بيان الاربعاء: كثر الكتاب ومن يحملون صفة «المفكر» المنادين باعلان الولايات المتحدة سيداً متفرداً للارض وشعوبها بلا مواربة او حياء، حتى ان البعض منهم يحث واشنطن على الغاء حدود الدول لجهة مد ذراعها العسكرية لترتيب مجتمعاتها وفقا لمعيار مدمر نجحت الادارة الامريكية، الحالية في تعميمه وترسيخه في ذهنية المجتمع الدولي يتعلق بـ «الحرب على الارهاب».هذا الانقلاب الفكري والسياسي حدث بعد الهجمات الدامية التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر الماضي. وكان لافتا في هذا الامر ان الولايات المتحدة ومن خلال شعار «الحرب على الارهاب» نجحت في اخضاع بقية الدول الكبرى قبل الصغرى. فها هي اوروبا تنكمش امام الفجوة الشاسعة في القوة العسكرية وميزانية التسلح امام امريكا فيما الفيتو الروسي فقد قوته الساندة واستقال من الحياة الدبلوماسية في وقت مازالت الصين تدرس حجمها ووضعها على الخريطة السياسية الدولية وتبقى على سياسة الغموض والتوجس الرادع مع الامبراطورية الامريكية، الكاسحة. غير ان «الحرب على الارهاب» هذه كشفت ايضا ان الولايات المتحدة وبرغم حالة النشوة الحربية والتفوق العسكري التي تسيطر على صناع القرار في البيت الابيض ورغم التلميح بأن أمريكا على استعداد لمواصلة هذه الحرب منفردة الا أنها غير معنية حاليا في بلورة اصطفاف في غير صالحها على المدى البعيد بين قوة امريكية طاغية وبقية العالم الذي سيبادر في هذه الحالة الى تحشيد صفوفه وقواه لمواجهة هذا الطغيان.ولذلك كان ان لجأت الى مجلس الامن ونجحت في فرض أخطر قرارات المجلس على الاطلاق ومن دون اية اضافات او تعديلات او حتى همسات من قبل باقي دول المجلس.هذا القرار المسمى 1373 أسس لكل ما يمكن ان يتلوه من قرارات تخدم المصالح الامريكية، عبر تحويل كافة الدول الى منظومة امنية تنفذ السياسات والاوامر الصادرة عن البيت الابيض حيث سخر كافة القوى الدولية لخدمة «الحرب على الارهاب» من دون تحديد مفهوم الارهاب بحيث صار من حق واشنطن ان تصم حتى حركات التحرير الوطنية في العالم بهذه التهمة. خلفيات هذا القرار وأسسه القانونية وابعاده وآثاره يبحثها «بيان الاربعاء» في بيروت مع كل من الدكتور الياس ابو عاصي والدكتور شفيق المصري وبدأنا بطرح السؤال: ـ هل نجحت الولايات المتحدة في كل ما اتخذته بعد انهيار المعسكر الشرقي والاتحاد السوفييتي حتى الان؟ ـ د. الياس ابو عاصي: تكفي جردة سريعة للفترة الممتدة من العام 1991 ولغاية صبيحة العاشر من سبتبمر الماضي، لكي يتكشف ان واشنطن المنتصر نجحت حينا، وتعثرت حينا اخر، الا انه في ذهن قادتها ومخططي استراتيجيتها ان تعثرها، او فشلها، يأتي في مصلحة منافسها واعدائها، بما يشبه استحضار «لعبة الرصيد السلبي» زمن الحرب الباردة، حيث كانت خسارة احد الجبارين تعد كسبا للجبار الاخر. من هذه الزاوية يعتبر تراجع المسيرة السلمية في الشرق الاوسط في مقدمة عثرات الولايات المتحدة، ويكشف الخلل في ادائها، وفي صديقتها، ويثير اهتمام المنافسين والاعداء في آن، فكيف للولايات المتحدة الامريكية ان لا تحسب حساب الاتحاد الاوروبي الذي يقدم المساعدات الاقتصادية والانسانية بسخاء دون مقابل سياسي يذكر؟ ونلاحظ تماما عند اي تحرك كيف يحدث ما يمكن ان يكون سياسة القناص حيث نرى ان سولانا، مثلا، او غيره، من المبعثين الاوروبيين، في الغرفة الخلفية لموفد امريكي. فهل هناك تكامل ين الجهود الاوروبية والامريكية؟ هل هناك تكامل تحت عنوان التسابق؟ الجواب باختصار ان كل شيء في السياسة معقول. اذن كيف للولايات المتحدة ان تحسب اي حساب للاتحاد الاوروبي؟ كيف لها ان لا تنظر ناحية روسيا، شريكتها المفترضة في رعاية مفاوضات السلام، وصاحبة الخبرة الطويلة في شئون منطقة الشرق الاوسط، وهي التي كانت تقيم علاقات اكثر من مميزة، مع معظم دولها، ايام الاتحاد السوفييتي؟ وكيف لها ان تتغاضى عن الحركات الراديكالية والاصولية التي تناصبها العداء بسبب ما تعتبره انحيازا فاضحا لاسرائيل وجشعا في استغلال الموارد العربية الطبيعية؟ وكيف لها اخيرا ان تتجاهل المنظمات الارهابية التي لا تكتفي باطلاق الاتهامات والتهديدات ضدها بل تغريها بالاعتداءات والاعمال العدوانية؟ في هذه الاجواء المحمومة، جاءت هجمات 11 سبتمبر لتكشف تطور الوسائل مقارنة مع الاعمال السابقة في مجالات التحضير والتنفيذ واستعمال أحدث التقنيات، وقيام شبكات التمويل المعقدة المنخرطة في اقتصاد السوق ونشاطاته الى البنى التحتية المتعددة والانتشار الهلامي الواسع والمنظم للشبكات «الارهابية». انها دولية «ارهابية» جديدة، استيحاء للدولية الاشتراكية، او الدولية الليبرالية، الاممية، بعض قادتها معروفو الاسم والوجه، وبعضهم غير معروفين. واما ضربها رموز القوة الامريكية فقصدت منه ارباك الدولة العظمى الوحيدة، وشل قدراتها وبلبلة اجهزتها والنيل من ثقة مواطنيها بها، وتصدع صورتها، هذا من جهة، وقد رمت من جهة اخرى الى التأثير في المعادلة الدولية، وحتى تغييرها، وتأليب الشارع الاسلامي ضد الحكام لفرض واقع شبيه بالذي قام في افغانستان، حيث نجح الاسلاميون في الافادة من المتغيرات الدولية، وتقاطع المصالح الاقليمية والدعم الذي حظوا به، واعني نظام «طالبان» عن حسن نية، او عن سابق قصد وتصميم من قبل اكثر من بلد اسلامي. تنامي التطرف واللا تسامح ـ اية مناخات تحذيرية انطلق منها الـ 1373؟ ـ د. الياس ابو عاصي في محصلة مؤقتة فان اعتداءات 11 سبتمبر حققت آنيا نصف نجاح على مستوى الشارع الاسلامي، الا انها في المقابل ساهمت في استنهاض الشعور الوطني عند الامريكيين، وفي قيام تضامن دولي مع الولايات المتحدة التي تميز رد فعلها بالسرعة والتصميم والحزم والحسم، وبالمبادرة الى انشاء تحالف بزعامتها لمكافحة الارهاب، وجعله غير قادر على الحاق الأذى بعد الان. هذا التحالف، تجلى في مرحلته الاولى، بتصويت مجلس الامن باجماع اعضائه على القرار 1373 في 28 سبتمبر الماضي، بعد ان كان قد ادان الاعتداءات بالاجماع ايضا في قراره الرقم 1368 في سبتمبر من الشهر نفسه ايضا. فما هي تفاصيل القرار 1373 الاساسية؟ وماذا يرتب على الدول من التزامات ومسئوليات في احكام هذا القرار وابعاده ومفاهيمه؟ هنا يمكن ملاحظة محاور عدة في هذا الاطار، الاول هو بمثابة تشخيص للارهاب وشبكاته وحلقات المتورطين فيه من افراد وجماعات ومنظمات، وفيه يعبر مجلس الامن عن قلقه من تكاثر الاعمال «الارهابية» في مختلف انحاء العالم، وينسبها الى تنامي ظاهرتي التطرف وعدم التسامح. لذا يحوز من جمع التبرعات وتأمين الموارد الاقتصادية والمالية واللوجستية لغايات ارهابية، وينفذ الى الثغرات الادارية التي يستغلها كعدم التشدد في مراقبة الحدود، وفي منح حق اللجوء واعطاء الوثائق الشخصية كبطاقة الهوية وجوازات السفر، وينبه الى العلاقات الوثيقة القائمة بين الارهاب الدولي والجريمة المنظمة وممارساتها، مثل تبييض الاموال وتهريب المخدرات، والاسلحة، والمواد النووية والكيميائية وغيرها. ويخلص المجلس الى اعادة تأكيد الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس والذي يمنحه ميثاق منظمة الامم المتحدة للافراد والجماعات. ـ ما هي الخطوات التي تضمنها القرار، اي الآلية لتنفيذ مضامينه واهدافه؟ ـ د. الياس ابو عاصي: يذكر مجلس الامن في قراره 1373 الدول بواجباتها وتعهداتها، كالتعاون في اطار الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الاطراف لمحاربة الاعمال الارهابية ومنع تمويلها وتقديم الدعم لها. وفي هذا السياق يدرج تعهد الدول الامتناع عن القيام بأعمال «ارهابية» على اراضي دول اخرى او المشاركة فيها، او تشجيعها والسماح بالقيام بنشاطات منظمة على ارضها، بهدف ارتكاب مثل تلك الاعمال. وثمة محور اساسي يتوقف القرار نفسه عنده ايضا وفيه لائحة التدابير التي يطلب مجلس الامن من كل الدول الاعضاء وفي الامم المتحدة، وغير الاعضاء اتخاذها استنادا الى الفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية، ومنها: الامتناع عن تمويل الارهاب، واعتباره جريمة خطيرة، تجميد الاموال والارصدة والموارد الاقتصادية والمالية العائدة الى الاشخاص والمنظمات المتورطين مباشرة او مداورة بـ «الارهاب»، اتخاذ التدابير الايلة الى منع القيام بأعمال «ارهابية» من طريق تبادل المعلومات في تحذير الدول التي قد تكون مستهدفة بعدم منح حق اللجوء للمتورطين بـ «الارهاب» وللمتواطئين والمتعاطفين معه، والطلب الى الدول العمل على منع هؤلاء من استعمال اراضيها للقيام بنشاطات «ارهابية» والحرص على تقديمهم الى المحاكمة، وخصوصا اجراء التعديلات اللازمة لجعل القوانين والانظمة القضائية الوطنية اكثر تشددا في مجال مكافحة «الارهاب» وقمعه، وتعزيز وسائل مراقبة الحدود ومكافحة تزويد الوثائق الشخصية والانضمام في اسرع وقت ممكن الى المعاهدات الدولية الخاصة بمكافحة الارهاب، بما فيها الاتفاق الدولي لمنع تمويل «الارهاب» الموقع في التاسع من ديسمبر عام 1999 والتزام تنفيذ كل الاتفاقات والقرارات ذات الصلة، ومن بينها قرارا مجلس الامن 1269 لعام 1999 والقرار 1368 عام 2001. اضافة الى ان مجلس الامن ضمن قراره اجراءات خاصة به هو نفسه، حيث يعتبر ان الاعمال «الارهابية» وما يتعلق بها من تمويل وتشجيع وتواطؤ تناقض اهداف منظمة الامم المتحدة ومبادءها ويعلن بناء على المادة 28 من نظامه الداخلي المؤقت، انشاء لجنة مختصة تتألف من كل اعضائه للسهر على تنفيذ القرار 1373 والطلب الى كل الدول تقديم تقارير بالتدابير التي اتخذتها، وذلك في مهلة