تملأ الادارة الامريكية الدنيا بالحديث عن خشيتها من تعرض المدن الامريكية الكبرى لموجات من الهجمات بالأسلحة الجرثومية التي قد تحصد أرواح الملايين. وقد مضت السلطات الامريكية قدماً فأعدت سيناريوهات مختلفة لمواجهة هذه الاحتمالات . وعلى الرغم من حملات واشنطن المناهضة لتطوير اسلحة الدمار الشامل، الا انها تلتزم الصمت المطلق ازاء ما لدى اسرائيل من اسلحة تقدر بما لا يقل عن 400 قنبلة نووية. ومؤلف هذا الكتاب هو بروفيسور ليونارد كول الاستاذ المساعد للعلوم السياسية والتقنية بجامعة روتجرز ، وقد حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا عام 1961 وعلى الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا عام 1970 وله العديد من الابحاث والمؤلفات في موضوع هذا الكتاب. ما ان بلغ تدهور الاقتصاد السوفييتي ذروته في ظل رئاسة جورباتشوف حتى بدأت المواقف التقليدية السوفييتية في مواجهة الأمريكيين تتراجع بصور مخزية، ويبدو ان واشنطن استغلت هذا الموقف بانتهازية ونصبت نفسها حاميا للانسانية ضد اسلحة الدمار الشامل ولكن حلفاءها البريطانيين، ازاء كل ذلك، قالوا ان واشنطن لطخت صورتها باتباعها سياسات متناقضة. ومن جانبها استندت الحكومة الامريكية الى عملاء روس، كانوا فيما مضى علماء في مختبرات الاسلحة السوفييتية، لاتهام الروس بأنهم لا يزالون يعززون ترسانتهم بانتاج الاسلحة الكيماوية، ويتبعون في ذلك سياسات مضللة. أعرب فاليري آدمز، الذي عمل في وحدة نزع الاسلحة الكيماوية في وزارة الدفاع البريطانية، عن اعتقاده بأن التنازلات السوفييتية فرضتها أسباب عدة منها القلق ازاء انتشار الاسلحة الكيماوية وتكلفة سباق التسلح مع الولايات المتحدة حيث باتت ملامح انهيار الاقتصاد السوفييتي واضحة للعيان. وفوق كل ذلك بدأ التعاون السوفييتي الغربي يترسخ في ظل قيادة الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف، ويشمل ذلك بذل الجهود للحد من تلك الاسلحة. في نهاية 1987 نما الاقتراح الخاص بالاسلحة الكيماوية، ليتطور من 35 صفحة الى 100 صفحة. وتجاوزت الافكار التي طرحت في اطار هذا الاقتراح أية أفكار أخرى طرحت سابقا في أية معاهدة. ويطالب الاقتراح الحكومات بأن تعلن عن مخزونها من الاسلحة الكيماوية. وقد صنفت العشرات من الاسلحة الكيماوية في المعاهدة ونص على تدميرها أو وضعها تحت المراقبة. وتمت صياغة نظام تفتيش المواقع. واقترحت السويد اجراء بناء ثقة تحظر بموجبه كل التدريبات ذات الطابع الدفاعي وفقا لأحد المراقبين. وقد رفضت الفكرة لان البعض شعر بأن الاغراء لانتهاك المعاهدة قد يكون أكبر اذا كان العدو يفتقر الى وسائل الوقاية من السلاح الكيماوي. عرض يتحدى النسيان بدا التدفق الحر للاقتراحات تعبيرا عن الرغبة في ترسيخ اتفاقية فعالة، واستمر «النص المتطور» في التوسع، ولكن ادراج اعداد مبالغ فيها من التفاصيل قد يهدد ايضا بجعل المعاهدة غير نافذة أو عملية. ولكن المواقف المتغيرة للاتحاد السوفييتي استمرت