بيان الاربعاء:الحصاد المر لليمين التقليدي والذي تمضغه اوروبا على مضض افرز في السنتين الاخيرتين او لنقل منذ نهاية القرن الماضي تحولا سياسيا اخر باتجاه اليمين المتطرف، تجلى بأقسى صوره في ترشيح جان ماري لوبن اليميني الفرنسي المتطرف للرئاسة الفرنسية. ولعل الذين شهدوا انفجار الشارع الفرنسي ضد صعود اليمين المتطرف يتذكرون نفس الانفجارات التي سادت المانيا والنمسا واسبانيا وغيرها من الدول الاوروبية التي واجهت موقف صعود اليمين المتطرف حينها. وبين صعود لوبن، او نكوصه تقف اوروبا عامة وفرنسا بالذات على اعتاب مرحلة يرى المحللون انها خطرة، وقد تعيد للاذهان اجواء النازيين السابقين. كيف ينظر للحقبة اليمينية الجديدة بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف واثرها على اوروبا عامة، وفرنسا خاصة؟ لماذا يطلق عليه بالطريق الرابع وبم يختلف عن الطريق الثالث الذي انتهجته اوروبا بعد منتصف السبعينيات، وهل له تأثير على الوحدة الاوروبية؟ كيف نقرأ صعود جان ماري لوبن، وماذا يمثل في الاطار العام والخاص، ما هي القضايا التي لعب عليها اليمين والتي قربته من كراسي الحكم، ولماذا تراجع تأييد الشارع الاوروبي للاشتراكيين الجدد او اليمين التقليدي؟ كثيرون توقعوا ان يشهد عام 2002 تغييرا شاملا في السياسة الاوروبية، حيث تتوجه احزاب اليمين واليمين المتطرف بخطى واثقة نحو السلطة سواء بشكل مباشر ام غير مباشر. وذلك يعني في نظر الكثير من المحللين الاوروبيين القضاء على فكرة الاندماج الشامل وانتصار اصحاب فكرة «اوروبا اتحاد كونفدرالي يتمتع بحرية نسبية» وهم المعروفون بالمتشككين في الوحدة الاوروبية. وبالتأكيد لا يمكن ان نتجاهل حقيقة وصول اليمينيين للسلطة فعلا في اسبانيا وايطاليا، والنمسا وبلجيكا، الدنمارك والنرويج، وسويسرا وهولندا، وفرنسا حيث شيراك اليميني التقليدي، هذه الحقيقة التي ربما تؤدي الى تغييرات شاملة في شتى مناحي الحياة الاوروبية بدءا من قوانين التأمينات الاجتماعية وانتهاء بقوانين الهجرة. اوروبا تنظر الى مستقبلها من خلال عقارب الساعة التي تفضل ان تعود بها قليلا للوراء، الى حيث بدأت اشتراكيتها الجديدة تصنع طريقا ثالثا، سجن اليمين المتطرف في قوقعة العولمة، مثلما تنظر الى مستقبلها من خلال الغبار الذي يثيره اليمين المتطرف على ساحاتها السياسية، فكيف ينظر للصحوة اليمينية وكيف نقرأها في اطار ما تطرحه؟ بدءاً لابد من القول انه لا يوجد احتمال حتى ولو كان ضئيلا، ان تتراجع اوروبا عن خطواتها التي تمت بالفعل في السوق الموحدة والعملة الموحدة، فسواء كان اليمينيون هم الحاكمون ام اليساريون، فقد سبق ان تحدد مصير السوق الاوروبية الموحدة منذ عقود مضت. والواقع ان الاوروبيين مرضى بـ «يمينهم المتطرف» الذين اخذوا وجهه الاقسى في فرنسا والاشد مواجهة في عموم اوروبا، فقد قضى على اليسار متعدد القوى الذي مثله ليونيل جوسبان، واخرج لعبة اوروبا السياسية من موازاناتها ليربك حركتها ويجعلها تعيد النظر بشكل جدي في ماضيها السياسي الحديث. نظر الاوروبيون لصعود اليمين المتطرف على انه امر لا يقل خطورة عن تشظي التيار الاشتراكي، وقد ساعد هذا التيار المتطرف غياب مشروع سياسي بديل ومقنع يحد من ظاهرة التنازع بين الاشتراكيين والاشتراكيين الجدد واليمين التقليدي، وربما كان ذلك مادفع الناخب الاوروبي الى اعطاء صوته لصالح الاحزاب