في منتصف التسعينيات كانت القيادة العسكرية الامريكية في البوسنة والهرسك تبحث عن وسيلة للتسلل الى برامج التلفزيون المحلي هناك، وذلك لبث دعاية لصالح قوات حفظ السلام التابعة للناتو في صفوف الشعب البوسني. وتمثل المحك في ايجاد ما يمكن وصفه بحصان طروادة، وذلك في شكل مباريات لدوري كرة السلة الامريكي للمحترفين والمسلسل التلفزيوني «باي واتش» المليء بفتيات فاتنات وتدور احداثه كلها على شواطيء البحر، وتتخلل هذا المسلسل وتلك المباريات رسائل عسكرية تكتب اسفل شاشة التلفزيون لدعم قوات حفظ السلام وحث ابناء الشعب البوسني على الوقوف بجانبها. وعلى مدار العقد الماضي، اصبح استخدام هذا النوع من «العمليات الاعلامية» التي تهدف الى التأثير في الآراء وخداع الخصوم جزءا لا يتجزأ فعلاً من جميع العمليات العسكرية الامريكية في شتى أرجاء العالم، لاسيما في الوقت الذي يعتقد الباحثون الاستراتيجيون بشكل متزايد ان الهيمنة الاعلامية غدت المفتاح لحفظ السلام وكسب الحروب. وتشمل مثل تلك العمليات حملات اعلامية «بيضاء» تقوم اساساً على تحري الصدق بشدة من اجل كشف زيف المعلومات الخاصة والمضللة عندما تكون مصادر تلك المعلومات غير واضحة وايضا تشمل حملات خداعية تستهدف تضليل العدو. وفي عمليات الاعداد التي سبقت حرب الخليج الثانية عام 1991، قامت قيادة التحالف العسكري الدولي بالقاء زجاجات تحمل منشورات عليها شعارات قوات المارينز الامريكية من طائرات هارير النفاثة في مياه الخليج قبالة الساحل الشمالي للكويت، وذلك في نطاق حملة نفسية مرتبطة بالتدريبات العسكرية تستهدف خداع الرئيس العراقي وجعله يعتقد ان الولايات المتحدة سوف تهاجم من الشمال. غير ان تلك الاولوية التي تخصصها القيادة العسكرية الامريكية لتوجيه الرأي العام كاحدى الوسائل الحاسمة في حروب القرن الواحد والعشرين قد اثارت اسئلة ومساءلات اخلاقية حول كيفية قيام امريكا بخوض المعركة، وهي تستهدف «القلوب والعقول» ومن هي الاطراف المستهدفة. وفي الوقت نفسه، فإن الجدال الدائر بين العسكريين حول كيفية تحديد وتعريف مفهوم «العمليات الاعلامية» التي يمكن ان تشمل قدراً واسعاً من الاعمال والاجراءات يفضي الى القول بأن هناك نوعاً من المخاطرة يتمثل في ان الخط الذي يفصل بين الدعاية المشروعة والخداع غير القانوني يمكن ان يصبح غير واضح المعالم. ومؤخراً ثارت موجة من الجدل المحتدم حول تقارير افادت ان مكتب التأثير الاستراتيجي الجديد التابع للبنتاجون يخطط لنشر معلومات مغلوطة في وسائل الاعلام الخارجية وبين المسئولين الدوليين في نطاق دعاية اوسع لدعم الحرب ضد الارهاب. وقد نفى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بشكل فوري أن يكون المكتب، الذي تم انشاؤه في نوفمبر الماضي ويتولى رئاسته قائد السلاح الجوي سيمون بيت وردين، قام بنشر اكاذيب بشكل متعمد. وقال في هذا الشأن: لا يقوم البنتاجون بنشر معلومات مضللة للصحافة الاجنبية أو اي صحافة اخرى. واكد بيان صدر عن البنتاجون ثانية انه طبقاً لسياسة وزارة الدفاع لن يقوم المكتب تحت اي