منذ فترة ليست طويلة، قام الامين العام لجامعة الدول العربية، عمرو موسى بزيارة الى بغداد، حيث تحدث مع الرئيس صدام حسين، عن شئون العراق والجامعة ووضع العراق مع الاسرة الدولية وعن افرازات الغزو، ثم جاء الى الكويت يحمل مقترحين، كحصيلة لزيارته الى بغداد، الاول رغبة العراق بالعودة الى صيغة عمان حول الحالة الكويتية ـ العراقية، التي رفضها العراق خلال قمة عمان في العام الماضي، والثاني، مقترح عراقي بتشكيل لجنة عربية تبحث عن الاسرى الكويتيين وغيرهم من مواطني الدول الاخرى. كنت من الذين استمعوا الى حديث عمرو موسى مع الشيخ صباح الاحمد الجابر، نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية، ولم اجد في حصيلة زيارة الامين العام بغداد ما يثيرني.. فالحديث عن لجنة عربية والتي تبحث عن الاسرى ليس بجديد ولم تقبله الكويت، لانه غير عملي، ولانه يخرج الشأن الكويتي ـ العراقي من مجلس الامن، ولم يفز الامين العام بما توقعه من زيارته الى الكويت، لكننا تابعنا اهتمامات الامين العام بالموضوع، مع التقدير لجهوده ولحرصه على مصلحة الجامعة العربية، وهو محق في تعظيم دور الجامعة في العلاقات العربية. في مساء الجمعة الماضي، الثالث من مايو الجاري اعلن الامين العام لجامعة الدول العربية بأن وزير خارجية العراق ناجي صبري الحديني ابلغه رسميا استعداد بغداد لاعادة ما بحوزتها من وثائق كويتية رسمية وارشيف وطني كويتي، مشيرا الى ان الخارجية العراقية تنسق مع بقية الوزارات لتجميع الوثائق والارشيف حتى تتم اعادتها بالكامل. واعلن الوزير العراقي بأنه ناقش هذه المسألة مع كوفي عنان، وان العراق يبحث عن آلية لتسليم طنين من الوثائق الكويتية الرسمية والارشيف الوطني الكويتي. ويضيف عمرو موسى، بأنه نقل هذا التطور المهم الذي يعتبر تنفيذا لاتفاق الحالة الذي ابرم في قمة بيروت الى النائب الاول لرئيس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ صباح الاحمد وكذلك السكرتير العام للامم المتحدة، وان الاخيرين رحبا بهذه الخطوة. واستطرد الامين العام للجامعة الى ان بغداد طلبت من الجامعة تأمين اعادة الوثائق والارشيف الى الكويت الشقيقة، وان الامم المتحدة ستعمل على الآلية التي ستعتمدها الجامعة العربية للقيام بمهمة تسليم الارشيف والوثائق. وقد نقلت صحيفة «الشرق الاوسط» في عددها الصادر السبت الرابع من مايو الجاري تصريحا لمصدر كويتي مسئول، تعليقا على تصريحات الامين العام لجامعة الدول العربية، حدد فيه موقف الكويت، بأن اي معالجة للقضايا العالقة بين الكويت والعراق يتعين ان تتم وفقا لقرارات مجلس الامن الدولي، والامم المتحدة، سواء باعادة الممتلكات او اطلاق سراح المرتهنين، واكد المصدر الكويتي بأن الكويت ثمنت خطوة موسى ودعت الى تنفيذ حقيقي لقرارات مجلس الامن الدولي، وان الكويت تقدر ما صدر عن قمة بيروت الاخيرة من حث العراق بأن تكون القرارات الدولية هي المرجعية لاي تفاهم او تصحيح للأخطاء، وانه من الطبيعي ان تتسلم الكويت الوثائق عن طريق الامم المتحدة وفقا لما نصت عليه القرارات الدولية التي لانريد تجاوزها ضمانا لسلامة التطبيق. بعد هذا العرض حول تطورات الارشيف الوطني الكويتي، بودي ان ابدي الملاحظات التالية، وهي معبرة عن موقف شعبي كويتي واضح، ومتفقا تماما مع الموقف الرسمي الذي حدده المسئول الكويتي: اولا: مضت اثنتا عشرة