في ايقاظ التفاؤل. وتبين الموقف السوفييتي فيما أعلنه شيفارنادزه في يناير 1989. ففي مؤتمر باريس الخاص بالاسلحة الكيماوية الذي حضرته وفود من نحو 150 بلدا تقدم بعرض لا يمحى من الذاكرة إذ قال: طوال العامين الماضيين تطور موقفنا بصورة مثيرة من صنع الاسلحة الكيماوية الى التخلي عن انتاجها بالكامل ومن حجب المعلومات عن الكميات المخزونة الى نشر البيانات حولها ومن السعي لحماية انتاجنا الكيماوي وابعاد عيون الآخرين عن مرافق التخزين الى الاعتراف بمفهوم التحقق الشامل ودعوة مراقبين دوليين لمرافقة التخلص من الاسلحة الكيماوية ولو قال أي شخص اننا انتظرنا طويلا قبل وقف انتاج الاسلحة الكيماوية وفرض حظر عليها لقلنا له: نعم لقد انتظرنا طويلا. وانتهى مؤتمر باريس بالتعهد بمضاعفة الجهود للتوصل الى معاهدة الاسلحة الكيماوية. ولكن بدا ان الناطقين في مؤتمر باريس كما في مؤتمر نزع السلاح في جنيف غابت عنهم حقيقة واحدة. ففي المنتديين لم يتحدث احد عن «سلوك العراق». وبينما كان أعضاء وفود الاربعين دولة منهمكين بالشكليات، فقد تجاهلوا قيام العراق باستخدام الاسلحة الكيماوية من القوات الايرانية وانتقل هذا الصمت الى مؤتمر باريس الذي عقد الى حد كبير من اجل الحديث عن المواقف العراقية. والاكثر من ذلك غرابة ان الوفود جلست صامتة تماما ازاء قيام العراق بعرض مبادرة لوقف تقدم الحظر الخاص بالاسلحة الكيماوية. وأصر وزير الخارجية العراقي طارق عزيز على القول ان الدعوة للتخلص من الاسلحة الكيماوية مرتبطة بحظر الاسلحة النووية وسعى الى توجيه الانظار الى «العدوان الاسرائيلي المباشر في 1981 على المفاعل النووي العراقي الذي شيد للأغراض السلمية». وجلست الوفود وهي تنصت باحترام لخطاب طارق عزيز، فيما كررت وفود الدول العربية الموقف العراقي. وفي الواقع فقد وافقت جامعة الدول العربية على مشروع مصري لانهاء اسلحة الدمار الشامل في الشرق الاوسط. وكرر عصمت عبدالمجيد وزير الخارجية المصري آنذاك جانبا من هذا الموقف بالقول ان: «أي تقدم في مجال حظر الاسلحة الكيماوية مرتبط بالتوصل الى اتفاق مواز ينص على حظر الاسلحة النووية ايضا». وأنهى المؤتمر أعماله بالتماس بنزع عام وكامل للأسلحة الكيماوية، وهو ما أرضى الدول العربية. وكما في المنتديات الدولية الاخرى، فإن استخدام العراق للأسلحة الكيماوية بدا موضوعا خفيا. وكان ربط التخلص من الاسلحة الكيماوية بالاسلحة النووية من بين الصعوبات العديدة التي ظهرت خلال هذه الفترة. ودعا مؤتمر نزع الاسلحة الكيماوية الى التخلص من السلاح الكيماوي في غضون 10 سنوات. واعلن الرئيس بوش في سبتمبر العام 1989 انه خلال الثماني سنوات الأولى ستقوم الولايات المتحدة بالتخلص من 98% من مخزون سلاحها الكيماوي، اما الـ 2% المتبقية فسيتم تأجيلها حتى تتمكن كل الامم من اتخاذ موقف من انتاج الاسلحة الكيماوية يحظر بصورة نهائية استخدام الاسلحة الكيماوية او تصنيعها في معاهدة حظر شاملة. واثار احتفاظ امريكا بنسبة