ظروف او يقوم القائمون عليه بشكل متعمد بنشر معلومات مضللة لوسائل الاعلام الامريكية أو الاجنبية أو للشعب. وأجمع خبراء في الحملات الاعلامية العسكرية على ان الكذب إذا لم يكن يستهدف خداع العدو، فإنه ينطوي على غياب للحكمة ويحمل في طياته مخاطر متمثلة في افساد المصداقية العسكرية للولايات المتحدة وردود فعل قد تأتي بعكس النتائج المرجوة. ويقول الكولونيل تشارلز بورشيني احد القادة ذوي الخبرة الطويلة في العمليات العسكرية النفسية والذي يعمل الآن في معهد البوتوماك للدراسات السياسية في أرلينجتون: قول الصدق اكثر أماناً، وقول الصدق يفيدك بشكل كبير، لأنك لا تريد ان تكون في موقف لا يصدقك فيه الناس. وتعكس المناقشات الدائرة بشأن مكتب التأثير الاستراتيجي الصعوبات التي تلاقيها البيروقراطية العسكرية في الوصول الى سياسة واضحة للعمليات الاعلامية في عالم تسيطر عليه تكنولوجيا المعلومات بشكل كبير ويتغير بشكل سريع، على حد قول الخبراء. ويقول تشك دي كارو، مؤلف سلسلة من الكتب حول حرب الشيفرات والمعلومات الذي يحاضر حالياً في جامعة الدفاع القومي: «نحن لدينا طبقة بيروقراطية تدار بعقلية عصر الآلات، وتحاول ان تتعامل مع مشكلات عصر المعلومات بينما لا تملك المرونة الكافية للقيام بحل تلك المشكلات». ويضيف: هناك حاجة الى قدر أكبر وأفضل وأسرع من الافكار فأنت لست مضطراً للكذب او اعتماد الخداع، وكل ما عليك ان تقوم بالأمر بشكل افضل من الطرف الآخر. ويعترف البنتاجون بأن مكتب التأثير الاستراتيجي لايزال في طور البداية وبأنه لم يدخل بعد مرحلة النضوج. ويقول راندي ساندوز المتحدث باسم البنتاجون: لم يتم بعد تحديد دور مكتب التأثير الاستراتيجي. فهو في الاساس عمل في مرحلة التطوير. ويضيف ان موظفي المكتب.. يحاولون اكتشاف ما يريدون فعله. لايزال الخبراء العسكريون يقولون ان هدف «العمليات الاعلامية» المتمثل في منع الحروب وحماية الأرواح هو الهدف الساري المطبق في تلك العمليات.ويقول دان كيول من كلية حرب المعلومات التابعة لجامعة الدفاع القومي الامريكية ان «التأثير الاستراتيجي الآخذ في التنامي لثورة المعلومات كان هو الدافع وراء تكوين مكتب التأثير الاستراتيجي، وهذا المكتب لا يقوم بتغيير الطريقة التي تحارب بها الجيوش فقط ولكنه ايضا يغير كيفية تعامل الدول والمجموعات السياسية فيما بينها واذا تم استغلاله بشكل مؤثر، فربما لن يكون عليك خوض المعركة». ومنذ بداية الحرب على الارهاب اكد البنتاجون الحاجة الى مواجهة المشكلة المتنامية المتمثلة في التضليل المعلوماتي الذي يستخدمه العدو. وقد قال احد المسئولين الكبار في البنتاجون في اكتوبر الماضي ان «التضليل المعلوماتي عملية قبيحة ولفظ صعب لانه لا يوجد احد يريد ان يتم تضليله، ولكنه امر يستخدمه اعداؤنا كسلاح في ترسانتهم ويستخدمونه بشكل متعمد لزرع معلومات، آملين تحقيق إما تأثير سياسي أو دبلوماسي أو اخلاقي او عسكري. ومرة اخرى نؤكد انه في ظل وجود الانترنت، فإنه من الصعب للغاية تعقب واكتشاف مصادر هذا التضليل». عن «كريستيان ساينس مونيتور»