تملأ الادارة الامريكية الدنيا بالحديث عن خشيتها من تعرض المدن الامريكية الكبرى لموجات من الهجمات بالأسلحة الجرثومية التي قد تحصد أرواح الملايين. وقد مضت السلطات الامريكية قدماً فأعدت سيناريوهات مختلفة لمواجهة هذه الاحتمالات . وعلى الرغم من حملات واشنطن المناهضة لتطوير اسلحة الدمار الشامل، الا انها تلتزم الصمت المطلق ازاء ما لدى اسرائيل من اسلحة تقدر بما لا يقل عن 400 قنبلة نووية. ومؤلف هذا الكتاب هو بروفيسور ليونارد كول الاستاذ المساعد للعلوم السياسية والتقنية بجامعة روتجرز ، وقد حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا عام 1961 وعلى الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا عام 1970 وله العديد من الابحاث والمؤلفات في موضوع هذا الكتاب. سحبت لجان مدنية امريكية الثقة من الجيش الامريكي واتهمته بتطوير اسلحة جرثومية جديدة اعتمادا على تطوير جينات جرثومية خاصة، ودعا المئات من العلماء علماء البيولوجيا والكيمياء عدم الانصياع للجيش الامريكي لتوظيف جهودهم خدمة لاسلحة الدمار الشامل، وكالعادة دعت بريطانيا لمعاقبة منتجي الاسلحة البيولوجية من خلال «السوط الرادع». في اوائل عقد الثمانينيات تعرضت سلامة معاهدة الاسلحة البيولوجية لتحديات الاتجاهات المتعارضة. وزعمت الادارة الامريكية ان السوفييت ينفذون برنامجا عسكريا يشكل انتهاكا للمعاهدة. وفي الوقت ذاته اقترح نقاد احتمال حدوث انتهاكات للمعاهدة من خلال الانشطة التي تقوم بها الولايات المتحدة نفسها. وتكشفت هذه المواقف عن مدارس فكرية متعارضة بين المراقبين واستقرت بعض هذه المدارس على الاعتقاد بضرورة اللجوء الى الحل العسكري مؤكدة على ضرورة الحاجة للقوة العسكرية لمواجهة خطر تحديات الاسلحة البيولوجية اما المدرسة الثانية فرأى انصارها ان المخاطر الناجمة عن تطوير الاسلحة الجرثومية للجيش الامريكي قادمة وحث هؤلاء على ضرورة وجود رقابة مدنية على الابحاث العسكرية وعلى اقامة نظام تحقق لضمان الامتثال لشروط المعاهدة. وهناك ايضا مجموعة محدودة من انصار الاحكام المطلقة اي الاصرار على الحلول العسكرية الوقائية من خلال تطوير اسلحة مضاده، ويدعم هؤلاء ايضا سياسة التحقق، ويعتقدون بضرورة وجود رقابة مدنية، لكنهم في الوقت ذاته يؤكدون على ضرورة توفير الحماية المناسبة للقوات المسلحة. لكن بعض المدافعين عن هذا الموقف كانوا يميلون بقوة باتجاه هذه المقارنة او الاخرى، وعلى الرغم من تبلور هذه المواقف القائمة على الانشقاقات، فان جراهام بيرسون عرض اقامة اطار واسع يعتمد على الوسطية. سوط بيرسون في العام 1992 بدأ بيرسون وكان يشغل منصب رئيس المؤسسة العسكرية البريطانية الكيماوية والبيولوجية، يستخدم تعبير «السوط الرادع» من حين لآخر في مناقشاته حول الحيلولة دون وقوع حرب كيماوية او جرثومية، ويكون سوطه بداية من ثلاثة اشرطة او احزمة، هي على التوالي مراقبة التسلح بالتحقق وارسال وفود للمراقبة، والحماية، ولاحقا اضاف حزاما رابعا هو الرد على حيازة تلك الاسلحة او استخدامها، وكان بيرسون مغرما بعبارته هذه حيث اخذ يكررها في سبع من مقالاته واوراق العمل التي كان يقدمها. فعلى صعيد الاسلحة البيولوجية على سبيل المثال قال: «يتطلب الامن القومي والدولي ان تبذل كل الدول جهدا لتثبيط اي تفكير بحيازة الاسلحة البيولوجية ان السبيل لتحقيق ذلك يكون من خلال «السوط الرادع» الذي يتكون من اجراءات وقائية فعالة تقلل من احتمالات استخدام العدو للاسلحة البيولوجية وكذلك تعزيز قوة معاهدة الاسلحة السامة والبيولوجية بانشاء نظام تحقق قادر على