فجأة أفاقت فرنسا على ما أسماه البعض بالكارثة السياسية والمفاجأة التي صدمت الشارع الفرنسي والاوروبي معا، واكتشفت انها اضحت في مواجهة خطر كبير تمثله «الجبهة الوطنية» المتطرفة التي يتزعمها جان ماري لوبن. وعلى مقربة من الشارع الفرنسي وقف الاوروبيون متوجسين امام مرحلة خطيرة ان نجحت في فرنسا قوى اليمين المتطرف وهو امر لا يمكن ان يسمح به الاشتراكيون الجدد. حالة المواجهة الحادة هذه طرحت اسئلة كثيرة عن نتائج السياسة الاوروبية الجديدة التي تمثلت باليمين التقليدي او الاشتراكية الجديدة بعد ان اخذت مكانها في العقد الماضي. ورغم ان اوروبا لن تسمح لليمين المتطرف ان يهزم سياساته الجديدة، الا انه يمكن القول ان دول اوروبا تمر بأعقد ازمة سياسية في تاريخها بعد ان خرج اليمين المتطرف من موقعته وبقوة وبات صوته يهز اركان «امبراطورية اوروبا» الجديدة، فكيف تصاعدت هذه الازمة ومنذ متى ولماذا؟ قبل الدخول في ازمة اوروبا السياسية الجديدة ينبغي النظر لما حققته من منعطف سياسي مهم اثر انتهاء الحرب الباردة وانتهاجها طريقا جديدا اخذ توسطه بين الرأسمالية والاشتراكية. والواقع ان الخبراء يرون ان النهج السياسي الاوروبي منذ انتهاء الحرب الباردة افرز اخفاقات سياسية جديدة رغم انه جعل الاتحاد الاوروبي يتقدم خطوات للامام. ويمكن ملاحظة ذلك التحول او تلك الافرازات في علاقة اوروبا بالولايات المتحدة وبدول العالم والذي بدا كأنه نتيجة او كرد فعل للعولمة واقتصاد السوق والاستراتيجية الامريكية بعد انتهاء الحرب الباردة، والذي اثر بشكل واضح على عملية الانتخاب فتراجع الناخب الاوروبي. كان رد الفعل ذاك مساقا تدريجيا لما بدا كأنه تغيير مفاجيء في السياسات الاوروبية، والتي مثلها اكتساح الاحزاب الاشتراكية السلطة في اوروبا بعد اواسط التسعينيات وما تلاها. شكل ذلك توجها انحرف باليسار المتزمت او الاشتراكي نحو يمينه مقتربا من اليمين التقليدي، بل ومثله في البعض مثلما حدث في فرنسا، وبتعبير ادق الرأسمالي، ومع صعود ليونيل جوسبان الفرنسي اليساري وجيرهارد شرويدر الالماني اليساري وتوني بلير العمالي البريطاني، تأكد ان عام 1997 كان بداية انتقال اليسار الاشتراكي الغربي الى مرحلة جديدة فرضتها الحقبة الزمنية الاخيرة بتفاعلاتها التي غيرت خارطة العالم السياسية. لم يكن سهلا ان ينزع الاشتراكيون الغربيون جلدهم الذين اختبأوا تحته منذ بداية القرن، على الاقل بالنسبة للعمال البريطاني مثلا، لكن السلوك السياسي لهذه الاحزاب كشف عن عملية تغيير جذرية اكتست بثوب الاشتراكية الجديدة التي يمكن عدها مفهوما جديدا لنظرية جديدة تجمع بين الاشتراكية كقشر خارجي والرأسمالية كجوهر فعال. ورغم ان هذه الاحزاب مازالت تحتفظ باسمائها الموحية بتوجيهات اشتراكية، لكن الواقع يقودنا خارج الاطار الاشتراكي لمنهج هذه الاحزاب، الذي رسمه انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة ثم سقوط جدار برلين ، وقد اجمع المحللون ان هذه كانت اسبابا حاسمة في تغيير وجهة اليسار الاشتراكي الغربية نحو منعكساتها. على مفهوم المتغيرات الايديولوجية الحديثة جاء صعود شيراك الذي مثل اليمين التقليدي وبلير العمالي ذو النبع الاشتراكي الجديد وشرويدر ثم حزب هايدر في النمسا، ومثل ذلك في بقية دول اوروبا. وبدا كأن لاعبي السياسة يعيدون تشكيل الخارطة السياسية العالمية ويعيدون توزيع الادوار فيها، فمع انتهاء حقبة الحرب الباردة سقطت مفاهيم كثيرة منها الارستقراطية، وبشكل ادق مفاهيم اليمين المتقولبة في اطار مرسوم منذ قرون سبقت الحربين العالميتين وقادت السياسة الاستعمارية الغربية، وصار لزاما ان تخلق مفاهيم جديدة تترتب عليها مصالح جديدة. بدأت اوروبا تنفض عنها غبار عقد