اقصاها 90 يوما على تبلغها هذا القرار، على ان تقوم بعد ذلك بتقديم تقارير الى اللجنة «اي مجلس الامن مجتمعا، ومن يطلب اليه معاونته كالخبراء مثلا» وبحسب روزنامة تقترحها الاخيرة. الى ذلك على اللجنة تحديد مهامها في مهلة اقصاها 30 يوما بعد صدور القرار، والتفكير بنوع الدعم الذي تحتاج اليه وذلك بالتشاور مع الامين العام للامم المتحدة. كذلك فان المجلس يجدد تصميمه على اعتماد كل الوسائل والتدابير لضمان تنفيذ القرار 1373 تبعا للمسئوليات الملقاة على عاتقه، ويعلن متابعة هذه المسألة بشكل دائم. وهكذا لم يعد امام الدول الا ان تحدد موقفها سلبا او ايجابا، مع ما يترتب عليه من عواقب وما يفرضه من التزامات. الاسلوب الامريكي وخلفيات القرار ـ د. شفيق المصري: اوزع القضية التي نحن بصددها على قسمين رئيسين اولهما عن الخلفية السياسية للقرار 1373، لماذا هذا القرار؟ وثانيهما يرتبط بالطبيعة القانونية لهذا القرار، واثر هذه الطبيعة. في الخلفية السياسية، وباختصار فان الاسلوب الامريكي في معالجة قضية «الارهاب» ليس بجديد وكان قائما منذ ولاية الرئيس بيل كلينتون، وقد اعتمد تصنيفا امريكيا شبه متكامل لكافة المنظمات «الارهابية» طبعا هنا، وفقا للتعريف الامريكي ومن مراجعة اللوائح الامريكية المتتالية لهذه التنظيمات يتبين ان هناك منظمات اسلامية تقول امريكا بأنها «ارهابية» وهناك تنظيمات اخرى غير اسلامية، وعدد كبير من الدول أوت، او تؤوى هذه التنظيمات طوعا او قسرا، ومنها دول متقدمة ايضا، من اليابان حتى اسبانيا، ولكن الاسلوب الامريكي هنا استهدف بعض هذه التنظيمات بسبب احداث 11 سبتمبر، ولاسباب اخرى يجب التوقف عندها ايضا. اما الخلفية الثانية للقرار، فهي ان الولايات المتحدة الامريكية منذ بداية التسعينيات، منذ التغيب المقصود للفيتو الروسي تحديدا، بدأت تمارس سياسة ناجحة في جعل مطالبها ذات الزامية قانوية فاعلة من خلال تجسيد هذه المطالب بموجب قرارات صادرة وفقا للفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، نجح هذا العمل بدءاً بالعراق، والصومال، وهاييتي، وصولا الى دول اخرى عديدة. وبالتالي فإن المطالب الدولية الاخيرة، عوضا من ان تكون مطالب امريكية محدودة بدولة واحدة، انتقلت الى الزامية قانونية اصدرها مجلس الامن بموجب القرار 1373، مستندا الى الفصل السابع، اي انه ملزم لجميع الدول، وبالتالي فان هذا الاسلوب الامريكي، كما قلت ليس جديدا، وبدأته امريكا منذ التسعينيات. خصائص 1373 وانعكاساته ـ ما هي خصائص القرار الواضحة وانعكاساته المرتقبة؟ ـ د. الياس ابو عاصي: صحيح ان اعتداءات 11 سبتمبر «ارهابية» بكل ما للكلمة من معنى، لكن الوقت ليس للوجدانيات وللمزايدات والعكاظيات، انها ساحة الحقيقة بالنسبة الى الدول كافة، خصوصا الدول المستضعفة. لكن تلك الاعتداءات لم تكن الاولى من نوعها، ولم تكن الولايات المتحدة المتحدة الامريكية تستهدف للمرة الاولى، خارج حدودها كما حصل مرات عدة كما حصل عام1983 بالنسبة لتفجير مقر «المارينز» الامريكي في لبنان، حيث كانت الولايات المتحدة تشارك انذاك في القوات متعددة الجنسيات مع الفرنسيين وكما حصل بالنسبة الى