قدمت فرنسا للعالم في الايام القليلة الماضية صورة من اسوأ ما يمكن عن نفسها، فوجئ بها جميع اصدقائها. ففي الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية بدت فرنسا ، رافضة لمجمل التفكير العصري وخائفة من كل ما هو اجنبي «العولمة، الولايات المتحدة، اوروبا، اليهود والعرب» في محاولة لحماية نفسها من اي شيء من شأنه ان يهدد هويتها الضائعة.وفي الحقيقة فإن هناك اسباباً كافية تبعث على القلق فاليمين المتطرف، وكذلك اليسار المتطرف ايضا، يمثل اكثر من ثلث جمهور الناخبين ويبدو انهما كليهما قد توحدا لاجل الجولة الحاسمة في الانتخابات وربما يعرضان الديمقراطية للخطر. والاحداث العنصرية ايضا شهدت ازدياداً ملحوظاً في الشهور القليلة الماضية. لكن لا ينبغي للفرنسيين ان يستسلموا لنزعة اللاعقلانية انني عن نفسي مقتنع بأن هذه الحادثة العرضية المؤسفة ستفضي الى ولادة جديدة مثيرة للديمقراطية في فرنسا، تماماً كما حدث في النمسا وايطاليا، أولا، وفي المقام الاول لانه على الرغم من الاحداث الاخيرة ونتائج الانتخابات فإن فرنسا ليست عنصرية ولا معادية للسامية. وتبقى كما كانت ذاتها ارضا لكرم الوفادة. وعلاوة على ذلك، فإن جان ماري لوبان لم يسجل سوى زيادة طفيفة في الاصوات بالمقارنة مع نتائجه مع جميع الانتخابات السابقة والناخبون الذين كان يمكن توقع دعمهم للمرشحين الآخرين امتنعوا ببساطة عن التصويت. فهم قللوا من شأن الخطر اليميني الذي لم تظهر له اي مؤشرات في استطلاعات الرأي، وقرروا الانتظار الى الجولة الثانية للادلاء بأصواتهم. انصار ليونيل جوسبان بصفة خاصة ظنوا ان فوزه مؤكد، ولا يرقى اليه الشك حتى انهم تقاعسوا عن التصويت وانصار جاك شيراك ايضا لم يذهبوا الى مراكز الاقتراع، وفضلوا الانتظار الى جولة الانتخابات النهائية. والنتيجة كانت فقدان اصوات مليوني ناخب من اليسار، وثلاثة ملايين من اليمين، في حين ان انصار اليمين المتطرف واليسار المتطرف ادلوا جميعهم بأصواتهم. وتماماً كما حدث في ايطاليا والنمسا، فإن انبعاث الحركات المتطرفة من جديد سوف يفضي الى ولادة جديدة للديمقراطية، وبدأت منذ الآن تظهر بعض ردات الفعل القوية مجاهرة بتحديها لهذه «النكتة الرديئة» والـ 11 مليون ناخب الذين لم يدلوا بأصواتهم، سوف يستيقظون، ولن يسمحوا بعد ذلك للآخرين بالتصرف نيابة عنهم، ومجموع الناخبين الـ 40 مليوناً كلهم لن يتركوا بعد الآن الأمر لاستطلاعات الرأي حتى النتيجة المرجحة للانتخابات، ولن يضبطوا اصواتهم بناء على تنبؤات غير اكيدة. سوف نشهد مشاركة متزايدة لجميع الناخبين في العملية السياسية والشباب الاصغر سناً بصورة خاصة سوف يفهمون ان السياسة ليست شأناً غير مهم يعني به الكبار وحدهم، والاحزاب السياسية اليمينية واليسارية على حد سواء ستفهم انه لا يمكن لها ان تبقى هيئات لاصحاب المقامات الرفيعة، بل عليها ان تمتلك ناشطين على صلة مباشرة مع سواد الشعب، وتزويدهم بالخدمات التي يحتاجونها.لابد ان رصاصة الانذار الاخيرة ستكون مفيدة للغاية، ذلك انها تذكرنا جميعاً بدرس مهم جداً وهو انه ليس هناك من احد ـ حتى بلد مثل فرنسا التي تناضل من اجل حقوق الانسان ـ محصن ضد وحش التعصب. خدمة « لوس انجلوس تايمز » خاص لـ « البيان »