أوضح المحامي الجزائري الناشط في حقوق الإنسان مقران أيت العربي إن اتخاذ السلطة تدابير عاجلة وملموسة قبل الثامن عشر من أبريل تاريخ حلول الذكرى الأولى لسقوط أولى ضحايا، أحداث القبائل من شأنه تهدئة الوضع وفتح آفاق للتسوية. واعتبر خطاب الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الذي أعلن فيه الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية لجميع الجزائريين الى جانب العربية متأخرا في الزمان ولا يفي بما هو مطروح من مطالب. وأكد في هذا الحوار الذي أجرته معه «البيان» بمكتبه في مدينة تيزي أوزو عاصمة إقليم القبائل الجزائري أن «حركة المواطنة» التي أفرزتها هذه الأزمة ستحول دون وصول الإسلاميين الى السلطة وتعجل بعودة العسكر الى الثكنات وتفتح الطريق للامركزية حقيقية تسمح للمناطق بإدارة شئونها. خطاب الرئيس تأخر ـ أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 12 مارس الجاري عن عدد من الإجراءات تخص مسار التهدئة في منطقة القبائل.ما رأيكم؟ ـ كان بإمكان الخطاب أن يكون له وزن أكبر وأن يؤثر في سير الأحداث بطريقة أكثر فعالية لو ألقاه في شهر يوليو الماضي بدل إلقائه قبل موعد الانتخابات التشريعية بشهرين ونصف. خلال اتصالاتي ببعض المسئولين في قمة هرم الدولة وكذا من خلال البيانات التي أدليت بها للصحافة لم أتوقف عن مطالبة السلطة بتلبية أهم مطالب لائحة القصر، علنا في خطاب رسمي يلقيه رئيس الجمهورية ويخصصه لحل هذه الأزمة. وقد وردت بخطاب الرئيس بعض «القرارات» منها: الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية وتسليط عقوبات قضائية وإدارية على الضباط والدركيين المتورطين في جرائم القتل والتكفل بالضحايا وعائلاتهم وكذا تكفل الدولة بالخسائر المادية التي نجمت عن أحداث القبائل. فيما يتعلق بالأمازيغية، أعلن الرئيس عن قراره «بدسترة» هذه اللغة دون استفتاء شعبي ولكنه لم يذكر بأية طريقة ينوي جعل قراره رسميا. وأذكر هنا بأن المادة 174 من الدستور تنص على: «لرئيس الجمهورية حق المبادرة بالتعديل الدستوري، وبعد أن يصوت عليه المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة بنفس الصيغة وحسب الشروط نفسها التي تطبق على نص تشريعي، يعرض التعديل على استفتاء الشعب خلال الخمسين (50) يوما الموالية لإقراره». لاشيء إذن يمنع رئيس الجمهورية من أن يطلب ـ كخطوة أولى ـ من رئيس الحكومة أن يقدم مشروع قانون يتضمن الاعتراف باللغة الأمازيغية وتقديمه أمام البرلمان للمصادقة وفقا للإجراءات الاستعجالية التي تقتضيها مثل هذه الحالة. ـ كيف تقيمون الوضع في القبائل؟ ـ أزمة القبائل شجعتها السلطة إن لم نقل أنه هي التي خلقتها. وأؤكد أن الحلول معروفة وسهلة إذ على السلطة أن تلبي أهم المطالب لتهدئة الأوضاع وتبحث بعد ذلك عن محاورين جادين يمثلون الرأي الأرجح للخروج من الأزمة. إلا أن الجماعات المتصارعة في قمة السلطة من أجل السلطة لا تريد حلا نهائيا للأزمة وتحاول كل جماعة أن تستغل غضب الشارع لصالحها وحتى الأحزاب السياسية المعارضة منها والموجودة في السلطة فإنها لم تقم بأية مبادرة للمساهمة في حل هذه الأزمة وحتى خطاب الرئيس الأخير اكتفى بالعموميات التي لا يمكنها