بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وفقدان عصبة الأمم قدرتها على القيام بدورها المطلوب منها، تم إنشاء الأمم المتحدة لتكون منظمة عالمية دولية تجمع كافة دول العالم ذات السيادة، ووضعت أهدافها من خلال ميثاقها الخاص بها الذي يلزم اعضاءها باحترام الشرعية الدولية والحفاظ على الحقوق المشروعة للشعوب للتحرر والاستقلال، وحمايتها من الاستعمار وبطش الدول الكبرى. لقد قامت الأمم المتحدة منذ إنشائها بدورها الإيجابي في تحقيق أهدافها، بالرغم من بعض السلبيات وأهمها السلبية التي أعطيت للدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن وهو أحد الأركان الرئيسية للأمم المتحدة، بمنح أي دولة من هذه الدول الخمس حق النقض الفيتو على أي قرار يصدره المجلس لا يعجب هذه الدولة، وهذا الحق يلغي القرار حتى لو وافقت عليه أربع عشرة دولة من أعضاء المجلس الخمسة عشر. وبعد أن أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة العظمى الوحيدة في العالم نتيجة انهيار الاتحاد السوفييتي في أواخر الثمانينيات، بدأت الأمم المتحدة تفقد تدريجيًا حريتها واحترامها لميثاقها، إلى أن أصبحت أداة في يد الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح منصب السكرتير العام للأمم المتحدة لا ينتخب إلا لمن يقدم الولاء والطاعة للإدارة الأمريكية. لقد بدا هذا واضحًا منذ بداية التسعينيات، وظل يتكرس طيلة هذه السنوات إلى أن أصبح الموقف الرسمي للأمم المتحدة حاليًا هو نفس موقف الإدارة الأمريكية، وأصبح السكرتير العام للأمم المتحدة لا يدلي بأي تصريحات ولا يحدد أي مواقف رسمية لا تتناغم مع الموقف الأمريكي الرسمي ولا يخجل من ذلك، وأصبحت الأمم المتحدة غطاء لإعطاء الشرعية لتنفيذ الاملاءات الأمريكية على كافة دول وشعوب العالم. لقد أصبحت الأمم المتحدة تحدد موقفها تجاه أي دولة من دول العالم أو أي منظمة أو أي جهة طبقًا لموقف واشنطن منها، فَمنْ تتعامل الإدارة الأمريكية معها بحزم وقوة، يُصبح هذا تلقائيًا هو موقف الأمم المتحدة منها حتى ولو كانت هذه الدولة أو المنظمة أو الجهة على حق طبقًا للشرعية الدولية، ومن تتعامل معها الإدارة الأمريكية بالرضا والتفهم والدلال والدعم المطلق والتغاضي عن أخطائها الجسيمة، يصبح هذا تلقائيًا هو موقف الأمم المتحدة حتى ولو كانت هذه الدولة أو المنظمة أو الجهة على باطل وترتكب العنف والإرهاب والقتل، وهذا ما جعل الأمم المتحدة تكيل الأمور بمكيالين حسب كيل السياسة الأمريكية. وللأمثلة على ذلك نرى موقف الأمم المتحدة تجاه العراق عندما قام باحتلال الكويت، مع العلم ان ماقام به العراق كان بتحريض امريكي، بهدف تحقيق المآرب الأمريكية في منطقة الخليج في السيطرة على منابع البترول وابتزاز دول الخليج في الحصول على أموالها بحجة حمايتها من العراق. لقد استصدرت الولايات المتحدة الأمريكية عدة قرارات من الأمم المتحدة تخضع للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ضد العراق، الذي يعطي الحق للأمم المتحدة باستخدام القوة العسكرية لتنفيذ قراراتها، وبالرغم من تنفيذ هذه القرارات من خلال التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة لتنفيذ هذه القرارات، وتم ضرب العراق وتدمير كافة منشآته المدنية والعسكرية، والتزم العراق بعد ذلك بتنفيذ جميع قرارات الأمم المتحدة، وفقد قوته العسكرية بالكامل، إلا أن الإدارة الأمريكية ما زالت حتى الآن تجبر الأمم المتحدة على فرض الحصار على الشعب العراقي، وتضرب العراق بالطائرات والصواريخ كلما رغبت في ذلك. وحدث نفس الشيء مع يوغوسلافيا عند حماية شعب كوسوفو، وقامت قوات حلف الناتو بقرار من الأمم المتحدة بضربها وتدمير قوتها العسكرية واعتقال رئيس دولتها وتقديمه لمحكمة العدل الدولية في لاهاي. وفعلت الإدارة الأمريكية نفس الشيء مع أفغانستان بحجة محاربة الإرهاب بقرار من الأمم المتحدة، وكلنا نعرف ماذا حدث في أفغانستان ومازال يحدث حتى الآن. وفي المقابل تصدر الأمم المتحدة القرارات الخجولة والضعيفة لمساندة الشعب الفلسطيني وحقه في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي طبقًا للفصل السادس وليس السابع من ميثاق الأمم المتحدة، هذا الفصل الذي لا يعطي الأمم المتحدة الحق في استخدام القوة العسكرية لتنفيذ قراراتها، إضافة إلى استخدام الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض الفيتو ضد أي قرار يدين إسرائيل وينتقدها على ما تقوم به من أعمال عنف وقتل ضد الشعب الفلسطيني. حتى عندما أصدر مجلس الأمن قرارًا ضعيفًا بتشكيل لجنة تقصى حقائق وبموافقة الإدارة الأمريكية، (وليس لجنة تحقيق) على المجازر التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في مخيم جنين، فإن إسرائيل ترفض وتماطل وتضع الشروط لعمل اللجنة، وتجد آذانًا صاغية من الأمم المتحدة، وتقبل بالشروط الإسرائيلية في التأجيل وفي سير عمل اللجنة. وبالرغم من النضال المشروع للشعب الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة طبقًا لقرارات الأمم المتحدة، فإن الأمم المتحدة وسكرتيرها العام لم يخجلوا في مساواة مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال والنضال المشروع حسب مواثيق وقرارات الأمم المتحدة بالمجازر الواضحة للعيان التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني والتي لا تحتاج إلى لجنة تقصي حقائق وغيره مثلما حدث في مخيم جنين ونابلس وباقي المناطق الفلسطينية من رفح وحتى جنين. إن هذا يؤكد أن الأمم المتحدة فقدت شرعيتها الدولية، وأصبحت غطاء لتمرير الاملاءات الأمريكية وإعطائها الشرعية الدولية حسب الكيل الذي تريده الإدارة الأمريكية. من هنا فإنه أصبح واضحًا أن الأمم المتحدة وصلت إلى مرحلة العجز التام مثل الحالة التي وصلت إليها عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا يتطلب وقوف العالم أجمع وقفة تحد كبيرة لإصلاح حال الأمم المتحدة، حتى لا نصبح في عالم الغاب تسيره الولايات المتحدة الأمريكية، مما سيؤدي إلى زيادة العنف والإرهاب الدولي في كافة أرجاء العالم، لأن شدة الضغط وفقدان العدل يولد الانفجار. ـ عضو المجلس الوطني الفلسطيني