سفاراتها ورعاياها في افريقيا وغيرها. كما انها لم تكن المرة الاولى التي تتعرض فيها امريكا داخل حدودها لاعتداءات ارهابية ويشهد على ذلك الاعتداء الذي استهدف مركز التجارة العالمي عام 1993 بشاحنة مفخخة. ولم تكن المرة الاولى كذلك التي يصدر فيها مجلس الامن قرارات تدين «الارهاب» سبق له ان فعل وسبق للجمعية العامة للامم المتحدة ان فعلت ايضا خصوصا العام 1970 في الاعلان رقم 2625 في 25 اكتوبر 1970 هذا الاعلان انشأ مبدأ جديدا يلزم كل الدول وتعهدت الاشارة الى هذا الاعلان كي لا يعلق في ذهن احد منا ان القرار 1373 الذي بني على القرار 1368 في 12 سبتمبر 2001 كان فريدا من نوعه، او انه فرض على مجلس الامن نتيجة المعطيات الدولية الجديدة. ولقد سبق لمجلس الامن ان اكد هذا المبدأ في قراره 1189 سنة 1998 واعاد تأكيده غداة الهجمات، عنيت القرار 1368 «12 سبتمبر الماضي». قرار طمس الحقائق ـ اذن القرار موجه لخدمة اهداف ومصالح الامر الذي يفترض انه اخفى الكثير وتجاوزه لبلوغ ذلك، كيف؟ ـ د. شفيق المصري: القرار 1373 مفتوح لكافة القرارات اللاحقة، اجرائية كانت او انشائية، او عقابية وكلها تستند الى الفصل السابع كما حصل بالنسبة الى العراق، طبعا، فان القرارات اللاحقة في ظاهرها قد تستند الى توصيات ترفعها اللجنة التي شكلها مجلس الامن في متن قراره بالذات، وهي التي تفيد عن مدى استجابة الدول الى مطالب القرار، او عدم استجابتها وبالتالي الى الاجراءات العقابية التي تؤخذ في مجلس الامن، من اجل ان ينفذها بحق الدول. كما ان القرار 1973 لم يحدد «الارهاب» قصدا، لكي يترك للتحديد الامريكي له ان ينتقل من خلال هذا القرار، ومن خلال القرارات الاخرى التي قد تصدر في الشكل الدولي المطلوب، وليس فقط وفقا لتحديد دولة واحدة هي امريكا، ولم يشر القرار الى «ارهاب الدولة» وهذه هي مخالفته الاخرى للقانون الدولي الذي يحظر الارهاب في شكليه: بالنسبة للافراد، وفي «ارهاب الدولة» ايضا. القانون الدولي يستثني من الارهاب «المقاومة الوطنية» في حالتين: الاولى هي تقرير المصير، ومناهضة الاستعمار، والثانية هي حالة تحرير الارض من القوة القائمة بالاحتلال اذا اصرت هذه القوة على مخالفة معاهدة جنيف الرابعة للعام 1949. لقد حاول القرار 1337 ان يطمس ذلك الوضوح بالكامل، وبالتالي فانه بناء على هذه المعطيات، ومعطيات اخرى ايضا، فاني اعتقد ان ذلك القرار اصبح نظاما امنيا دوليا. كما ان هذا القرار ملزم ايضا حتى للهيئات غير الحكومية وحتى لتلك الخارجة عن الامم المتحدة. خمس ملاحظات اساسية على القرار ـ كيف يمكن النظر للملاحظات الاساسية الابرز على القرار 1373؟ ـ د. عدنان السيد حسين: بصرف النظر عن اية عواطف انسانية او ردود الفعل تجاه الدعم الامريكي لاسرائيل فان ما وقع في ذلك اليوم المشؤوم «في الولايات المتحدة في 11 سبتمبر الماضي» مدان ومرفوض اخلاقيا ودينيا وانسانيا. لكن الرد على ذلك الفعل الارهابي الشنيع لم يتصف بالمسئولية الدولية، ولم يلتزم بقواعد الشرعية الدولية، في عالم تسيطر عليه سياسة القوة، لقد فلتت القوة من الرقابة الدولية، فعاثت قتلا وحصارا وقمعا بكل الوسائل، وغدا العالم بأسره اسير مقولة الرئيس الامريكي جورج بوش: اما ان تكونوا معنا او مع «الارهاب» وففي هذا السياق المأساوي كيف نقرأ القرار 1373؟ الواقع انه في الوقت الذي تزداد اهمية العمل العربي المشترك بعد 11 سبتمبر ويطرح الامن العربي بل الامن الدولي برمته، على بساط التفاعل العالمي تبرز الحاجة الى سياسة عربية مسئولة وجادة بعد صدور ذلك القرار، الذي رسم مرحلة جديدة، لكن ثمة ملاحظات عليه مستندة الى قواعد القانون الدولي العام وبخاصة ميثاق الامم المتحدة وهي خمس ملاحظات: 1 ـ انه لم يحدد مفهوم «الارهاب» حتى يحدد سبل مكافحته. كما ان فان القرار اعتمد عقوبات على جريمة «الارهاب» دون تحديد اركان هذه الجريمة. 2 ـ جاء في مقدمة القرار ان مجلس الامن «يعيد تأكيد الحق الراسخ للفرد او الجماعة في الدفاع عن النفس كما هو معترف به في ميثاق الامم المتحدة» مما يخول الولايات المتحدة الامريكية ان تدافع عن نفسها ضد الذين نفذوا الهجمات التدميرية في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا بيد ان الجهة التي نفذت تلك الهجمات ظلت مبهمة على الرغم ما اعلن من تصريحات واسماء اشخاص كانوا على متن الطائرات المدنية التي نفذت الهجمات. واذا افترضنا ان «تنظيم القاعدة» بزعامة اسامة بن لادن هو الذي خطط ونفذ هذه الهجمات فما هو المسوغ القانوني الذي يسمح بقصف مراكز عسكرية ومدنية في افغانستان مع ما يوقع من اصابات مدنية، وخسائر مادية في دولة عضو في الامم المتحدة؟ 3 ـ جاء في القرار المذكور: تحريم قيام رعايا الدول عمدا بتوفير الاموال وجمعها باي وسيلة بصورة مباشرة او غير مباشرة، وفي اراضيها لكي تستخدم في اعمال «ارهابية» في حالة معرفة انها سوف تستخدم في اعمال «ارهابية». لكن من يعرف مثل هذه التفاصيل؟ اذا كانت من مسئولية دولة معينة فكيف ستعرف ان الاموال التي تجمعها جماعات مقيمة على اراضيها ستستخدم في اعمال «ارهابية». 4 ـ يقرر القرار المذكور ان على جميع الدول الامتناع عن تقديم اي شكل من اشكال الدعم الصريح او الضمني، الى الكيانات والاشخاص الضالعين في الاعمال الارهابية ويشمل ذلك وضع حد لعملية تجنيد اعضاء الجماعات «الارهابية» ومنع تزويد «الارهابيين» بالسلاح لكن مرة اخرى، من يجند اعضاء الجمعيات «الارهابية» ومن يزودها بالسلاح؟ 5 ـ رغم ان القرار المذكور مهد للولايات المتحدة الامريكية تنفيذ حملة عسكرية ضد «حركة طالبان» و «تنظيم القاعدة» في افغانستان، الا انه لم يستطع تجاهل جملة قواعد آمرة موجودة في ميثاق الامم المتحدة، ومبينة في الفصل السابع منه بالتحديد. الطبيعة القانونية للقرار ـ كيف جاءت ترجمة كل ذلك في القرار نفسه مباشرة او مداورة؟ ـ د. شفيق المصري: من اجل معالجة القرار 1373 لابد من البدء في القرار 1368 لان مجلس الامن استجاب في اليوم الثاني لتفجيرات 11 سبتمبر باصدار هذا القرار 1368، وفيه اقر المجلس بحق الولايات المتحدة في الدفاع المشروع عن النفس، وطالب الدول الاخرى باتخاذ الاجراءات السريعة من اجل المساعدة في عملية الدفاع هذه. هنا طبعا، استند مجلس الامن في حيثياته الى المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة التي تجيز للدولة