ما زالت وسائل الإعلام الإسرائيلية ماضيةً في الإشادة بنخبة من السياسيين والجنرالات والإعلاميين، الذين «ترفّعوا» عن «خلافاتهم» مع شارون وحكومته وتطوّعوا، بحسّ «وطنيّ» عالٍ، للدفاع، عن سمعة هذه الحكومة على الساحة الدولية، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، المرجعيّة السياسية والأخلاقية والركيزة الأهم في نظر جميع حكومات إسرائيل. وحين أعلن رئيس المعارضة البرلمانية يوسي سريد بلهجته الساخرة المعروفة أن حرب شارون الأخيرة ليست موجهة ضد الشعب الفلسطيني بقدر ما هي موجهة ضد بيبي نتانياهو خصم شارون اللدود على ساحة اليمين، فقد جاء رد نتانياهو بالتطوع لخدمة الإعلام الرسمي وللدفاع عن سياسة الحكومة رغم تحفظاته الكثيرة عليها. ولم تعدم حكومة شارون المروّجين لها من مواقع اليسار الإسرائيلي أيضاً، فقد تطوع الجنرال ورئيس الوزراء المتقاعد (الاحتياطي) إيهود باراك، تطوع هو الآخر لشرح وجهة النظر الاسرائيلية الرسمية وللدفاع عنها أمام الرأي العام الأمريكي والعالمي. وتطوع للمهمة نفسها زلمان شوفال (من اليمين) وبني كوهن (من اليسار) والذي كان مستشاراً إعلامياً لرئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين ومن الملفت للنظر أن جميع المتطوعين في هذا الميدان يعلنون أن دافعهم الوحيد هو الحسّ الوطني والمسئولية القومية والتوجه الرسمي، بينما يعلم الجميع أن لهؤلاء أهدافاً شخصية جداً، وليس «الحس الوطني» هذا سوى سُلم يسخّرونه لصعودهم القادم ـ حسب رغباتهم ـ إلى مواقع المسئولية من جديد، وفي مقدمتها موقع رئاسة الحكومة، عند نتانياهو وباراك، على الأقل ولكل هؤلاء نقول إن مشكلة إسرائيل الحقيقية ليست مشكلة إعلام وترويج، إنها مشكلة نهج وفكر ومشروع، ومهما تكن لديهم من قدرات حوارية وملكات تعبويّة، فسيظل مناسباً لهم ومنطبقاً عليهم المثل الشعبي القديم «وشو بتعمل الماشطة بالشعر العِفِش؟».. والنهج «العِفِش»، والفكر «العِفِش» والمشروع «العِفِش» الذي يهيمن على الحياة السياسية الاسرائيلية، لا تستطيع أية «ماشطة» تزويقها وتجميلها في عيون العالم الذي يرى بوضوح تام ما يجري في المناطق الفلسطينية مكررَة الاحتلال لا سيما في جنين وفي رام الله وبيت لحم والخليل ونابلس ودير البلح وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين المشرّدين من ديارهم ومن منازلهم وأكواخ صفيحهم وخيامهم لأكثر من مرة وعلى أيدي المؤسسات الاسرائيلية الحاكمة في تعاقب فاجع وفظيع لا. ليست المسألة مسألة شطارة في الإعلام والدعاية، فوسائل الإعلام الإلكترونية أصبحت في متناول الجميع، والحقائق الميدانية غدت سريعة البلوغ وبالبثّ المباشر، ولن تقوى الفهلوات الكلامية والحذلقات الانشائية على طمس الحقائق الصارخة بالدم والدمار والهلاك، وبأعتى وسائل القتل والهدم والتخريب وعلى سبيل المثال، فقد اقترحت جهة إسرائيلية تقديم «أوسمة التقدير» لسائقي الجرّافات العسكرية التي أبلت شرّ البلاء في جنين ونابلس وسواهما، فبماذا يستطيع دهاقنة الكلام تبرير هذه الدعوة الاستفزازية الوقحة؟ وكيف يفسّرون للعالم هذا الاعتزاز المشين بآلات التدمير والتخريب والقتل والتشريد؟ ومرة أخرى نقولها صريحة واضحة: لا، ليست المشكلة في الإعلام.. المشكلة في الواقع.. وما لم يتغير هذا الواقع البشع فلن ينقذ أحد صورة إسرائيل من بشاعتها الصارخة