الثمانينيات ونصح خبراؤها بالتخلص من الاسلوب القديم في الطرح الذي يعتمد الرؤية قصيرة الأمد وتجنب صياغة السياسات داخل الاحزاب والبرلمانات ومجالس الوزراء فكلها مؤسسات تتبع النمط الايديولوجي التقليدي ولا تكاد تنفصل عنه وبالتالي لا تكاد تلامس المتغيرات الجديدة على مستوى المجتمع الاقتصادي والتكنولوجي والثقافة، وهي متغيرات تجاوزت في كثير من الاحيان اطر الايديولوجيا السائدة. حتى الاطروحات الاشتراكية المرنة خضعت لاعادة صياغة مسبقة طوال سنوات التسعينيات، وشهدت هذه الحقبة تراجعا راديكاليا باتجاه اليمين في سياسات الاحزاب التي اتخذت مواقف داعمة لسياسات اليمين الاقتصادية طالما حافظت هذه الحكومة على سياسات الرفاه الاقتصادي. وتنبغي الاشارة هنا الى ان هذه الاحزاب دخلت في تحالفات ومساومات شتى منها ما تورطت في علاقات مع الشركات الامريكية العملاقة «متعددة الجنسيات» التي استمرت في شراء وتملك شركات اوروبية في مجالات مختلفة، وهذا اعطى اصحاب رأس المال الامريكي القدرة على ممارسة دور سياسي فعال في اوروبا. ورغم ان السياسة الاشتراكية الجديدة لم تمثل حجرا اساسا في الايديولوجية الاوروبية الجديدة، الا انها شكلت سمة السنين الخمس الاخيرة والتي اليها نسبت التداعيات التي اصابت المجتمع الاوروبي، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا بحث الاشتراكيون عن منهج جديد، ولماذا استبدل اليسار يساره باليمين او الوسط بينه وبين اليمين؟. تحول قسري كثير من بلدان الاتحاد الاوروبي بقيت لفترة طويلة بعد الحرب العالمية الثانية تكافح نهوض اليمين المتطرف وتقمع بروزه كرد فعل للنازية التي قادت العالم لهذه الحرب. وفي عقد التسعينيات تخلت اوروبا بشكل او بآخر عن السياسات والمباديء اليسارية التقليدية التي كانت تقترب كثيرا او قليلا من الفكر الماركسي. تركزت اسباب التحول في امور رئيسية منها: ـ ان السياسة في الحقبة الصناعية التقليدية كانت قائمة على فكرة بسيطة هي وجود نوع من الصراع بين رأس المال والعمل بمعنى الواقع المعاش وارباب العمل والنقابات، وهي ثنائية وحدت انعكاساتها الايديولوجية في قيام نوع من الانقسام العمودي بين معسكري اليمين واليسار، مع ما ترتب عليه من ثنائيات فرعية بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية، وبين حرية الفرد وتأكيد المساواة وقوى السوق والاقتصاد المخطط باشراف دولي وبمعنى ادق «الليبرالية ضد الاشتراكية». ـ تغير طبيعة العمل وبالتالي تغير المجتمع والسياسة وهو ما يشكل فرقا بين ما أتت به الثورة الصناعية التي هزت المجتمع وبين ما جاءت به ثورة المعلوماتية التي احدثت تبدلات وتغيرات كثيرة على صعيد الذهنيات والولاءات حيال الاحزاب السياسية التقليدية، اذ برز نوع من البحث عن مصادر للهوية السياسية. ـ ظهور الحركة العالمية للاستثمارات والتي تعد جزءا مهما من السوق المفتوحة التي ادت الى نوع من الانقسام السياسي في الرؤى بين انصار الاطاريح الوطنية للاقتصاد وبين دعاة العالمية. ـ اما السبب الذي يعد اكثر التحديات الحاحا فيما قاد لهذا التغيير في الايديولوجيات هو ما يواجهه النظام السياسي في كل مكان ويتمثل في مواجهة الطريق التي اصبح الناس يعملون ويتواصلون بها اكثر من اي وقت مضى في تاريخ الانسانية بواسطة وسائل الاتصال الحديثة وفي مقدمتها شبكات الانترنت، وهو ما يمكن تسميته بثورة المعلومات. واذا ما اضيف لهذا كله العولمة فانه يمكن القول ان هذه المصادر تشكل ضعفا على المسئوليات الخاصة بمسائل الهوية ذاتها خاصة وان المصالح السياسية على المستويات العالمية والقومية والاقليمية والمحلية تتجاذب وتتنافر بين بعضها البعض. دفعت هذه الاسباب وغيرها الى انتاج سياسات تؤكد على ضرورة