التدخل بفعالية وارسال مراقبين الى الخارج للتحقق واستطلاع ومراقبة حيازة وضع المواد البيولوجية مما يجعل امكانية حيازة تلك المواد او صنعها اكثر صعوبة وكذلك تحديد ردود الفعل الوطنية والدولية ازاء الدول التي ترفض الامتثال. وقوبلت الاحزمة الاربعة التي اقترحها بيرسون بدعم متباين وابدت الولايات المتحدة دعمها لحزام تصدير المراقبة وليس الحزام الخاص بالتحقق، وعلى النقيض فقد ساند اتحاد العلماء الامريكيين التحقق ورفضوا تصدير المراقبة وتساءل اتحاد العلماء ما اذا كان تصدير المراقبة سيكون مؤثرا، ويعتقد ان معارضة بعض البلدن تصدير المراقبة انما يعرقل مصادقتها على بروتوكول التحقق. اما الحزام الثالث، وهو الرد فيتضمن احتمال الرد العسكري اذا تم اكتشاف ان دولة تحوز السلاح البيولوجي او انها قامت باستخدامه، وتبدو الفكرة ذات قيمة. والواقع ان التهديد بالانتقام ادى الى ردع العراق من استخدام الاسلحة الكيماوية والجرثومية في حرب الخليج الثانية العام 1991 لكن الرغبة الدولية في فرض عقوبات او استخدام القوة بدت تاريخيا مواقف غير ثاتبة. ولكن لن يكون الحزام فعالا الا بفرض عقوبات على كل من ينتهك شروط المعاهدة. اما الحزام الباقي فهو الحماية وهي تلمس خلافين قائمين منذ فترة طويلة حول الدفاع البيولوجي. معضلة الهجوم والدفاع وحدود حماية بيئة سكانية كبيرة. معضلة الهجوم والدفاع في مجال نزع السلاح كان العام 1969 عام تحول مثير وجاء شجب نيكسون للاسلحة البيولوجية مقدمة للتوقيع على معاهدة حظر استخدام الاسلحة البيولوجية العام 1972، وهي المعاهدة الاولى التي تحظر فئة بكاملها من اسلحة الدمار الشامل، الا ان الولايات المتحدة اضطرت للقيام بدور بهلواني لم يسبق له مثيل عندما احتفظت ببرنامجها العسكري. واعتبر البرنامجان الهجومي والدفاعي الشيء نفسه في الغالب حتى اعلان نيكسون، وكان تقرير للبنتاجون ذكر في 1949 ان: المعلومات التي يتم الحصول عليها من الابحاث حول الجانب الدفاعي للاسلحة البيولوجية هي في الجانب الاكبر قابلة للتطبيق على المشكلات الهجومية ايضا، واشارت مطبوعة في وقت قريب من 1968 الى ان «البحث والتطوير في الجوانب العسكرية الهجومية للاسلحة البيولوجية استمر جنبا الى جنب مع التطوير الدفاعي لانه في الحقيقة لا يمكن الفصل بينهما: وبعد عام 1969 انقلب الموقف الرسمي الامريكي رأسا على عقب واعلن الآن النشاط الدفاعي نشاطا مميزا ومنفصلا وصرح ناطق عسكري امريكي ان التشابه الوحيد بين الابحاث الدفاعية والهجومية هي ان تقنيات المختبرات المشتركة تستخدم في كل مختبر من البداية ولكن الفرضيات التجريبية لقيت، حتى منذ البداية معارضة شديدة. واعتبرت فكرة الابقاء على الابحاث العسكرية في التقنية البيولوجية لاستخدامها في الاغراض الدفاعية «بكل وضوح مجرد هراء». والسؤال الآن هو: ايهما اصح موقف الجيش قبل العام 1969 او موقفه المتناقض في العام 1969؟ ويرى العالمان جوناثان كينج وهارلي شتراوس من معهد ماساشوستس التقني ان الاجابة على هذا السؤال لا تقبل النزاع: ينبغي ملاحظة ان عدم وضوح برنامجي الهجوم والدفاع ليس محدودا بالابحاث بل يطال التطوير والاختبار والانتاج والتدريب. وناقش شتراوس وكينج حجر زاوية الابحاث الدفاعية، تطوير اللقاحات، الذي يتطلب انتاج العناصر البيولوجية، واصبحت العناصر ضرورية ليس فقط في تشكيل اللقاحات بل باختبار فعاليتها وينبغي في هذه الاختبارات تنمية عنصر مساعد وتحريضه لاصابة حيوان وانسان ولاشك في ان المعلومات الناتجة كانت ذات قيمة واحدة بالنسبة للبرامج الهجومية والبرامج الدفاعية على حد سواء. وخلال حرب