هذا الشاب الأسمر المثقف، يحمل اسمه عبقا من التاريخ المعاصر، وحقبة مجيدة في الستينيات والنضال من أجل التحرر، «جمال نكروما» ابن المناضل الافريقي «كوامي نكروما»، رفيق الكفاح مع عبدالناصر وسيكوتوري ونيريري وبن بيلا من اسر جاذبية الاسم الى الذكريات عن «الأب».. الى قضايا افريقية معاصرة تعود جذورها للماضي، تتناول مشاكل الحاضر الافريقي وتمتد للمستقبل. في مكتبه الصغير في «الأهرام ويكلي» بين أكوام الأوراق والصحف وأجهزة الكمبيوتر والانترنت ورنين التليفونات نبدأ الحوار معه حول ذكرياته عن الوالد وعبدالناصر.. وسيرته نفسه. يقول نكروما: ولدت في أكرا عاصمة غانا عام 1960 وعشت فيها سنواتي الست الأولى وفي عام 1966 وبالتحديد في 24 فبراير قام انقلاب عسكري أطاح بحكم الوالد وبفضل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حضرت أسرتي الى القاهرة، والدتي مصرية فتحية نكروما وأخي سيكو الذي سمي باسم الزعيم أحمد سيكوتوري وأختي سامية والتحقت مع إخوتي بكلية النصر بالمعادي وفي بداية المرحلة الثانوية انتقلنا الى غانا وكان الوالد قد توفي عام 1972 في رومانيا حيث كان يعالج وبعد أن كان قد لجأ الى غينيا في رعاية الرئيس أحمد سيكوتوري كان والدي يفضل أن لا يبتعد عن افريقيا ولكن شدة المرض لم تساعده وشهدت كوناكري عاصمة غينيا جنازته وكانت جنازة ضخمة رهيبة وكان والدي أثناء اقامته في غينيا قد اختاره الرئيس أحمد سيكوتوري شريكا له في رئاسة الجمهورية، وهذه أول مرة يحدث فيها هذا الحدث في تاريخ افريقيا أن يكون لدولة رئيسان في نفس الوقت وقد دفن والدي في غانا في ظل حكومة غير الحكومة الانقلابية ضده حيث قامت بعدها أكثر من حكومة عسكرية بدءا من عام 1966 وكانت الحكومة العسكرية القائمة عام 1972 متعاطفة الى حد ما مع الوالد، فسمحت بدفنه في غانا وأن تعود أسرته بعد حرب 1973 وبعد عامين ذهبت للدراسة في لندن حيث درست السياسة والاقتصاد في جامعة ساسيكي، ثم حصلت على درجتي الماجستير والدكتوراة في جامعة لندن وعشت في لندن حوالي 12 عاما، ثم ذهبت للعمل في زيمبابوي محاضرا بجامعتها لأربع سنوات في علوم التنمية والاقتصاد ثم عدت الى لندن لفترة وجيزة، تقابلت فيها مع فتاة مصرية، تزوجنا وعدنا الى القاهرة، وعندي ولدان. ـ ماذا تذكر عن عبدالناصر؟ ـ آخر مرة شاهدت فيها عبدالناصر كانت في الاسكندرية في شاليه المعمورة، لا أذكر العام بالضبط لكن مؤكد أنه كان بعد 1967 أتذكر هذا اللقاء الأخير بصورة واضحة، فقد كانت له كاريزما خاصة، أقوى ماحمله انطباعي عنه كطفل، عيونه ونظراته كانت كأنها تخترق نفس من ينظر اليه، هذا أمر لم ألمسه في أي إنسان آخر، كانت له نظرة عميقة جدا. وكنا نعرف كأطفال ما قام به نحونا وأنه خصص طائرة عسكرية لنقلنا من غانا في نفس يوم الانقلاب العسكري ضد والدي يوم 24 فبراير 1966، كان له معزة وإكبار في نفوسنا. كان عطوفا جدا معنا كان يتعاطف مع الضعفاء والفقراء، وكان رياضيا يمارس رياضة التنس والسباحة والمشي وكان يهتم أن نتعلم السباحة كما كان يهتم جدا بالقراءة أتذكره دائما في مكتبته الخاصة التي كانت غرفته المفضلة كنت أشاهد الكتب الكثيرة، وقد رسخ فينا حب القراءة.. ـ والوالدة.. فتحية نكروما؟ ـ والدها جدي من المنصورة وجه بحري، أما والدتها فمن بني سويف أي الصعيد، وتنتمي الى أسرة بطرس غالي ولي أخ شقيق وأخ غير شقيق أختي كانت تعمل معي في «الاهرام ويكلي» ثم تزوجت وسافرت الى روما.. وأنا مقيم في القاهرة وأحب مصر. ـ هل حصلت على جنسية مصرية؟ ـ أحمل جنسية غانية ولكني أسعى للحصول على الجنسية المصرية. ـ ماذا تذكر عن أكرا؟ ـ أكرا مدينة ساحلية تقع على المحيط الأطلسي وولدت في قصر يعتبر أكبر قصر في غانا على الساحل كان هناك قلاع أبوابها شيدها أوروبيون في عهد تجارة الرقيق أكبر هذه القلاع هو القصر الذي ولدت فيه تحت القلعة. كانت هناك تفتح على المحيط مباشرة لتصدير العبيد منها. هناك خمسة وأربعون قلعة من ذلك العهد من القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر وحتى هذه اللحظة يأتي لزيارتها أمريكيون من أصل أفريقي، ليتعرفوا على أصول أسلافهم وكنت أسمع في طفولتي أساطير كثيرة حول هذه القلاع كانت القلعة أو القصر الذي نسكن فيه كبيرة جدا وكانت ما زالت فيها المدافع الضخمة مناطق أثرية كثيرة ويوجد الآن بجوار هذه القلعة ميدان كبير اسمه ميدان نكروما على اسم الوالد أما الساحل فتمتد عليه أشجار جوز الهند. أكرا مدينة هادئة جميلة أسواقها مكتظة صاخبة بالألوان وتخلو من ناطحات السحاب مثل القاهرة أو لاجوس عدد سكانها مليونان فقط هي مدينة هادئة تتميز بالحدائق العامة والمساحات الخضراء الشاسعة. هذه هي المدينة التي ولدت فيها.. وما زلت أتردد عليها بين حين وآخر. عصر التحرر ـ كيف ترى افريقيا بين الستينيات عصر التحرر وماتقابله اليوم من مشاكل سياسية واقتصادية؟ ـ الوضع اليوم طبعا يختلف تماما عن الوضع في الستينيات. في الستينيات شهدت أفريقيا الأقطاب: عبدالناصر ونكروما وسكوتوري وباتريس لومومبا وأحمد بن بيلا، كان هناك مناضلون عظماء لم يكونوا ينظرون الى أنفسهم كرؤساء دول، كانوا أساسا مناضلين من أجل الشعوب ومن أجل تحرر ورقي شعوبهم كان جيلا مميزا وحتى أمثال ليوبولد سنجور «السنغال» وهجواندا «ساحل العاج» والامبراطور هيلاسلاسي «أثيوبيا» ممن كانوا يعتبرون متعاطفين مع القوى الاستعمارية، حتى هؤلاء كان لهم طابعهم واجتهادهم، اليوم تختلف الأمور، فإن النضال السياسي في معظم افريقيا في السنوات الخمس الأخيرة من منتصف التسعينيات طرأ عليه تغيير شامل بعد عهد نكروما وسيكوتوري ولومومبا ونيريري، جاءت حكومات عسكرية وشهدت فترة السبعينيات والثمانينيات قلاقل وانقلابات عسكرية، ولكن منذ 1995 بدأت دول عديدة في افريقيا جنوب الصحراء تطبق الديمقراطية وبدأت بدول صغيرة مثل غانا ومالي والسنغال.. ثم دول كبيرة مثل نيجيريا منذ سنتين تحولت من نظام عسكري الى نظام ديمقراطي وتتمتع بحرية في الصحافة، في نقد الأوضاع السياسية، أشعر في أي زيارة لأي من هذه الدول الافريقية أن المجال السياسي أصبح حيويا جدا، ولكن ليس من بين القادة الذين يديرون شئون الدول في الدول الافريقية جنوب الصحراء من يتمتع بمواصفات الشخصية الكاريزمية ولو أن معظمهم كان له تاريخ في الحركة النقابية العمالية، ولكن ليس لهم الدور الكبير الفعال الذي كان لجيل والدي، ولكن في ظل النظام العالمي العولمة تم تهميش أفريقيا لم تعد إلا مصدرا للخامات وخاصة المعدنية، فأفريقيا أكبر مصدر للمعادن المختلفة، لكن للأسف التعدين في افريقيا كله تحت سيطرة الشركات الكبرى التي تحتكر استخراج المعادن في افريقيا. ـ وهذا نوع من الاستعمار الاقتصادي؟ ـ وهذا ما سبق أن نبه اليه وكتب عنه والدي باسم «الاستعمار الجديد» فإنه حتى الدولة صاحبة سيادة ومستقلة ولكن هذا بالاسم فقط، وتبقى تحت رحمة الشركات متعددة الجنسيات التي تحتكر اقتصاد الدولة. وقد ظهر أمر جديد على الديمقراطية هو الجمعيات غير الحكومية، أصبح لها قوة ونشاط كبيرين في افريقيا، ولكن للأسف معظم تمويلها من الدول الغربية، فمثلا في معظم الدول الافريقية جمعيات حقوق الانسان، وجمعيات خيرية كثيرة، حيث تدهور النظام الاقتصادي الى حد كبير، كان الجيل الذي ينتمي اليه