سنة على نهب العراق للأرشيف الوطني الكويتي، لم يفكر العراق خلالها باعادة هذا الارشيف، ولم يعترف بأهميته، ومن الطبيعي ان يتساءل الكويتيون عن مسببات النخوة التي اظهرها الوزير العراقي تجاه الارشيف الكويتي، وتزامن روح النخوة مع المفاوضات الجارية حاليا بين العراق والسكرتير العام للامم المتحدة، حيث يريد العراق ان يشعر المنظمة الدولية بحسن نواياه، ورغبته في الوفاء بما تطلبه من قرارات مجلس الامن. كما تزامن مع الاستعراض الامريكي لبحث الخيارات المتاحة للتعامل مع الحالة العراقية، واحتمالات استعمال القوة لتحقيق اهداف سياسية امر وارد، يسعى العراق لتعطيله بتبني صورة مليحة وبناءة امام الرأي العام العالمي، كما يسعى الى تحقيق موقف عربي مؤازر يدعمه معنويا وسياسيا للتأثير على القرار الامريكي، وهو ما حدث في قمة بيروت، واعتبار التوجه بعودة الارشيف اجراء تنفيذيا لسياسة التهدئة والصد التي يتبناها العراق حاليا. ثانيا: ترى الكويت بأن شبكة القرارات التي اصدرها مجلس الامن تحت الفصل السابع. بشأن الحالة بين الكويت والعراق، «وصل عدد هذه القرارات الى اكثر من خمسين قرارا»، هي التي تنظم شئون الحالة بين الكويت والعراق، وان المسئولية العراقية تقع في التزامات العراق لتنفيذ هذه القرارات التي وضعت عليه عقابا لغزوه دولة الكويت، وتزال عنه عندما يتم التنفيذ النهائي لبنودها. وقد تعامل مجلس الامن منذ اللحظات الاولى بفاعلية مع الغزو العراقي توج بالقرار 678 الذي فوض الاسرة الدولية باللجوء الى القوة لانهاء الغزو، وبالقرار رقم 687 الذي يوضح شروط وقف اطلاق النار. وظل العراق منذ ابريل 1991، عندما قبل القرار المذكور الذي يحدد المطلوب من بغداد، مترددا في تنفيذ بنود القرار تحت عدة ذرائع، الى ان ايقن بأنه لايوجد سبيل الا التنفيذ الكامل من اجل رفع العقوبات. وقد بدأ مؤخرا في التعامل الجدي مع السكرتير العام للامم المتحدة حول خريطة المستقبل الذي تؤدي إلى رفع العقوبات. ثالثاً: ترى الكويت بأن دور الجامعة العربية، وبالذات الأمين العام، ودور اجتماعاتها وأجهزتها، هي مساعدة العراق في رفع العقوبات عنه، وذلك بتوضيح تبعات التحدي، واسداء النصح بأن طريق التعاون مع الأمم المتحدة هو السبيل الوحيد لرفع المعاناة عن شعب العراق. ولا يمكن للجامعة العربية ان تكون بديلاً عن مجلس الأمن ولا عن آلياته، وهي لا تملك لا المرجعية القانونية ولا السلطة المعنوية العالمية للنهوض بأعباء هي من صلاحيات مجلس الأمن. وقد سبق ان قامت الأمم المتحدة باستعادة الكثير من الممتلكات الكويتية عن طريق المفوض السابق المستر فوران الكندي المتقاعد، الذي اشرف على اعادة ممتلكات البنك المركزي والمتحف ومنهوبات كثيرة ثمينة. ويعرف العراق هذا الواقع، ولكنه اراد ان يكسر القاعدة ويتجاوز الآليات المتفق عليها، باللجوء إلى الجامعة العربية، كبداية لاخراج الموضوع من بطن مجلس الأمن. رابعاً: اخذ التعامل مع الشأن الكويتي ـ العراقي الشرعية الدولية سواء عن طريق قرارات مجلس الأمن، او قرارات الجمعية العامة ولجانها المختلفة، وصارت الجهود الاقليمية والتجمعات المهنية السياسية رديفاً لدعم الشرعية الدولية ومواقفها، وليست خارجة عنها أو متعارضة معها، ومن المناسب الاشارة إلى ان قرار القمة العربية في العاشر من اغسطس 1990، يرتكز على الشرعية الدولية وتضمن اشارات واضحة إلى