الاثنين في المئة هذه موجة انتقادات، وفي المقام الاول كان تعبير «قادرة» من النص الامريكي غير واضح فمن الناحية التقنية فإن كل بلد قادر على انتاج الاسلحة الكيماوية، والاكثر من ذلك ان احتفاظ الولايات المتحدة بالاسلحة الكيماوية باسم الامن يعطي ذرائع للاخرين لاتخاذ التصرف ذاته. القلق والغضب اما السبب الآخر للقلق فهو مستمد من الاتفاقية الثنائية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. فقد اتفق البلدان في الاول من يونيو عام 1990 على خفض المخزون الكيماوي خفضاً شديداً. واتفق الجانبان على عقد مؤتمر يضم البلدين بعد مرور ثماني سنوات على معاهدة الاسلحة الكيماوية. وسيدرس المؤتمر الاجراءات الرامية للتخلص من كل ما تبقى من مخزون الاسلحة الكيماوية في غضون العامين اللاحقين. وعلى النقيض فقد ادى التعاون، الذي طالما تمنته الاسرة الدولية، بين القوتين العظميين الى نمو الغضب في مجالات اخرى. فبعد حضوره لاجتماع مؤتمر نزع الاسلحة في اغسطس العام 1990 شعر عضو الكونجرس الامريكي مارتن لانكستر بالتشاؤم.وصرح قائلاً «هناك شعور بين بعض الامم بأن الاتفاقية الثنائية تفترض تضاؤل اهمية المؤتمر ذي الاطراف المتعددة». حتى ان البعض افترض ان امريكا والاتحاد السوفييتي يتآمران على الاعضاء الاخرين لفرض موقفيهما على الاعضاء غير الراغبين في مسايرتهما. وذكر لانكستر ايضاً مجالات اخرى للاضطراب. وقال ان العائق الاعظم للتوصل الى اتفاقية نهائية خاصة بمعاهدة كيماوية هي السياسة الامريكية المتناقضة. واضاف «الولايات المتحدة تتمرد الان على مسودة المعاهدة التي اقترحها بوش نفسه في العام 1984 لقبول تحدي التفتيش .. في اي وقت وفي اي مكان بدون اي حق للرفض». ان موقف الحكومة الامريكية يبين حالياً ان عمليات التفتيش ينبغي الا يسمح بها بالقرب من منشآت محددة لأن ذلك سيشكل تهديداً للأمن القومي الامريكي. ولاحظ لانكستر ان البريطانيين اجروا بنجاح عمليات تفتيش وهمية واظهروا انه من الممكن حماية المصالح الامنية واعرب عن اسفه قائلاً: «اننا في هذه المرحلة نجد انفسنا في وضع مؤسف يدفعنا الى تلميع صورة الولايات المتحدة المشوهة التي تلطخت بسبب تباطؤ دولة مشاركة في اجراء مباحثات تخص الاسلحة الكيماوية». وادى الغزو العراقي للكويت في اغسطس العام 1990 وما لحق ذلك من تطورات الى التأثير بشكل عميق على المزاج الدولي. واقتنعت دول كثيرة بضرورة تبديد ما يمتلكه العراق من اسلحة كيماوية وجرثومية. ولذلك فقد كثفت الجهود بعد حرب الخليج الثانية للتوصل الى اتفاقية الاسلحة الكيماوية. وتمت صياغة الشروط الخاصة بالكثير من الموضوعات الشائكة بما في ذلك التخلص من الاسلحة الحالية وتحويل مرافق إنتاج الاسلحة الكيماوية الى مرافق صناعية عادية وتصدير الرقابة والتنظيم والعضوية في لجان الاشراف والرقابة. لقد كانت سياسة التحقق، منذ البداية وحتى النهاية، اكثر الموضوعات جدلاً. وذكر ملخص انجليزي عن المفاوضات بأن نظام التحقق لم يتم التوصل الى صيغة