ان تدافع عن نفسها الا ان هذه المادة 51 تمثل شروطا، ليس للاعتراف بحق الدفاع عن النفس ولكن لممارسة هذا الحق، وذلك منعا ايضا من استغلال هذا الحق لاغراض اخرى فمن الشروط ان يكون هناك هجوم مسلح، وان تحدد «بتشديد وفتح الدال الاولى» عملية الدفاع عن النفس بحجم معقول، وفي توقيت معقول ايضا، وان يتم تبليغ مجلس الامن فور العملية، لكي لا يمنع «بضم الياء» المجلس من القيام بواجبه، وهو واجب اصيل في حفظ السلام والامن الدوليين. ـ ما الرابط بين قراري مجلس الامن 1368 و 1373؟ ـ د. شفيق المصري: تحدثت عن 1368 لان هذا القرار كان حيثيات القرار 1377 يعني هذا القرار الاخير استند الى ذلك القرار، فماذا في القرار 1368؟ قبل كل شيء فانه مستند الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، ماذا يعني هذا؟ يعني ان القرار واجب التنفيذ، وهو ذو الزام قانوني شامل، كلمة «شامل» هنا تعني جميع الدول الاعضاء في الامم المتحدة، وحتى الدول غير الاعضاء فيها. العالم امام مرحلة انتقالية ـ اين كان العالم يقف قبل القرار؟ واين اصبح بعده؟ وفي اي اتجاه تسير الرياح الاقليمية والدولية؟ ـ د. الياس ابو عاصي: بالنسبة لظروف القرار 1373 ، فانه تجدر الاشارة الى ان هذا القرار اتخذ في اطار الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة والذي يجيز اللجوء الى الوسائل العسكرية خلافاً للفصل السادس، مثلاً، الذي يدعو الى حل النزاعات بالطرق السلمية، وذلك عند نشوء تهديد للسلام او قيام عمل عدواني، معتبراً «اي مجلس الامن» ان هجمات 11 «سبتمبر» تهدد السلام والامن الدوليين، وتقع بالتالي في اطار الفصل السابع من الميثاق ذاك، علماً ان مواد هذا الفصل من 39 الى 251 تلزم الدول الاعضاء وضع قوات مسلحة في تصرف مجلس الامن وتقديم كل انواع المساعدات والتسهيلات والدعم لتنفيذ التدابير التي يقرها المجلس لحفظ السلام والامن الدوليين.هذه الخطوة الاستثنائية التي خطاها المجلس يمكن فهمها في ضوء اللحظة، التاريخية الراهنة، ومكانة الدولة المستهدفة. واسمحوا لي هنا ان الفت النظر الى الترابط بين القانون والسياسة، بين مباديء القانون التي يجسدها مجلس الامن، وبين دينامية توازن القوى والتي تفرضها اولوية الولايات المتحدة حالياً على المسرح الدولي. تلك الخطوة الاستثنائية للمجلس يمكن فهمها في ضوء اللحظة التاريخية الراهنة ومكانة الدولة المستهدفة كما قلت خصوصا ازاء تطور الاعمال «الارهابية» من الناحية النوعية. على صعيد اخر يظهر النص ارادة المجلس في جعل القرار شاملاً وفاعلاً وواضحاً يأخذ بالاعتبار تعقيد حلقات «الارهاب»، وشبكاته، وتعدد المتورطين به مباشرة او غير مباشرة، وكل ما هو على تماس، او علاقة معه، واكاد اقول على علاقة بـ «الارهاب» بالفكرة والقول او الفعل. ففي الترابط بين الظروف الدولية والاستهدافات «الارهابية» فانني لا اخال احداً يجهل دقة الظروف الدولية، وحساسيتها في المرحلة الانتقالية التي يعيشها العالم، منذ سقوط نظام القطبية الامريكية ـ السوفييتية بين 1989 و1991. بدأت في 9 نوفمبر مع سقوط حائط برلين، وانتهت في 1991 بتفكك الاتحاد السوفييتي، وهنا اشير الى انهاك الولايات المتحدة.