اصلاح مفاهيم «الدولة الداعية» مما يتماشى مع مقولات النهج الاشتراكي الجديد والتي عدت ضرورة لخلق نوع من الثقة الغائبة الى هذه الدرجة او تلك بين الافراد والمؤسسات العامة وحتى الاكثر ديمقراطية منها. هدفت هذه الصياغات الى: ـ مكافحة التهميش الاجتماعي والبؤس بالنسبة لشرائح اجتماعية كبيرة في مختلف بلدان العالم بضمنها العالم المتقدم والتي خلفتها سياسات الاحزاب التقليدية كالمحافظين الديمقراطيين او ما يسمى باحزاب اليمين. ـ ايجاد نوع من التأقلم الجامع بالنسبة لبلدان الاتحاد الاوروبي في مواجهة الظروف التي خلفتها العولمة واقتصاد السوق. ـ اعادة التفكير في مسائل العلاقة بين الحكومات والديمقراطية وسلطة الاقتصاد او ما يسمى بـ «ضرورة نقد السياسات الارثوذكسية» التي لاتزال بلدان عديدة تصر على انتهاجها دون الاخذ بنظر الاعتبار المتغيرات الجوهرية التي شهدتها البلدان الصناعية خاصة خلال العقود الثلاثة الاخيرة. ـ اعادة الثقة بالمؤسسات الديمقراطية التي قال الباحثون انها تمر بأزمة كبيرة في هذا الوقت لمواجهة التبدلات السياسية الجارية على صعيد العالم. عانت السياسة الجديدة مشاكل عدة منها على سبيل المثال: ـ التلوث وحماية البيئة باعتبارها شرطا اساسيا للوصول الى تنمية متوازنة وقابلة للاستمرار. ـ اشكالية الشراكة بين الحكومات ومؤسسات القطاع الخاص بعيدا عن اية آليات وبيروقراطية يمكن للدولة ان تجذب نحوها. ـ المحافظة على منظمة حرية التبادل التجاري وتأمين واستقرار الاسواق العالمية بعد التبدلات الكبيرة التي شهدتها السنوات الاخيرة من القرن العشرين. هذه المفاهيم بلورت حركات اجتماعية انعكست سريعا لتحمل الى الحكم تحالفات حزبية يطلق عليها تحالف اليسار وحماة البيئة يجمع بينها تخليها عن المرجعية الايديولوجية التي سادت خلال سنوات ما قبل نهاية الحرب الباردة. على هذا النحو انتقلت معظم البلدان الاعضاء في الاتحاد الاوروبي الى الاشتراكية في مفهومها الجديد المعتمد على تحالفات واسعة تضم ايضا حماة البيئة وطبقة وسطى ذات طموح اصلاحي هاديء وقد اثار احد اساتذة العلوم السياسية في جامعة السوربون قائلا: ان هذا التحول الهادي في اوروبا باتجاه اليسار الهاديء الجديد ليس اكثر من تعبير عن توسع الطبقة الوسطى ورغبتها في القيام بدور فاعل تحسبا من ان تطالها المخاطر الاجتماعية مثل البطالة والتهميش الاجتماعي. وقتها لم تقدم احزاب اليمين حلولا تستطيع اعادة الاطمئنان لاوساط عريضة من الشعب بل ان ما قدمته بعض الاحزاب المحافظة والليبرالية خلال فترة حكمها من محاولات للاصلاح بقيت غير مفهومة ولم تجد من يدعمها لسبب مهم هو ان حركة الاصلاح في اوروبا ظلت لصيقة بالاتجاهات اليمينية وبالتالي لم يعرها الشارع اهتماما خاصا بعد الحرب الباردة واعتبارها مجرد مناورة للبقاء في الحكم. في اطار ذلك عمدت هذه الاحزاب الى تقليص دور اليمين المتطرف بحيث لاتعود للحياة السياسية بشكل عام، رغم ان قوى اليمين التقليدي والتي هي جزء من السياسة الاوروبية الجديدة اسيرة لهذا اليمين المتطرف. عوامل كثيرة ساهمت في تصدع النهج الاشتراكي الجديد بثوبه الاوروبي الذي انطلق منذ منتصف التسعينيات وجعلت لليمين المتطرف قوة دافعة اعادته للواجهة السياسية منها: ـ تشظي الاحزاب اليسارية ـ ازدياد الهجرة ـ ازدياد البطالة ـ الشعور لدى الاوروبيين بضرورة مقاومة اللعنة اليهودية ولازمة المحرقة النازية. ـ خضوع القرار السياسي الاوروبي للهيمنة الامريكية وانعدام الاستقلال في القرار السياسي. وبدت اوروبا هذا القرن تواجه ازمة في تصدع وحدتها وفي تداعيات مفاهيمها الجديدة التي روج لها السياسيون بعد انتهاء الحرب الباردة. فكيف نقرأ صعود اليمين المتطرف وكيف ننظر الى تراجعه؟