يقول الله تعالى «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين» عدم النزاع والاعتصام بحبل الله دون تفرق لا يعني الا تكون هناك اراء متعددة واجتهادات مختلفة ـ كما يحلو لبعض السلطويين والشموليين تفسير ذلك ـ وانما يعني الا ينتهي الخلاف في الرأي الى نزاع، وصراع، وعصبية وتمزق، ونحن الى اليوم ـ وللأسف الشديد ـ لم نتعلم كيف ندير خلافاتنا سواء على المستوى القطري او المستوى القومي، او المستوى الدولي، وضعنا تعاليم الاسلام وراء ظهورنا وعدنا الى العصبية الجاهلية لكن تحت يافطات اسلامية او قومية او وطنية، وحجبنا بدوية الجاهلية المتخلفة بأجمل ما انتجته حضارة العصر من ثياب. خضنا في اليمن حربا متخلفة عام 1994 لا شيء الا للرغبة بالانفراد بالحكم والضيق الشديد بالشراكة وتبددت امكانيات اليمن وسمعته وتلاحم مجتمعه ودمر جيشه الى الحد الذي احتلت فيه جزره وعجز عن رد العدوان عليها، وادرنا في الخليج حربين دمرت امكانيات الامة العربية والاسلامية ومزقت لحمتها وتضامنها وفتحت الباب على مصراعيه لانتهاك سيادتها واحتلال اراضيها والهيمنة على ثرواتها ولو كان للشعوب ارادة وللديمقراطية مكان لما كان ما كان وحرم التيار الاسلامي في مصر من حقه في التنظيم والعمل السياسي المشروع، فدخلت مصر في صراعات مريرة اضعفت من هيبتها واثرت كثيرا على الاستقرار والتنمية ومواجهة التحديات الخارجية وها هي الجزائر تعيش محنة دامية لان دبابة العسكر حطمت صندوق الانتخابات وداست على اصوات المواطنين التي منحتها لجبهة الانقاذ ولم تكن سوريا او السودان او المغرب او الاردن او دول الجزيرة والخليج بأحسن من غيرها في مواقفها من الرأي الاخر، سواء اذا كان هذا على مستوى المجتمع والحكومات فان مايحدث على مستوى المجتمع وفئاته المتعددة لا يقل سوءا ان لم يكن اكثر خطورة فحين تتمزق المجتمعات وتتناحر الفئات تبدد الامكانيات وتمزق الطاقات، وتتعثر التنمية ويتآكل المجتمع مما يسهل على القوى الخارجية اختراقه، وانهاكه، والعبث به ولن تستعيد المجتمعات عافيتها الاباستعادة لحمتها وتماسكها في ظل حوار حر ومفتوح واحترام كامل للرأي الاخر واستعداد للتعاون فيما يتفق عليه والاعذار فيما لايزال مختلفا فيه، ومن هذا المنطلق جاءت فكرة المؤتمر القومي ـ الاسلامي الذي يضم في عضويته التيار القومي العربي بكل اطيافه، الاشتراكية والليبرالية والمسيحية العربية الى جانب الاحزاب القومية المعروفة كالبعثيين والناصريين، ويضم من ناحية اخرى التيار الاسلامي العربي بكل تجنحاته ومذاهبه، ورغم وجود قيادات بارزة لبعض التنظيمات الحزبية الا ان عضوية المؤتمر ـ كما ينص نظامه ـ شخصية والعضو مدعو لذاته بصرف النظر عن الدور الذي يقوم به داخل حزبه، وهناك عدد من الاعضاء مستقلون لا ينتمون الى اي تنظيم لكن لهم رؤى تنسجم مع اهداف المؤتمر وتطلعاته، وقد انبثقت فكرة المؤتمر خلال ندوة اقامها مركز دراسات الوحدة العربية حول الحوار القومي الديني، وقد تبنى الفكرة المؤتمر القومي العربي الثالث عام 1992، ومن خلال مشاورات وحوارات استمرت شهورا تشكلت لجنة تحضيرية من قيادات التيارين تولت الاعداد للمؤتمر التأسيسي الذي انعقد في بيروت في شهر جماد الاول من عام 1415 هـ الموافق الاول من اكتوبر 1994 كان قبول التيارين باللقاء في حد ذاته خطوة متقدمة وكان الوصول الى كلمة سواء حلم فاق تصورات المنظمين، وكان السؤال المنطقي المطروح هو لماذا التياران مختلفان ومتصارعان وجميعهما في الشارع يعانيان من ظلم وتعنت الانظمة الحاكمة بعد ان سلطت كلا منهما على الاخر فما ضرب تيار من قبل النظام الا وكان في طليعة اعوانه التيار الاخر، وما انتهى النظام من تيار الا وعاد لضرب التيار الاخر نصيره بالامس، شنشنة مارستها الانظمة ومارستها التيارات من المحيط الهادر الى الخليج الثائر، يستعين النظام بالثور الاسود لذبح الثور الابيض ثم يجوع فيعود ليأكل الثور الاسود ولو تذكروا سنة الله في الواقع والتزموا بها ما حدث لهم ماحدث «فلولا دفع الله الناس لبعضهم ببعض لفسدت الارض» ولعل الذين اعانوا الصهيونية الامريكية على انهيار الاتحاد السوفييتي يدركون اليوم خطأهم ولكن بعد فوات الأوان. على كل ان من المفيد جدا ان نستعرض في الحلقة او الحلقات القادمة تجربة التيارين من خلال مؤتمرهما القومي الاسلامي وبشكل خاص والمؤتمر يستعد لعقد دورته الرابعة في الاسبوع الاول من الشهر المقبل وفي احضان البلد العربي الوحيد الذي قبل ان يفتح صدره للمؤتمر القومي ـ الاسلامي بعد ان تبرأت منه كل الساحات العربية وكأنه مرض معد كفى الله المؤمنين شره.