هل ينجح اليمين المتطرف في تهميش اليمين التقليدي وقلب المعادلة التي برزت منتصف التسعينيات الماضية بظهور الطريق الثالث؟ بات هذا السؤال يؤرق الكثير من الاوروبيين مع تنامي صعود الاحزاب اليمينية المتطرفة في دول اوروبا مما يؤشر لدى الاوروبيين عودة للاحزاب النازية التي اشد ما يخشاها اليهود والمهاجرون. المشهد الذي تعيشه فرنسا اليوم عانته قبل سنتين النمسا والمانيا قبل فترة وجيزة، وتحول الخطاب السياسي من الدعوة لاوروبا موحدة الى الخوف من نسف هذه الوحدة بصعود اليمين المتطرف الذي يدعو للتراجع عن جملة امور قد تغير الخارطة السياسية لاوروبا. كثيرون يعتقدون ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك قد يفلح في هزم اليمين المتطرف الذي يبارزه اليوم في اصعب مرحلة تمر بها فرنسا، واوروبا معاً. بينما يراهن اخرون على احتمالات كبيرة في صعود اليمين المتطرف بعد تغير الرياح السياسية في السنين الخمس الماضية. وتبدو فرنسا مثل مرجل يغلي، فرنسا التي تواجه تهديدا بهزيمة جمهوريتها الخامسة امام رياح العنصرية الجديدة كما يقولون فما الذي اعطى اليمين المتطرف هذه الدفعة القوية وهل هو يشكل خطرا فعلا على تاريخ فرنسا السياسي ومستقبلها ومعها اوروبا 90. لوبن والخطر الذي يمثله لم يبدأ اليوم، لقد رصدت جبهته الوطنية منذ ثلاثين عاما عندما حاول ميتران ان يشتت بها اليمين التقليدي ويعمل على تهميشه. ونرى ان عام 1981 شهد خروج اليمين المتطرف من قوقعته الصغيرة التي لم تكن تجمع من اصوات الناخبين الفرنسيين الا نسبة تتجاوز 1% كما دلت العمليات الانتخابية المتنوعة التي جرت طيلة سنوات السبعينيات، ودفع بهذا اليمين باتجاه مركز الفعل السياسي بهدف اضعاف اليمين التقليدي، الخصم التاريخي لليسار. ومع عودة اليمين التقليدي للحكم بفوز شيراك، نظر للتوجه السياسي الاوروبي نحو اقصى يمين اليسار او ما سمي بالاشتراكية الجديدة، ولكن يبدو ان سياسة هذه الاشتراكية الجديدة وضعت اوروبا عامة وفرنسا خاصة امام خيار واحد عمل على تجسيده اليمين المتطرف مستفيدا من خطأ الاشتراكيين الجدد. لقد استفاد اليمينيون المتطرفون من اخطاء العولمة التي اثمرت بطالة واقتصادا سيئا واثارا اجتماعية سلبية نتيجة زيادة الهجرة، كما بدأت اوروبا تتذمر من العنصرية اليهودية والضغط الذي تمارسه المنظمات اليهودية، والابتزاز بدعوى محرقة النازية، ذلك كله ولد تفجرا داخليا لدى نفسية الشعوب الاوروبية وبدت مناهضة لما سمي بنزعة الـ «لا سامية» التي اطلقتها اللوبيات اليهودية. عوامل كثيرة ساعدت اليمين المتطرف على النهوض واختراق الحجب المحظورة حتى بات قاب قوسين او ادنى في فرنسا من سدة الحكم، وهو حتى هذه اللحظة سيشكل صدمة لفرنسا. فرنسا بدت فعلا مصدومة فهي لم تكد تتجاوز مرحلة نزع ثوب الاشتراكية نحو اليمين التقليدي الذي ساد بعد منتصف التسعينيات حتى ووجهت باحتمالات انتزاع اخر نحو سياسة جديدة. فهل ينجح لوبن فيما فشل به الاشتراكيون قديما من تحطيم اليمين التقليدي، وهل تنحو اوروبا نحو طريق رابع جديد. ذلك ما يتوجس منه الاوروبيون جميعا، والامريكيون وفئات كبيرة من العرب، رغم دعم لوبن لعدد من القضايا العربية، ورغم مناهضته لليهود وعنصريتهم البغيضة. بين لوبن وشيراك اذن تقف الجمهورية الخامسة على حد رفيع احمر فأما انقطع واسقطها، واما أعادها مرة ثانية، ولكن ليس بالقوة التي كانت عليها سابقا. ل. ع