اليمينية. وتذكر التقارير والدراسات انه من اصل 15 دولة عضو في الاتحاد الاوروبي، يحكم اليسار، والائتلاف من اليسار والوسط في 13 دولة منها الاكبر والاهم اقتصاديا: بريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا، ورغم ذلك فقد تمكن اليمين التقليدي من الحصول على مراكز حساسة في السلطة في اكثر من دولة، حتى مع القول بأن احزاب اليمين المتطرف لم تتجاوز نسبة 10 ـ 27% الا انها بقيت فعالة وينظر الى اقترابها من سدة الحكم في فرنسا الامر الذي زلزل كيان الجمهورية الخامسة وجعلها تعيد حساباتها من جديد. المخاوف من اليمين المتشدد ارتبطت بأصوات التحذير من العودة باتجاه تاريخ النازية والفاشية في اوروبا، ويرجع المحللون ذلك الى تراجع اليسار عن كثير من الضمانات الاجتماعية التي كان يتبناها. ارتبطت بظاهرة التخلي عن الضمانات الاجتماعية ظاهرة اخرى هي ان ازدياد سوء اوضاع العمال والطبقات الفقيرة في المجتمع اصبحت موضع استغلال متزايد من جانب اليمين المتطرف لحساب الدعوات المعادية للاجانب. استندت هذه الدعوات الى مزاعم مضللة منها على سبيل المثال ان الاجانب كعمال يسببون ارتفاع البطالة على حساب المواطنين الاصليين، وانهم كلاجئين ومشردين يسببون نفقات اجتماعية باهظة تضغط على الميزانية الاجتماعية في الدول المضيفة. المحللون السياسيون دققوا في هذه المزاعم وتبين لهم غوغائيتها واشاروا الى الارقام التي عكست خلاف هذه المزاعم، ولانه من الصعب الوصول بالحجج المنطقية والادلة الاحصائية للناخب فقد ازدهرت المزاعم في ظروف العولمة. وتشير الدراسات الى ان اليمين المتطرف ركز على ان من اسباب البطالة على سبيل المثال رحيل كثير من المستثمرين عن مواطنهم الى بلدان شرق آسيوية واقامة مصانع للانتاج فيها بسبب انخفاض تكاليف اليد العاملة وقرب اسواق التصريف الاستهلاكية وهو ما ازداد بتأثير ظاهرة العولمة الاقتصادية والمالية. واذا اضيف الى ذلك ما يروجونه من حصيلة ما يحققه الاجانب من دخل ضرائبي ورسوم اشتراكات اجتماعية لصالح الدولة الغربية المضيفة، مما يتبناه اليمين المتطرف، نجد ان الناخب تتوفر في داخله رغبات بالانصراف عن الاحزاب الاشتراكية «اليسارية او اليمين التقليدي» ويتمسك بثوب اليمين المتطرف الداعي للعرق الانقى وهي دعوة تعود بنا الى مطالع القرن الماضي. انتعاش كراهية اليهود ازدياد شعبية اليمين المتشدد الذي اتهم بالنازية الجديدة ارتبط ايضا بمناهضة اليهود او دعوة اللاسامية، رغم ان هناك تناقضا من جانب ما اشيع ان اليهود يدعمونه. وبالطبع فان تناقض مصالح اليهود ومطامعهم ومراكز سيطرتهم ونفوذهم في المجتمعات الغربية مع مصالح الاحزاب اليمينية لا يعطي فرصة للتفكير بأن لليهود مصلحة من صعود اليمين. مظاهر التبرم مما يسمى بعقدة النازية واستغلال اليهود لها تواترت في الثمانينيات في اوروبا، وانعكس ذلك في احداث ومواقف يمكن الاشارة الى بعضها على سبيل المثال: التعامل مع الرئيس النمساوي السابق كورت فالدهايم، او مواقف وتصريحات المستشار الالماني السابق هلموت كول وسببت خلافات علنية بينه وبين زعماء اليهودية العالمية. يضاف الى ذلك ازدياد عدد العلماء والباحثين المعروفين والمرموقين ممن يدعون الى بحوث علمية منهجية تعيد النظر فيما انتشر كبديهيات مطلقة عن فظائع النازية بحق اليهود، الامر الذي دعمته حملات تشهير يهودية بحق هؤلاء العلماء