أن تقنع حركة العروش. وتفادى اتخاذ قرارات ملموسة ومحددة من حيث الزمن. فدسترة اللغة الأمازيغية ستتم بالنسبة إليه دون استفتاء شعبي ولكن لم يوضح الطريقة الدستورية التي سينتهجها. ويبقى حل الأزمة مرهونا بوجود إرادة سياسية للاستجابة لمطالب الجزائريين بصفة عامة وسكان منطقة القبائل بصفة خاصة بدلا من توظيفها في صراع الجماعات. إجراءات استعجالية ملموسة ـ أمام ما يبدو «حوار طرشان» بين السلطة والعروش ما هي الحلول التي ترونها للخروج من الأزمة؟ ـ لكي ندخل في مسار لحل الأزمة على السلطة، في اعتقادي، أن تتخذ إجراءات عاجلة وملموسة قبل السابع عشر من أبريل الذي يصادف الذكرى الأولى لسقوط أول ضحايا المنطقة برصاص الدرك، ومن هذه الإجراءات: ـ إصدار قانون يتضمن الاعتراف بالأمازيغية. ـ المبادرة بإغلاق جميع مقرات الدرك الوطني المتواجدة بالقرى بدءا من بلدة بني دوالة التي قتل فيها الشاب جرماح ماسينيسا، كخطوة رمزية. ـ إخطار عائلات الضحايا بالإجراءات القضائية المتخذة والتي ستسمح لها بأن تتأسس كطرف مدني وتطلع على الملفات. ـ تحديد الوضعية القانونية لعائلات الضحايا بوضوح. ـ نشر قائمة المسئولين المتورطين في الأحداث وتحديد طبيعة العقوبات الادارية المتخذة ضدهم. ـ الشروع بتطبيق المرحلة الأولى من المخطط التنموي للمنطقة للسماح للشباب بإيجاد مناصب عمل. ـ وضع حد لتسيب السلطات والتكفل بالضمان الفعلي لأمن الأشخاص والممتلكات في هذه المنطقة التي أصبحت منطقة لا قانون.وخلال الفترة التي توضع فيها السلطة تحت الاختبار والتي تمتد الى غاية 18 أبريل تاريخ الذكرى الأولى لمقتل الشاب ماسينيسا، على العروش أن تتابع الوضعية وأن تتجنب أي مسعى من شأنه تبرير القمع من جديد. وفي كل الأحوال يجب أن تبقى هذه الحركة سلمية. نقلة نوعية ـ أفهم مما تفضلتم به قبل قليل بخصوص الأزمة في القبائل بأنها أزمة جماعات النفوذ في أجهزة الحكم. هل تعتقدون بأن اختفاء التوتر المزمن في هذه المنطقة مرهون بحل أزمة السلطة في البلاد؟ ـ إذا عدنا قليلا إلى الوراء نجد أن السلطة في السبعينيات كانت تعاقب الطلاب لمجرد وجود حروف تيفيناغ (حروف الأمازيغية القديمة) في محافظهم أو غرفهم وكانت كلمة القبائل لا تذكر وحتى الفريق الرياضي شبيبة القبائل غيروا له الاسم الى «جمعية سريع الكواكب» ثم «جمعية الكترونيك تيزي أوزو» ولما جاء ما أصبح يطلق عليه اسم الربيع الأمازيغي في أبريل 1980 سقطت بعض الطابوهات رغم القمع الذي تعرض له منشطو الحركة الثقافية البربرية. واعترفت السلطة في الدستور الجديد بالبعد الأمازيغي كمكون من مكونات الشخصية الجزائرية وصارت الهوية الوطنية ثلاثية الأبعاد : الإسلام والعروبة و الأمازيغية. هناك إذن تطور في الخطاب وفي بعض النصوص. لكن السلطة لا تزال تعتقد أن البعد الأمازيغي بعد ثقافي فحسب ولا يمكن أن يتجسد في الاعتراف برسمية الأمازيغية كلغة. وإذا استثنينا القضية اللغوية فإن أزمة منطقة القبائل هي أزمة جميع مناطق الوطن وأن حل هذه الأزمة مرهون بالانتقال من الأحادية الى التعددية الفعلية في جميع المجالات ومن الاستبداد الى الديمقراطية ومن نظام الجماعات الى نظام المؤسسات ومن الانتخابات كحيلة للبقاء في الحكم الى انتخابات كوسيلة ديمقراطية لتجسيد مبدأ سيادة الشعب. وتبقى دولة القانون هي مطلب الأغلبية الساحقة من الجزائريين. ثنائية الخطر ـ ما رأيكم في المفارقة التي تطرح نفسها في الجزائر بين ضرورة تشييد نظام ديمقراطي بمساندة الثكنة لمنع الإسلاميين من اعتلاء الحكم وبين خطورة هذه الثكنة ذاتها على النظام الديمقراطي؟ ـ الجيش موجود في الساحة السياسية الجزائرية منذ الاستقلال بطريقة أو بأخرى وكان ولا يزال هو صانع القرار في القضايا الجوهرية. والمشكل اليوم لا يكمن في الاستعانة بالجيش لإبعاد الإسلاميين عن الحكم أو إزالة خطورته هو عن النظام الديمقراطي بل المشكل الحقيقي في كيفية ضمان النظام الجمهوري والتعددية والديمقراطية والعصرنة في إطار دولة القانون مع إبعاد الإسلاميين عن السلطة وإرجاع الجيش الى الثكنة بالوسائل السلمية. ومن هنا أعتقد أنه غير محكوم على الديمقراطيين أن يختاروا بين الإسلاميين والعسكر. ولكن حتى يتمكن الذين يرفضون الأصولية والعسكر من الوصول الى السلطة بالوسائل الديمقراطية والسلمية، فأمامهم مشوار طويل . ـ ما هو المخرج من هذه الثنائية، أعني العسكر والإسلاميين من أجل تكريس الديمقراطية؟ ـ لا توجد حلول سحرية أو مثالية، فالمسألة تتطلب نضالا يوميا من طرف كل الذين يؤمنون بالديمقراطية كوسيلة وغاية. فالأصولية تمثل خطرا كبيرا على النظام الجمهوري والجيش عندما يشتغل بالسياسة يدفع الى انحراف المؤسسة العسكرية عن مهامها الأصلية وينجم عن ذلك مخاطر كبيرة على الجيش والوطن معا. والمسألة تهم الديمقراطيين جميعا وليس ما يسمى بالأحزاب الديمقراطية وحدها. والذين يعتقدون أن الجيش سيبعد الإسلاميين عن السلطة وسينسحب من الحياة السياسية ويسلم لهم زمام الأمور على طبق من فضة هم مخطئون بالتأكيد. إن المسالة تتوقف على مدى مصداقية الديمقراطيين وثقة الشعب فيهم وقدرتهم على إقناعه بأن الحركة الإسلامية خطر على الحريات وإقناع قيادة الجيش بوضع المؤسسة العسكرية خارج السياسة. وفي انتظار ذلك فإن النظام الجزائري اليوم ليس عسكريا ولا إسلاميا ولا ديمقراطيا بل هو مزيج من الفئات الثلاث. مكاسب وتجاوزات ـ بصفتكم مناضلا قديما من أجل حقوق الإنسان وتعرضتم للسجن والمنفى في عهد الحزب الواحد. وتشاركون اليوم عبر الكتابات والمداخلات في تنوير الرأي العام. كيف تقيمون حقوق الإنسان في الجزائر حاليا؟ ـ للحديث عن حقوق الإنسان في الجزائر أو في غيرها يجب أن نفرق بين النصوص والممارسات. فمن حيث النصوص يضمن الدستور الجزائري الحريات الأساسية وحقوق المواطن. كما أن الدولة الجزائرية صادقت على جميع المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وأنه بالإمكان اليوم إنشاء جمعيات حقوقية بكل حرية. كما أن قانون الإجراءات الجزائية يضمن حقوق الدفاع حسب المقاييس الدولية. ولكن عندما ننتقل الى الممارسات نلاحظ أن حقوق الإنسان الفردية والجماعية تنتهك يوميا. فحرية الاجتماعات تخضع لقيود إدارية والمسيرات صارت ممنوعة بمقتضى قانون الطوارئ والتعددية تحولت الى مجرد تعدد أحزاب يخضع نشاط معظمها إرادة السلطة. واخطر من كل ذلك فان التعذيب يمارس بشكل واسع حتى على الموقوفين بسبب جرائم القانون العام، ناهيك عن الاعدامات غير