لقد أصبحت تفاصيل صفقة رفع الحصار عن مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات واضحة، ولا أحد يستطيع أن يتكهن بأية مفاجآت، والمفاجأة ممكنة في كل لحظة. أية عملية عسكرية، (وخاصة ضد المدنيين في شوارع المدن) قبل أن يصل المتهمون الستة لأريحا ـ الوادعة بعيداً عن صخب الرصاص ـ أو أي مكان آخر، قد تنسف كل شيء، كما نسفت في الماضي الكثير من الآفاق التي كانت مفتوحة، ولو مواربة، من خلال الزيارات والوساطات والمهمات المستعجلة. قلت لمن أراد معرفة تحليلي لما حدث. إنه إنتصار معنوي للرئيس الفلسطيني الذي خرج من تحت الرماد، مثل طائر الفينيق الأسطوري، كان يكثر من الحديث في هذا المثل وكنت أرى الأمر مبالغة مثل كل مبالغات وتفاؤلات أبو عمار حتى في أحلك الظروف وأكثرها سوداوية، وكاتب هذه السطور شاهد على العديد من المواقف. كان شارون يقسم بأغلظ الأيمان، صباح مساء، وأينما ذهب، أن تسليمه قتلة صديق عمره رحبعام زئيفي موضوع لا يحتمل أية مساومة. وقد هّدد بحل الحكومة والذهاب لإنتخابات مبكرة من أجل هذا الموضوع. قال ذلك صراحة لشيمون بيريز ودان مريدور وبن أليعازر حين حاولوا تليين موقفه في هذا الموضوع. ويقول كولن باول إن العجوز شارون إنتفض أثناء محادثاته معه حين لمس موضوع « قاتلي الوزيرـ زميله في التطرف». مازال مسكوناً بنداء نجل القتيل حين خاطب شارون في مراسيم دفن والده: تصرف يا شارون مثلما كان والدي سيتصرف لو كنت أنت القتيل». ماذا نرى الآن؟ المحكومون الأربعة سيقضون محكوميتهم في سجن فلسطيني وتحت السيادة الفلسطينية بحراسة أمنية بريطانية أمريكية وتلك بداية التدخل الدولي لمن يريدون التعمق في المسألة، وهذا ما تقول به، بالمناسبة، الصحف الإسرائيلية ذاتها. الموقوفان الآخران سيخضعان لمحاكمة فلسطينية وحسب القوانين الفلسطينية. كانت خطط إجتياح المقاطعة جاهزة وفي لحظات عديدة كانت تنتظر الإشارة، وقال شارون لموفاز دون أن ينتبه الإثنان لوجود ميكروفونات مفتوحة أمامهما: كُنْ حذراً وقُمْ بتخدير الجميع بمن في ذلك عرفات. يرد موفاز أن الفرصة سانحة للتخلص منه (وقد لا تتكرر) ولهذا يجب التصرف بحذر ولكن بحزم. في نهاية الأمر تم ممارسة ضغط أمريكي حقيقي وذلك يوضح أن إدارة بوش قادرة على إحداث تغيير حقيقي في موقف، حتى أعتى الحكومات الإسرائيلية تطرفاً، حين تُصمم على ذلك. في نقاشات الساعات السّت الصاخبة في مجلس الوزراء الإسرائيلي تحدث معهم جورج بوش وكولن باول وكونداليزا رايس التي كانت رسالتها حادة جداً، حسب المصادر الإسرائيلية، مما يعني أنها بدأت بحسم تردّدها جزئياً حين تعرفت للحقائق ولطبيعة المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، الأضخم من توقعاتها النظرية ولهذا آن الأوان للمعلقين السياسيين العرب أن يتابعوا المتغيرات في المواقف بحذر شديد، دون مبالغة في التفاؤل أو تفريط في التشاؤم وأن يقتنعوا بأن الثابت الوحيد في هذا العالم هو «التغير». ما حدث أمامنا أن «المعتدلين العرب» وفي المقدمة منهم المملكة العربية السعودية أقنعوا الإدارة الأمريكية، ولو جزئياً، بأنهم لا يستطيعون الصمود طويلاً في مواجهة الغضب الشعبي العربي الهائل على الإنحياز الأمريكي السافر لأكثر حكومة متطرفة في إسرائيل وأن الشرق الأوسط غير مستقر إجتماعياً وإقتصادياً ومؤسساتياً ولهذا قد يتعرض لتغيرات عنيفة مفاجئة ودون توقع ولإنفجارات غير محسوبة تطيح بالأخضر واليابس، كما يقولون في بلادنا. مازال الشد والجذب في أوساط صانعي القرار في الإدارة الأمريكية قائماً بين الخارجية ورجالاتها المتحلقين حول كولن باول، وبين صقور وزارة الدفاع وفي المقدمة الوزير رامسفيلد ومساعده الأكثر تشدداً بول وولفيتز، وحيث أصبح لوزارة الدفاع، لأول مرة، وزن كبير في تحديد سياسات الشرق الأوسط نظراً لتداعيات حرب الخليج الثانية ولإحتمالات شن حرب ضد العراق، وللفصول القادمة من حملة «محاربة الإرهاب» التي سيقع تنفيذها على عاتق العسكر. وفي مجلس الأمن القومي مازالت الأمور غير محسومة ولكن مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس تتقدم ببطء نحو «التوازن»، والبطء ناتج عن عدم معرفتها بالشرق الأوسط في الماضي، ولأن مسئول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي زلمان زاي طارئ هو الآخر على مهمته، ولا يشبه، من قريب أو من بعيد، وليم قوانت الذي كان ذات يوم مسئولاً للشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي وكان له تأثير كبير على صناعة القرار. لماذا تقيم قوى المعارضة الفلسطينية الضجة على هذا الإتفاق وهي تعرف أن خيارين فقط كانا متاحين: دخول المقاطعة وقتلهم، أو دخول المقاطعة وإعتقالهم (بعد تخديرهم). وهل ينسى هؤلاء الاخوة أن عرفات دفع كل هذا الثمن الباهظ، بسبب أخطائهم وتصرف بإعتباره أباً للجميع.