الخليج الثانية برزت المعضلة من جديد، وكانت الولايات المتحدة قد جنت حصادا كبيرا من سم البوتولينوم قبل الحرب وخلالها، وهو مايكفي لصنع التطعيم. ولكن حتى يمكن تحييد نشاط السم لم يكن احد يستطيع التأكد مما اذا كان سينتج ذاك السم لاغراض دفاعية او هجومية. وظهرت صعوبات اضافية ذات صلة باللقاح باعتباره وسيلة دفاعية في حرب بيولوجية ولوحظ ان استجابة كاملة للتحصين قد لاتظهر نتائجها الا بعد شهور من استخدام التطعيم، وحتى ذلك الحين يمكن ان يؤدي التعرض لمادة مجرثمة الى التغلب على التطعيم المفترض. ومن اعظم المشكلات خطورة هي التي يشكلها تنوع عناصر الحرب البيولوجية وامكانية ان يلجأ العدو الى تغيير الهياكل الجينية للجرثوم. وفي الحقيقة لا يستطيع الجيش تجاهل هذه الملاحظات لانها واقعية ولكن ناطقا باسم مختبرات الجيش في فورت ديتريك بولاية ميرلاند نقل التركيز حول هذه المسألة بالتأكيد على واجب الجيش والتزامه بحماية القوات ضد الاسلحة البيولوجية «باللجوء الى كل وسيلة طبية ممكنة» ولتحقيق هذه الغاية اخذ الجيش بتطوير امصال مضادة للعديد من العناصر المحتملة. وبين العامين 1949 و 1969 اجرى الجيش المئات من الهجمات الجرثومية في انحاء امريكا فتم رش البكتيريا والمواد الكيماوية من القوارب ومن السيارات المتحركة ومن الحقائب ومن المصابيح الصغيرة التي تلقى على قضبان السكك الحديدية في قطارات الانفاق. واما ادوات نقل تلك الجراثيم فهي رخيصة وبسيطة، مثل المراوح او الحاويات الزجاجية التي يمكن شراؤها من اي محل لبيع الاحتياجات المنزلية. وفي 1996 اكد ناطق باسم الجيش الامريكي ان «انظمة معقدة» لاجهزة نقل الجراثيم ليست ضرورية. وقال «يمكن استخدام علب رش المبيدات الحشرية لرش اي عناصر بيولوجية حربية». ولا يعني اي من هذه الاساليب أن الجيش ضالع في انشطة غير شرعية. لكن ميل مسئولين امريكيين للتقليل من التشابك بين ما هو دفاعي وهجومي يثير الحيرة والقلق. واثار الشبهات تقرير صادر في 1993 يفيد بأن باحثين يعملون بتمويل من الجيش يقومون بتطوير سلالة مقاومة من المضادات الحيوية لمقاومة الجمرة الخبيثة «الانتراكس» ومصل مقاوم للسم الوثيقي (الحوبي). واتفق الجميع على عدم الاكتراث لكل ذلك، وقد ذكر ان الفرق بين البرامج الهجومية والدفاعية هي تقاسم المكونات نفسها بينما كانت الكلمة الرئيسية والمهمة هي «النية». وقد اشير الى هذا التقيد في كتاب صدر في 1992 حول الجوانب الاخلاقية والسياسية لابحاث تطوير البرامج الدفاعية والهجومية هي النية (التأكيدات الاساسية) وهي في افضل احوالها مسألة شائكة ومثيرة للجدل. اننا نفترض دوماً انه اذا ما تم تنفيذ الابحاث الدفاعية في العلانية فإنها ستخضع لمراقبة طافية واذا نشرت نتائجها فإن ذلك يعني ان الابحاث من اجل السلم. ولكن كيف لأي عالم ان يدري ان تلك الاجراءات الوقائية سيتم الالتزام بها عندما تقوم العالمة او العالم بمباشرة ابحاث تشرف عليها وزارة الدفاع. واهم من ذلك كله، هل ستضمن هذه الاجراءات الوقائية في الحقيقة بأن يستخدم البحث فقط من اجل اغراض سلمية؟ امكانات الدفاع من الممكن الوقاية ضد اي هجوم بيولوجي لكن في اوضاع معينة، الا انه من الضروري التعرف بدقة على العنصر المجرثم. والشرط ان يكون اللقاح سريع الاستجابة للمادة المجرثمة التي تم التعرض لها. واذا وفرت المضادات الحيوية او المواد الطبية المعالجة الاخرى علاجاً فعالاً، فينبغي ان يعطي العلاج او اللقاح في الحال بعد التعرض للجرثوم. واذا لم تدم فعالية العلاج طويلاً فيمكن استخدام الاقنعة الواقية قبل ان يتم التعرض. ويحتاج الهجوم الكيماوي الى اقنعة وملابس واقية خاصة. ولكن البيئات المسممة كيماوياً يمكن ان يتم رصدها مبكراً وتخليصها من التلوث. ووفقاً لظروف معينة فإن جهود الوقاية قد تكون فعالة حتى انها من الممكن ان تستخدم هذه المعايير في مساعدة الجنود في ميدان المعركة. وينبغي ان تكون وسائل الوقاية متوفرة دائماً. ولكن عندما تكون الكثافة السكانية كبيرة فإن سيناريوهات الدفاع تبدو غير محتملة. التلقيح بدأ النقاد يرون ان برنامج الدفاع البيولوجي الامريكي غامض ومستفز ويوميء بقوة بأهدافه الهجومية. والاكثر من ذلك فإن التنوع غير المحدود لعناصر الحرب البيولوجية يعني ان تحصين السكان ضد اي هجمات قد يرقى الى الخداع الذاتي. ودفع ذلك الى تبني دعوات لتدمير مركز التحصين الخاص بالجيش، وساد تصور قوامه ان الاخطار المرتبطة بالجهود لا تساوي اي قيمة قد تنجم عنها. ويؤمن فيكتور سيدل، الرئيس السابق لرابطة الصحة العامة الامريكية، بوضع جميع الاغراض السلمية تحت رعاية الوكالات المدنية مثل المعاهد القومية (الامريكية) الصحية ومراكز السيطرة على الامراض. ويتفق معها مجلس الجينات المسئولة في بوسطن. وفي اواخر الثمانينيات وزع المجلس عريضة ضد الابحاث البيولوجية السرية محذراً من ان الاستغلال الجيني تحت رعاية برنامج الجيش (الامريكي) يمكن ان يؤدي الى انتاج اسلحة جرثومية بنوعية جديدة في نهاية المطاف ووقع على العريضة نحو 4000 شخص. وبحلول العام 1991 وقع اكثر من 1500 عالم عريضة ثانية لمجلس الجينات المسئولة، وطالبوا علماء الاحياء والكيمياء بالتعهد بعدم تقديم اي دعم علمي للابحاث والتعليم البيولوجي او الكيماوي العسكري الذي قد يؤدي الى المزيد من تطوير عناصر كيماوية وبيولوجية. وعندما يتم الاخذ في الاعتبار حماية هدف سكاني فإن عملية التحصين تشكل عائقاً حتى عندما تكون طبيعة الجرثوم معروفة مقدماً ولا ادل على ذلك من التهديد الذي شكله الانتشار الوبائي «لانفلونزا الخنزير» في اواسط السبعينيات. وعلى الرغم من ان الحكومة حثت السكان الامريكيين على السعي لاخذ تحصينات، فإن قلائل هم الذين استجابوا، وفي الختام لم ينتشر الوباء، لكن الاشخاص الذين تلقوا تحصينات اصيبوا بأعراض جانبية خطيرة. وبهذه الصورة فمن غير المرجح ان يتجه الناس للاستجابة الى الدعوة للتحصين ضد اي اسلحة بيولوجية طالما ان نموذج انفلونزا الخنزير كان ماثلاً امامهم. والواقع فإن الصعوبة في تطوير لقاحات لبعض انواع العناصر الجرثومية ليست افضل حالاً مما يبرزه نموذج فيروس الايدز فمنذ اوائل الثمانينيات يسعى المحققون في انحاء العالم لايجاد علاج وتلقيح ضد مرض الايدز، فخلال العامين 1985 و 1995 انفقت الولايات المتحدة اكثر من 10 مليارات دولار على برامج ابحاث الايدز وانفق 10 في المئة من هذا المبلغ على ابحاث التطعيمات واضعف البحث الجهود الرامية لايجاد لقاح ضد اي عنصر بيولوجي عسكري. ومع ذلك فلم تفض الجهود لايجاد لقاح ضد الايدز عن اي نتائج مثمرة. وبعيداً عن اللقاحات، فإن استخدام ألبسة واقية يمكن ان تساعد ولكن لفترة محدودة، فإن ترسخ جرثوم في بيئة مناسبة فالظروف يمكن ان تبقى خطيرة وغير قابلة للعلاج مثلما يحدث عندما تمتلئ بيئة ما بالاشعاعات بعد هجوم نووي. ان المفهوم الدفاعي الشائع في مثل هذا الوضع يصبح عديم الجدوى. لكن اللقاحات والمعدات الواقية ليست التحديات الوحيدة في جعبة الدفاع البيولوجي ويبدو تحديد نوعية الكائن الجرثومي بسرعة في وضع ميداني يشكل مشكلة ايضاً كما تبرز صعوبات في تحديد ما اذا كان وقع هجوم بيولوجي ايضاً وفي النتيجة فقد بدأ البنتاجون في اهمية أكبر لعملية الرصد.