القضائية و وفاة أشخاص تحت التعذيب واستمرار الحجز لمدة أسابيع في إطار محاربة الإرهاب. ورغم كل هذه الانتهاكات، ينبغي أن نعترف بأن حرية الصحافة المكتوبة في الجزائر صارت شبه مطلقة والتعبير في هذه الصحف لا يخضع لقيود. ومقابل ذلك تحتكر السلطة وسائل الإعلام الثقيلة كالتلفزيون والإذاعة ولم تسمح بأي نقاش حر في هذه الوسائل. ويمكن أن نلخص ونقول بأن حقوق الإنسان في الجزائر خطت خطوة كبيرة من حيث النصوص ولكنها تتعرض لاعتداءات خطيرة من حيث الممارسات. ـ تختلف الآراء بصدد تداعيات الأزمة في القبائل فمن المتتبعين من يرى بأنها عامل من شأنه التعجيل بتحقيق الديمقراطية ومنهم من يرى بأنها عامل لتعطيلها، فماذا ترون؟ ـ أشير أولا الى أن الحركة الثقافية البربرية أدت انطلاقا من عام 1980 خاصة الى تحطيم الطابوهات والمساهمة في نشر فكرة التعددية والديمقراطية. ويمكن أن نقول إنها كانت نواة لتعدد الأحزاب الذي اعترفت به السلطة بعد أحداث أكتوبر 1988. ولا شك أن «حركة المواطنة» في القبائل ( الاسم الأصلي للقوى المنظمة التي أطرت الحركة الاحتجاجية ويطلق عليها العامة اسم العروش) ستحول دون وصول الأصوليين الى السلطة وتعجل بعودة العسكريين الى الثكنة وستؤدي الى لا مركزية واسعة تسمح لجميع المناطق بمعالجة مشاكلها اليومية عن طريق مجالس جهوية. ومن هنا فإن ما يحدث في منطقة القبائل سيؤدي حتما الى تحقيق الديمقراطية على المدى المتوسط. القاعدة المعكوسة ـ يجري الاستعداد لإجراء الانتخابات البرلمانية في 30 مايو المقبل وفي نفس الوقت تصر حركة المواطنة أو ما يطلق عليه عادة اسم «العروش» على منع إجرائها في القبائل. كيف تنظرون الى الموضوع؟ ـ أود أن أبدأ بقاعدة عامة هي أنه حين تشتد الأزمات تطالب القوى الديمقراطية بإجراء انتخابات عامة قصد السماح للشعب باختيار حكومة تعمل من أجل ضمان الحريات والديمقراطية. لكن نلاحظ في الجزائر تطالب في وقت الأزمات بالمراحل الانتقالية. وقد يكون ذلك بسبب تزوير الانتخابات بكيفية متكررة أو بسبب السماح لبعض الجماعات بممارسة السلطة في الهيئات الانتقالية لكون هذه الجماعات لا تستطيع الوصول الى السلطة عن طريق الانتخاب. إن التشريعات انتخابات وطنية ولا يمكن أن تنظم دون مشاركة منطقة من مناطق البلاد وجميع المعطيات اليوم تشير الى أن منطقة القبائل لن تشارك في انتخابات 30 مايو إلا إذا سارعت السلطة لحل الأزمة بالاستجابة الفعلية لأهم المطالب التي رفعتها الحركة الاحتجاجية وضمنتها في «أرضية القصر». وإذا كانت بعض التصريحات تشير الى إمكانية إجراء الانتخابات في وقتها المحدد ولو بدون مشاركة منطقة القبائل التي سيسمح لها بانتخاب ممثليها لاحقا، فهذه التصريحات في تقديري غير مسئولة لأن الانتخابات التشريعية يجب أن تنظم على مستوى الوطن وإذا تعذر ذلك تؤجل لغاية توفر الشروط. ويبقى حل الأزمة ومشاركة منطقة القبائل في يد السلطة. أما مصداقية الانتخابات في الجزائر فلا تحتاج الى حل أزمة القبائل فحسب بل تحتاج الى وجود إرادة سياسية لدى السلطة والأحزاب في تنظيم انتخابات حرة غير مزورة، وتخلي الأحزاب عن التفاوض مع السلطة حول عدد المقاعد التي ستضمن لها في البرلمان. حاوره في تيزي أوزو: مراد الطرابلسي