لكن لماذا الولايات المتحدة؟ كان هناك دولتان عظميين. وهنا لا مجال للعواطف، ويجب ان نتخلى عن ضعفنا، وربما عن نقطة قوتنا الشرقية، انه بدلاً من ان نغلب العقل والتحليل الموضوعي، ننجر الى مهاترات ومزايدات من مثل قولنا: «انه لا يصير الا ان تتغلب المروءة والرجولة».مثل هذه اللغة لم تعد تنفع، وحدها لغة العقل هي المطلوبة حيال موضوعنا الذي يدخل في اطار العلاقات الدولية. اذن انهماك الولايات المتحدة الامريكية التي خرجت منتصرة على انقاض تفكك الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي، في ورشة النظام الدولي الجديد. وها هي تنشطر في كل الميادين، وفي كل الاتجاهات لتحصين موقعها وتفادي العودة بالوضع المستجد الى الوراء. فتحض كل الدول الى الانتساب الى «منظمة التجارة العالمية». وتدفع باتجاه ممارسة الديمقراطية وفرض احترام مباديء الحرية والعدالة وحقوق الانسان. وتتزعم التحالفات العسكرية في الخليج والبلقان وحيث تدعو الحاجة وتقود المبادرات لاحلال السلام والقضاء على بؤر التوتر حسب مصالحها. بكلمة هي، اي الولايات المتحدة، حاضرة في كل الساحات. مصالح جيو ـ استراتيجية ـ ما هي المصالح الامريكية الحيوية التي يمكن ان تجير القرار لصالحها حاضراً ومستقبلاً؟ ـ د. شفيق المصري: ثمة خلفية اساسية على هذا الصعيد تكمن وراء القرار 1373، وهي ان الولايات المتحدة، ومنذ منتصف التسعينيات، تسعى الى الاستجابة لحاجات جيو ـ استراتيجية، اساسية في منطقة اسيا الوسطى، فهناك فراغ احدثه غياب الاتحاد السوفييتي بدءاً من العام 1989 ومن ثم انهيار هذا الاتحاد. هذا الفراغ يمتد من اعالي اسيا الوسطى، من كازاخستان، الى جنوب القرن الافريقي الصومال واثيوبيا..، فكان لابد للولايات المتحدة من ملء هذا الفراغ، فضلا عن الثروات الهائلة في المنطقة فملء الفراغ هذا هو لحاجات جيو ـ استراتيجية قبل ان تصحو روسيا من غيبوبتها الاقتصادية، وقبل ان تمتد الذراع الصينية الى الجنوب والشرق الاسيوي بكامله فالتوقيت اذن كان قبل 11 سبتمبر، وقد كانت التفجيرات في هذا اليوم مناسبة للاسراع في توظيف ما بعد الضربة. ثم ان للدول التي قبلت بذلك القرار مصالح وهنا فانني اتحدث عن الدول الكبرى، لان القرار قرر من خلال مجلس الامن من دون اي تحفظ، ولا اي تعديل لكلمة واحدة في المطالب الامريكية. ثمة مصالح اساسية لهذه الدول صانعة القرار، او ناقضة له، وهي الدول دائمة العضوية في مجلس الامن. لروسيا مصلحة، لان ما يجري في افغانستان قد يهدد منطقة نفوذها في دول اسيوية اخرى، ولان مسألة الشيشان مرتبطة بقضية «القاعدة»، كما ان للدول الاخرى مصالح، ربما لتوظيف ذلك القرار من اجل تعديل مثلاً قوانين الهجرة، مثل بريطانيا وفرنسا. او من اجل اسكات بعض المعترضين بالنسبة للاقليم الاسلامي المتبقي في الصين، والدول الاخرى التي تشكو من معارضات سياسية قد تتخذ «ذلك» القرار عنواناً لمكافحة «الارهاب»، فيصار الى اسكات هذه المعارضات بشكل او بآخر. هذه عوامل تشكل بمجموعها في رأيي الخلفية السياسية للقرار 1373، وتجيب عن السؤال: لماذا؟ ولماذا هناك، اي في افغانستان امتداداً الى آسيا الوسطى؟