كان ذلك يوم البراميل السوداء. وكل من يعيش على امتداد شاطئ غزة يتذكر ذلك اليوم. فقد حملت براميل نفط كبيرة مطلية باللون الاسود انجرفت الى الشاطئ بفعل المد قبل عام ونصف العام، حملت كميات اكبر من البنادق مما استطاع الفلسطينيون تهريبه عبر انفاق رفح. وطوال الليل ونهار ذلك اليوم ظلت البراميل تتدفق محمولة على موجات المد. تأخر عملاء اسرائيل قليلاً في ابلاغ سادتهم بالنبأ ومضت ساعات عديدة قبل ان تأتي الزوارق الحربية الاسرائيلية لتجوب الساحل وتسحب بعضاً من البراميل من الماء. وكان اطفال غزة هم من فتحوا اول برميل يرسو على الرمل ليجدوا انه مكدس بالقنابل اليدوية وبنادق الكلاشنكوف وقذائف الهاون. ولكن السؤال المطروح هنا هو: من اين جاءت تلك البراميل؟ قام احد المسئولين الفلسطينيين باستدعاء احد تجار المخدرات، الذي وصفه بقوله انه: «شخص بغيض لم يكن يريد القدوم لرؤيتي» وقدّم له القهوة. وهكذا علم بسر احد اعمق الالغاز في غزة. فقد عرف من ارسل البنادق كيف يستخدم مهربو المخدرات موجات المد. وقال المسئول الفلسطيني: «اخبرني هذا الرجل أن هناك مكاناً يبعد ما بين 25 الى 30 ميلاً عن الشاطئ، ويعرف باسم «البركة» يقوم المهربون باسقاط رزمهم فيه. فيحملها المد الى الشاطئ بين ايريز ورفح». واضاف هذا المسئول الفلسطيني قائلاً: «ان تيار الماء في البحر يشبه الطريق في الصحراء. فالناس يعرفون الوقت الملائم لاسقاط بضاعتهم بجانب المركب وكذلك الوقت الذي ستستغرقه في الوصول الى غزة ـ وهو اقل من اسبوع. هؤلاء قوم محترفون، وهم يعرفون كيف يهربون البنادق الى الداخل». ان الجيش الاسرائيلي يدرك جيداً مدى التسلح الجيد الذي اصبح عليه قطاع غزة، وهذا لا يعود فقط الى التقاطه بعض البراميل. فقد ظهرت بنادق من طراز «الجليل»، وبنادق قنص اسرائيلية في قطاع غزة، كان قد تم شراؤها في ما كان يعرف بالمنطقة «ب» بالضفة الغربية ـ وهي منطقة كانت تدار بشكل مشترك من قبل الاسرائيليين والفلسطينيين بموجب اتفاق اوسلو ـ وذلك بمساعدة من وسطاء اسرائيليين. وكما يقول الفلسطينيون، فإن هؤلاء الاخيرين يتألفون في الغالب من مهاجرين روس وصلوا حديثاً الى اسرائيل. كما ان هناك الكثير من الاسلحة الاخرى التي شقت طريقها الى غزة في السنوات التي سبقت اتفاقية اوسلو بقليل. وأوضح محام فلسطيني ان مجموعة من الاسرائيليين ـ ربما كانت وحدة عسكرية تعمل تحت غطاء من السرية ـ قامت بمحاولة في عام 1991 تهدف الى اغراق السوق غير الشرعية بالاسلحة من اجل اثارة معركة بين الحركات الاسلامية الفلسطينية والجماعات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في غزة. ويقول هذا المحامي: «لم اصدق انه سيكون هناك الكثير من الاسلحة في الجوار. فالاشخاص يأتون ويقولون: هل تريد 50 قطعة (بندقية)؟ اذن جهز مالك! والآن في هذه المرحلة، الكل كان يعرف ان الفصائل الوطنية ـ فتح والجبهة الشعبية واخرين ـ تعيش حالة افلاس. و(حماس) هي الوحيدة التي تملك المال والاسرائيليون في نهاية المطاف ليسوا اغبياء. فهم عرفوا انهم اذا ما اغرقوا السوق بالبنادق، فانها ستذهب الى الحركات الاسلامية. وقد كانت هناك مئات القطع ـ بنادق من طرازي إم 16 والجليل ومسدسات ـ لكن 80% منها ذهبت الى (حماس). لقد اراد الاسرائيليون ان تكون هناك حرب اهلية بين الفلسطينيين. ولحسن الحظ تمكنا من تجنب هذا الامر واحتفظنا بالبنادق لهذه اللحظة. الاسرائيليون لم يفكروا بهذا الامر. وكما يقولون هنا، فإن: «حسابات الحقل اختلفت عن حسابات البيدر». الصواريخ قصيرة المدى والمتفجرات جاءت عبر الانفاق الواقعة تحت السياج الحدودي في رفح ـ الحدود مراقبة من قبل القوات الاسرائيلية ومن الجهة الاخرى من قبل المصريين ـ لكن الفلسطينيين المنشغلين بالاعداد للدفاع المستقبلي عن غزة يبقون متحيرين بشأن السفينة الغامضة «كارين ايه»، وهي السفينة التي كانت محملة بالاسلحة واقتادتها البحرية الاسرائيلية الى الشاطئ في وقت سابق من هذا العام. وعلى اساس الرحلة الغريبة لهذه السفينة وجهت الولايات المتحدة لومها لايران لمحاولتها تهريب الاسلحة للسلطة الفلسطينية ولياسر عرفات لتورطه المزعوم في هذه العملية. احد الرجال الضالعين في مجال حركة الاسلحة له نظرياته الخاصة حول السفينة «كارين ايه». ويقول هذا الرجل حول هذا الموضوع: إنني اعرف من كان يقف وراء هذه العملية، وهو شخص قذر اعتاد التورط في قضايا المخدرات، وهو فلسطيني سبق له ايضا ان عمل مرة لصالح عرفات، والآن اليكم ما اخبرت به: ان تلك الاسلحة التي «عثر عليها» على متن السفينة لم تأت من ايران ابدا. فالسفينة «كارين إيه» وقفت في المياه قبالة اليمن لمدة يومين، حيث تم احضار الاسلحة من مستودع قديم للاسلحة تابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في اليمن. ويتابع الرجل: هل تعتقد ان من الممكن حقا تهريب الاسلحة على متن سفينة عبر البحر الأحمر بوجود الرقابة السعودية والاسطول الامريكي في المياه هناك؟ هل تعتقد حقا ان بمقدور تلك السفينة ان تعبر قناة السويس من دون ان يتم فحصها من قبل المصريين؟ ان عبور قناة السويس يمثل مهمة مستحيلة. ونحن لا نتحدث عن زوارق سريعة من طراز «زودياك» فهذه كانت سفينة كبيرة، ولهذا فانها لم تسر سوى بضعة أميال. وفي الحرب السرية الخاصة بتهريب السلاح، فان هذه القصة قد تكون مجرد طريق خاطيء، ولكنها تطرح بالتأكيد عددا من الاسئلة المثيرة للاهتمام، ليس اقلها ما يدعيه الرجل الفلسطيني نفسه من ان تاجر المخدرات نفسه الذي يقال انه رتب لرحلة السفينة «كارين إيه» موجود الآن داخل مقر عرفات المحاصر في رام الله. لكن الفلسطيني ذاك لا يعرف ما اذا كان التاجر موجوداً هناك بصفته سجينا ام متعاونا. وبالطبع، فان اسرائيل تتهم الفلسطينيين منذ فترة طويلة بانتهاك بنود اتفاقية اوسلو من خلال حيازة كميات من الاسلحة تفوق ما هو مسموح لهم. ومن الناحية التكتيكية فان الاسرائيليين على حق، لكن ذلك يستدعي على الفور القول إن اتفاقية اوسلو لا تتيح للاسرائيليين اعادة احتلال المدن في الضفة الغربية. ويتساءل المحامي الفلسطيني قائلا: «لماذا يعتبر من غير المشروع ان يقوم الفلسطينيون بحيازة هذه الاسلحة؟ ويتابع ان الشرعية تكتسب من خلال الدفاع عن شعبك، الاسرائيليون يملكون الدبابات وطائرات الإف ـ 16 التي يستخدمونها ضدنا. فلماذا اذن لا يمكننا نحن ان نقتني الاسلحة؟ في نهاية المطاف، لا يمكنك ان تكون حملا في غابة من الذئاب. عن «اندبندنت»