المرموقين وملاحقتهم واستصدار قوانين متناقضة مع اصل حرية التعبير والبحث العلمي ومتوافقة مع الصورة التي اراد اليهود تثبيتها عن ضحايا اليهود في العهد النازي. رافق ذلك حملة انتاج اعلامي وسينمائي وقصصي جديدة وحملة في اطار المناهج المدرسية لمضاعفة نسبة تلقين التلاميذ في سنين دراستهم الاولى تلك البديهيات المطلقة من توظيف ظاهرة العداء للاجانب وكأنها رديف لما يسمى بـ الـ «لاسامية» وبالتالي لخدمة اغراض التخويف من عقدة النازية. اوصل ذلك السلوك الى ممارسة ضغوط اجتماعية وفكرية واعلامية مضادة، وتقول الدراسات انه اوجد ردود فعل مضادة على مستوى جيل جديد من الاوروبيين هو الاكثر تأثيرا على نتائج الانتخابات بين فترة تشريعية واخرى استنادا الى نسبة من يبلغون خلال ذلك السن القانونية للانتخاب. ويشهد على هذا المفعول من الانتخابات الاخيرة في النمسا وسويسرا حيث سقط رئيس حزب الاحرار يورج هايدر مثلا من رئاسة حكومة ولاية كرينثيني عام 1991 فقيل ان السبب كان امتداحه سياسة التشغيل في العهد النازي، وتؤكد التقارير الصحفية ان الناخب الاوروبي قد بدأ يتمرد على هذه الاساليب بوضوح، خاصة عند التشهير بسياسة اوروبيين او اتهامهم بممارسات يمارسها الاسرائيليون انفسهم، مثل التعاون مع العنصرية في جنوب افريقيا سابقا، او الاحكام المسبقة ضد الاخرين، او احتلال ارض شعب واضطهاده. ويشير الواقعيون من سياسيي اوروبا ان المتحدثين باسم اليهود يهولون من شأن خطر اليمين المتطرف، وعندما يصل الامر الى التعريض بنسبة عالية من الناخبين، يتجه بالتأكيد الناخبون برد فعل مناقض الى اقصى اليمين الذي يحارب هذه التوجهات اليهودية. اليهود اذن يثيرون ضجة كبيرة تواجه كشف اليمين المتطرف لحقيقة الزيف الذي يصطبغ به الاعلام والتاريخ الذي يريد اليهود ان يقنعوا العالم به، ولذا بدأت الحملات مؤخرا تدعو اليهود الى الهجرة الى فلسطين خوفا من اليمين المتطرف او ما يسمونهم بالنازيين الجدد، وربما كانت هذه هي الحقبة الانسب لليهود بعد ان حرقت اسرائيل ارض فلسطين ومهدتها لهجرة اخرى جديدة تشبه تلك التي اعقبت الحرب العالمية الثانية خوفا مما يسمى بعقدة النازية. ويرى المحللون ان اليهود ليسوا وحدهم هدف اليمين المتطرف فقد توجهت مظاهر العداء العنصري نحو الاجانب من القارتين الافريقية والاسيوية، ونال المسلمون نصيبا كبيرا منها، وقد ظهرت نظريات تصلح ارضية للتعبئة الغوغائية من قبيل صراع الحضارات ونهاية التاريخ فضلا عن مواقف سياسية معبرة عن اتجاهات مماثلة. واليمين المتشدد وانصاره كما هو معروف اكثر عرضة للتعبئة الغوغائية فالنسبة الاعظم منهم لا تتوفر لها مستويات عالية او حتى كافية من الثقافة والفكر والتأهيل العلمي فضلا عن المعاناة المالية والاجتماعية، ولذا تستهويهم الشعارات المبسطة ويصدقون المعلومات المغلوطة، ولذا اتهموا بالعنصرية وبالتشدد. على هذه الارضية وجد اليمين المتطرف مرتعه وازدهر في حقبة عجت بالتدهور الامني والاقتصادي والسياسي. الفرنسيون ولوبن ليس صعبا بالطبع هزيمة اليمين المتطرف في فرنسا، لمشاعر العداء التي يواجهها داخل فرنسا من جهة وخارجها من جهة اخرى، رغم ان هناك دعما موازيا لحجم ذلك العداء له. وتذكر الدراسات ان جان ماري لوبن نفسه كان اداة سياسية هو ويمينه المتطرف بيد فرانسوا ميتران عندما مكنه من تجاوز نسبته الضئيلة في الانتخابات، وهي نفس الخطة