قرارات مجلس الأمن، وقد اكد المصدر الكويتي المسئول بأن الكويت تتوقع ان تتسلم الوثائق عن طريق الأمم المتحدة وفقاً لما نصت عليه القرارات الدولية التي لا تريد الكويت تجاوزها، ضماناً لسلامة التطبيق، مضيفاً بأن قمة بيروت أكدت بأن تكون القرارات الدولية هي المرجعية لأي تفاهم أو تصحيح للخطأ. خامساً: لا يمكن سحب الحالة بين الكويت والعراق بكل تعقيداتها والتزاماتها وتعاقديتها إلى اجواء الجامعة العربية، التي لا تملك المرجعية القانونية، ولا الآليات الطبيعية التي تبنتها الأمم المتحدة، وليس بمقدورها ممارسة فرص الامتثال للقرارات الدولية، ولا توفر لها مسلكياتها الثقل المعنوي الذي يجبر العراق على القيام بما هو مطلوب منه، وكل ما تملكه هو حسن النوايا تجاه فض المنازعات، في الوقت الذي تتعامل الأسرة العالمية مع الحالة العراقية ـ الكويتية عبر التزامات وقيود وعقود. سادساً: ليس من المنتظر قبول الكويت ان تتولى الجامعة التعامل مع قضايا امنية وسياسية واجتماعية خلفها الغزو، وتحمل مسئوليتها مجلس الأمن الدولي، مثل الاسرى والممتلكات والتعويضات والنوايا السلمية، والاطماع المدفونة، وقد رأينا كيفية تعامل الجامعة مع الغزو يوم العاشر من أغسطس، عشر دول عربية رفضت، وامتنعت أو غابت من اكبر مصيبة حلت في العرب، وتلاعبت الوفود بالشأن الكويتي وبالمأساة باستخفاف، وبانعدام الحس المسئول، ولو تركنا الشأن الكويتي إلى الجامعة العربية لصار الغزو امرا واقعا تسكت عليه اجهزة الجامعة. سابعاً: شعوري بأن العراق يمارس سياسة جس النبض في موضوع الارشيف، فاذا وجد تجاوباً مع الاطراف المعنية وهي الأمم المتحدة والكويت، فسيعيد الكرة بموضوع اكبر من الارشيف وربما تتسع شهيته نحو طرح الاسرى على كشوفات الجامعة العربية. ومن المناسب ان يكون لدى الجامعة تقييم حقيقي عن مواقف الدول وقناعاتها بالدور المطلوب من الجامعة العربية، وهو الدور التنسيقي في السياسة، والتعاوني في الاقتصاد، والترابطي في الثقافة والاعلام، وليس هناك دور تنتزعه الجامعة في الشأن الامني والاستراتيجي، وهي من المسئوليات السيادية. الجامعة العربية مؤسسة حكومات عربية تساعد في التعامل والتنسيق والتقريب. وأخيراً فان الأمين العام للجامعة عمرو موسى عارف بالمداخلات الدولية بالشأن الكويتي ـ العراقي، وعارف بأن الاستراتيجية الكويتية هي ابقاؤها في المنزل الدولي، وداخل مجلس الأمن، ومن صميم هموم السكرتير العام للأمم المتحدة، ولا توجد توجهات لاعادة النظرة في هذه الاستراتيجية المثمرة والمطمأنة للشعب الكويتي. ولابد لي ان اشير إلى تصريح الشيخ صباح الاحمد الجابر، النائب الأول وزير الخارجية، كما نقلته صحيفة «القبس»، في صباح الاحد الخامس من مايو الجاري، حيث يقول بأن اعادة الممتلكات الكويتية من العراق هي من اختصاص الأمم المتحدة، ولكن اذا كلفت الأمم المتحدة جامعة الدول العربية باعداد آلية اعادة هذه الممتلكات فهذا شيء اخر، وتضيف الصحيفة بأن المشاورات مازالت قائمة مع الأمم المتحدة لاعداد الآلية المناسبة لاعادة الممتلكات، ودعا عمرو موسى إلى ضرورة تقييم هذه الخطوة ضمن اطار تنفيذ قرارات قمة بيروت والحفاظ على الروح الطيبة التي سادت القمة. ويبقى الشأن الكويتي معززاً بالتزامات تعاقدية لا تراخي في متابعتها من قبل مجلس الأمن، وهو أهم كثيراً من روح عابرة تتسيد احد الاجتماعات العربية.