والدي يحاول تطبيق التأمين الاجتماعي والتعليم المجاني، والعلاج المجاني وهذا ما كان والدي يصر عليه، أما الآن لم يعد قائما هذا المجال في افريقيا بعد التدهور الاقتصادي أصبح هناك انهيار تام في مجال التعليم والصحة والتأمين الاجتماعي، ولذلك فإن الجمعيات غير الحكومية التي بدأت في الغرب من الاساس هي التي شرعت العمل في كل هذه المجالات، وهذا يعتبر نوعا من الاستعمار المباشر، كما أن الجمعيات الدينية أخذت تنمو على يد مبشرين مسيحيين بتمويل غربي وهناك الى حد ما جمعيات اسلامية بتمويل من دول عربية وفي ظل عدم وجود تأمين اجتماعي أو صحي ورغبة الأهالي في تعليم أولادهم تقوم الجمعيات الدينية أو الخيرية، تلعب الدور الذي كانت تلعبه الدولة في أيام نكروما، وبدأ دور الدولة يهمش، ولم يعد للدولة في افريقيا الهيبة التي كانت لها من قبل، ومن هنا جاءت الفرصة للجمعيات الخيرية والجمعيات غير الحكومية كي تلعب دور الدولة وهذا له نتائج متعددة ومتنوعة التأثيرات على القارة الافريقية، وفي دولة مثل نيجيريا لم يكن هناك تصادم بين المسيحيين والمسلمين وللأسف نجد اليوم مصادمات دموية حادة بين المسلمين والمسيحيين في كثير من الولايات، . جنوب الصحراء والثراء الثقافي ـ لماذا لا يعرف القراء العرب الكثير عن الأدب الافريقي جنوب الصحراء رغم تنوعه وثرائه؟ ـ هناك عوامل كثيرة أولها اللغة وهناك ازدهار في دول كثيرة في افريقيا جنوب الصحراء ولكن ليس هناك متابعة لها من الشمال الافريقي لأن معظم الأدب الافريقي يسوق في الغرب لكتاب معظمهم يكتبون بلغة الاستعمار الذي كان يحتل دولهم وخاصة بالانجليزية والفرنسية ولكن في السنوات الأخيرة ظهر عدد كبير من الكتاب باللغات المحلية في جنوب وغرب القارة.. من بينهم كتاب كبار أحدهم كاتب من كينيا أنجومي باسيونجو رغم كتاباته المتفوقة بالانجليزية قرر منذ عشر سنوات أن لا يكتب بالانجليزية وإنما بلغته الأم السواحلية هذا كله أدى الى عدم وجود اهتمام كافٍ من الدول العربية والأدب العربي. هناك فجوة كبيرة في علاقاتنا كأفارقة.. فنحن نلتقي عبر الغرب ليس هناك اتصال مباشر بيننا رغم أن هناك تطورا كبيرا في الأدب الافريقي وهناك نشاط كبير في افريقيا وظهر جيل جديد، وأيضا كاتبات افريقيات، في الستينيات كان كل الكتاب من الرجال، اليوم هناك عدد كبير من النساء، من ألمعهن الكاتبة السنغالية ريام أبا توفيت منذ عامين وكاتبة من جنوب افريقيا «باس هاد» تناولت دور المرأة في النضال الافريقي توفيت مؤخرا ـ وهناك جيل جديد أصغر سنا ظهر أخيرا من زيمبابوي ونيجيريا وغانا. للأسف لا يعرف أحد في الشارع المصري أو العربي شيئا عنهم، وهناك كاتبة بيضاء من جنوب افريقيا نادين جولديمر تعتبر افريقية وتتكلم عن الواقع الافريقي وحازت على جائزة نوبل وهناك كتاب جدد ظهروا تتصل كتاباتهم إما بالبيئة أو بالشعوب الأصلية المهددة بالانقراض شعوبا أو قبائل مثل قبائل استراليا أو الهنود الحمر في أمريكا، في افريقيا توجد قبائل من هذا النوع، وقد ظهر مؤخرا تقرير أعدته الأمم المتحدة أن افريقيا أكبر قارة لغاتها مهددة بالانقراض. هناك 600 لغة افريقية تكاد تكون مهددة بالانقراض، فإذا لم يعد الناس يتكلمون اللغة الأم فإن حضارتهم تنقرض، ـ ومن جانب آخر ماذا عن ترجمة الكتابات الأدبية العربية الى اللغات الافريقية؟ ـ أكثر أهالي هذه البلاد الافريقية جنوب الصحراء يربطون بين اللغة العربية والقرآن الكريم، وهذا طبعا مهم وله دوره، ولكن ليس عندهم أي فكرة عن الأدب غير الديني، والكتاب المعاصرين.. ومن الواجب أن نعرفهم بالأدب العربي الحديث ونشجع مشروعات الترجمة الى لغاتهم.