التي استخدمها شيراك اليوم. فقد شهد عام 1981 انتعاش اليمين المتطرف، بعملية درسها ميتران جيدا ودفع به باتجاه مركز الفعل السياسي بهدف اضعاف اليمين التقليدي وهو الخصم التاريخي لليسار. ميتران كما اشارت الدراسات استند الى قاعدة تقول «ان طرح اي كم انتخابي من رصيد خصومه في اليمين التقليدي يصب واقعيا في رصيده ساعة الاقتراع. وبالمقابل لم يترافق تضخيم دور اليمين المتطرف مع اي تنازل على صعيد البرامج السياسية المطروحة. ثم عمد الى تأجيج خطابه السياسي مهاجما الايديولوجية اليمينية المتطرفة الى درجة اصبحت بها صورة جان ماري لوبن شبيهة «بدراكيولا» مصاص الدماء. وضمن هذا السياق تتبادر للذهن الثنائية التي سادت لفترة في ظل حكم الجنرال شارل ديجول عندما دفع الشيوعيين الى واجهة الحكم السياسي بحيث اصبح المشهد السياسي الفرنسي منقسما الى ديجوليين وشيوعيين وفي هذا نستحضر مقولة الكاتب الفرنسي الكبير والوزير الديجولي انذاك «اندريه مالرو» في تصريح مشهور له: «بين الشيوعيين وبيننا لا توجد اية قوة اخرى». ضمن نفس القاعدة همش ميتران اليمين التقليدي ثم قضى على اليمين المتطرف عندما صعد ضده المشاعر بعد ان هزم عدوه التقليدي واخرجه من ساحة المعركة الانتخابية. ويبدو ان فرنسا بالوان واطياف احزابها المختلفة لاتخرج عن هذه القاعدة، لقد عد اليمين المتطرف دائما اداة سياسية لهزيمة الحليف التقليدي سواء لليسار او لليمين التقليدي وكان دائما الورقة الاخيرة التي تحدث انقلابا في المعادلة الانتخابية الفرنسية منذ ديجول، فهل يمكن احتساب ماحدث مؤخراً تصفية حسابات بين لوبن وتلميذ ديجول النجيب شيراك؟ لقد استفاد جاك شيراك فعلا من تجارب ديجول وميتران نفسه، رغم ان هناك من شكك بذكاء داهية السياسة الفرنسية والذين يكنوه بـ «حرباء نابليون». لقد كان على شيراك اخراج خصمه العنيد ليونيل جوسبان الاشتراكي الذي لو بقي في سباق الرئاسة لنال من شيراك ولاكتسحه منطلقا الى السلطة، وبذلك اخرج اليمين من مكمنه. ورغم ان لوبن استفاد من حالة التذمر والاحباط التي سادت المجتمع الفرنسي بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة لشريحة واسعة من الفرنسيين وتعزز رصيده الانتخابي بفضل تفتت قوى اليمين التقليدي نفسه وعدم قدرته على تحسين صورته امام الشعب الفرنسي، الا انه لا يمكن القول انه يمكن ان يخطو ابعد مما وصل اليه. وبفعل الخوف من اليمين المتطرف عمد شيراك الى استرداد اسهمه، فأكد على: ـ اهمية مواجهة التطرف اليميني بكل حزم وضرورة خوض مواجهة حاسمة معه في المستقبل، مما يعني ايذانا بفتح المعركة مع هذه الجبهة المتطرفة الموصوفة بالعنصرية وكره الاخرين. وجه شيراك انتقادات حادة لبعض السياسيين اليمينيين الذين ارتضوا الدخول في مساومات مع الجبهة الوطنية للفوز برئاسة بعض المجالس المحلية. ـ طالب اليسار بعدم اشعال النار اكثر مما هي مشتعلة ودعا الى ان يكون النقد اكثر مسئولية. لقد اكتشف شيراك بخبرته الطويلة ان الهجوم افضل وسائل الدفاع لوقف تقدم اليمين المتطرف بانتظار تكوين قوى سياسية جديدة تستطيع مواجهة الهجمة العنصرية المستفحلة. ويبدو ان اوروبا جميعها تبدو متحدة باتجاه مواجهة اليمين المتطرف، فهي ليست على استعداد بعد لانتهاج طريق رابع مع تداعيات العولمة، والنظام العالمي الجديد ومشروع اكمال الوحدة الاوروبية الذي يبدو حتى اللحظة سائرا بشكل جيد.