطاق شفاف نسبياً في الصحافة الحكومية والجبهوية (الشيوعية)، وفي اطار جمعية العلوم الاقتصادية التي غدت في العامين السابقين احدى ابرز مؤسسات المجتمع المدني الهش ديناميكية وفعالية وتأثيراً، فإن هناك قدراً مبالغاً به في التكتم أو لنقل بالسرية في صياغة البرنامج الحالي، مع ان المؤشرات تقول انه في طور اللمسات الأخيرة قبل رفعه الى قيادة الجبهة الوطنية التي بات معظم احزابها يمثل اشباحاً متماوتة منخورة تتعيش من السياسة، ويشك المرء العارف بها بمدى جدارتها بمناقشة تقرير خبراء الفريق الاقتصادي الحكومي، بينما لم تستطع المعارضة السورية بعد يقظتها فيما بات يسمى بربيع دمشق، الذي «صوحت أزاهره من قبل أن ينضج الثمر»، ان تكون موقفاً واضحاً من القضايا الاقتصادية المطروحة بالفعل على جدول الأعمال السوري. إن الاصرار على نفي أهمية مشاركة المجتمع في الحوار مع اخصائيي الحكومة والمشاركة في صنع قرارهم، ترافق مع تدهور اهتمام جماعات الضغط الاقتصادية السورية الممثلة بالغرف الصناعية والتجارية مؤسسياً بالشأن العام الاقتصادي، فممثلو غرف الصناعة كما حدث فعلاً لا سيما في جلسات الشراكة السورية ـ المتوسطية يغيبون كلياً عن اجتماعات حيوية تتعلق مباشرة بمصالحهم، في حين ان سياسة وزارة الصناعة تقوم على احداث مزيد من الغرف الصناعية وصولا الى احتمال تشكيل اتحاد لغرف الصناعة السورية. كما ان التجار الذين يعتبرون انفسهم «أفتك» من الصناعيين، وأوسع ادراكاً منهم (مع ملاحظة ان الصناعي السوري هو عموماً تاجر بزي صناعي) لم تدرك سوى نخبة مبادرة محدودة منهم اهمية حضورهم المؤسسي كجماعة ضغط منظمة، فلم يتجاوز عدد من حضر اجتماع الهيئة العامة لغرفة تجارة دمشق الاسبوع ما قبل الماضي مئة عضو من اصل تسعة آلاف عضو، مع ان انتخابات الغرفتين الصناعية والتجارية هي من اشد الانتخابات تنافسية. ان ذلك يتعلق بأسباب شتى، ليست كلها من مسئولية الحكومة، لكن مسئولية الحكومة تكمن في عدم وجود سياسة لها في اشراك الرأي العام في مناقشة سياساتها، على مختلف اطيافه السياسية والجمعياتية والفكرية، فما الذي يضير «الأمن القومي» ان ينشر اطراف الفريق الاقصادي آراءهم في البرنامج الاقتصادي الجديد، وان يعلق عليهم اقتصاديون كبار مثل نبيل سكر أو سمير سعيفان وغيرهم، أو قادة سياسيون معارضون مثل حسن اسماعيل (عبدالعظيم) الناطق باسم التجمع الوطني الديمقراطي، أو الاتحاد العام لنقابات العمال الذين كنا نسمع دوماً في فترة حكومة الزعبي غير المأسوف عليها صيحته ضد السياسات الليبرالية الجديدة في حين لا نسمع له اليوم صوتاً؟ وما الذي يضير برنامجاً وطنياً للاصلاح الاقتصادي يتم بخبرة وطنية سياسية مستقلة عن مؤسستي صندوق النقد والبنك الدوليين، ان يطرح لنقاش وطني عام في الاجهزة المرئية والسمعية؟ إن مسألة الديمقراطية تجدد حضورها هنا، مع ان كل ذلك يحتمله مناخ الانفتاح الانتقالي الصعب، فلا ريب ان القيادة القطرية لم تبذل منذ تولي الرئيس الأسد مهامه الدستورية جهداً ملموساً في التوجهات التي رسمها خطاب القسم، وأقرتها تلك القيادة، من قبيل «ان حرية الرأي والتعبير يجب صيانتهما» ومن قبيل «يجب ان نصل الى مرحلة اطلاق الحريات الفردية والعامة» ومن قبيل تجاوز «المضمون غير الديمقراطي» للعملية الانتخابية في المجالس والمنظمات. لقد قامت خطة العمل الحزبية على ان سوريا هي في «مرحلة جديدة تختلف سماتها ومضامينها عن مراحل سبقتها»، لكن العمل لا يزال وفق آليات مراحل سابقة، وإلا كيف نفسر طريقة تعامل رئيس المكتب القانوني القطري مع ما طرح من آراء في مؤتمر المحامين السوريين في الأسبوع الماضي؟ ويمكننا عن معرفة وتوثق ان نؤكد ان ذلك يتناقض تماماً مع رؤية الرئيس المحفزة للمبادرات، والتي لم تستطع البيروقراطية السياسية الحكومية السورية ان تستوعبها، عن جهل أو تعمد. المفارقة ما بين رؤية رئيس ينتمي الى المستقبل وبين رؤية جهاز بيروقراطي هي مفارقة سورية خاصة، ربما دفعت الرئيس ولا تزال تدفعه الى شعور بالاغتراب عن هذه البيروقراطية، ولذلك لا مفر من التخلص منها بالطرق الاعتيادية أو القرارية. ويبدو ان الطرق البطيئة نسبياً تغلبت الآن على الطرق الحاسمة. العقلية مبادرة لكن المنظومة بطيئة ومحافظة وشديدة الحذر، ولهذا نجد رئيساً يقول شيئاً في حين تنفذ آليات المنظومة (يعني النظام) شيئاً مخالفاً بل معاكساً. ان مثل هذا الجهاز البيروقراطي لا يستطيع بنيوياً أن يترجم تلك الرؤية. هذا هو بعض أخطر الفجوات في مسيرة سوريا الشابة الجديدة التي لن تردم إلا بأن تكون سوريا الشابة كما تتطلع، لكل أبنائها كما يكون كل أبنائها لها. إنهم الأبناء غير مستلبي الحقوق.