نهائية حوله حتى المرحلة النهائية للمفاوضات في صيف العام 1992. في سبتمبر 1992 تبنى مؤتمر نزع السلاح مقترحات مؤتمر نزع الاسلحة الكيماوية. وفي نوفمبر اقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يدعم المؤتمر وطالبت الامين العام بالتوقيع على نتائج المؤتمر. بعد مرور شهرين وفي الثالث عشر من يناير 1993 وقعت وفود 131 دولة على اتفاقية مؤتمر حظر تطوير وانتاج وتخزين واستخدام الاسلحة الكيماوية وعلى ضرورة تدميرها. وكان العنوان الرسمي للاتفاقية هو ذاته الموقع عليه من مؤتمر الاسلحة البيولوجية، ولكن عدد صفحات اتفاقية الاسلحة البيولوجية كان عبارة عن خمس صفحات في حين ان اتفاقية الاسلحة الكيماوية بلغت 186 صفحة. ودخلت اتفاقية الاسلحة الكيماوية حيز التطبيق بعد 6 أشهر من قيام 65 دولة بالمصادقة على الاتفاقية وايداع كل دولة موافقتها لدى الامين العام للامم المتحدة وفي اوائل العام 1995 وافقت 159 دولة على الاتفاقية ولكن 29 فقط قامت بايداع موافقتها لدى الامين العام. الجدية في التحقق يثير رأي التحقق المخاوف في ضوء عدد وتنوع العناصر الخطرة وفي ندوة غير حكومية لها صلة بالمؤتمر الخاص عام 1994 افادت ورقة رسمية برازيلية ان 148 فيروسا وبكتيريا وفطريات ومواد سامة يمكن استخدامها كسلاح، وجميع هذه الجراثيم موجودة في الطبيعة ولم تتم الاشارة الى الميكروبات المهندسة وراثيا والحديثة الوجود ولكن ظلت الورقة مؤشرا لزيادة الجهود لانجاز بروتوكول التحقق وقدر اتحاد العلماء الامريكيين عمليات التحقق بانها ستكلف 14.5 مليون دولار امريكي. وافترضت الورقة انه لابد من الواقعية حتى يكون اجراء التحقق واقعيا واشارت الى ان التكاليف المفترضة متوافقة وفي كل الاحوال فقد وفرت الورقة اساسا قيما للنقاش. والسؤال المطروح الخاص بالتحقق لايزال يطرح نفسه بشأن الاتفاقات البيولوجية والعسكرية الاخرى وتلك الاسئلة هي: هل ترجح كفة الفوائد على الخسائر او الاخطار؟ في العام 1989 اعرب روبرت ميكولك، وهو عالم امريكي يعمل على مراقبة الاسلحة الامريكية ووكالة نزع السلاح، عن استغرابه من ضمان مستوى التقنية المقبول وتساءل باستهجان: «هل ستكون 90 في المئة او خمسين في المئة؟ أم عشرين في المئة؟ اين يمكننا رسم الخط؟». لقد كان سؤال ميكولك تقريرياً لان الاجابة لا يمكن اكتشاف ابعادها مع ذلك: «فعلى الرغم من ان سؤال الاستشراف لم يكن بالامكان حله بمعنى امتلاك التحقق المطلق، فان اي شخص يستطيع ان يحصل على اعلى مستوى كاف من التحقق لتحديد المرافق السرية من خلال الوسائل الاستخبارية». بعد مرور خمس سنوات، لاحظ مايكل مودي رئيس معهد حظر الاسلحة الكيماوية والبيولوجية ان التحقق ليس عملية تجارية فيها عملية القطع والتجفيف التي ينجم عنها ادلة غير غامضة لعدم الالتزام (او المخالفات) وقد لا ينتج عن تفتيش وحيد نتائج حاسمة ونهائية حول عدم الالتزام ولكن الاحكام تستمد من «تشكيلة كبيرة من الادلة التي تنشأ مع مرور الوقت من سلسلة من الانشطة التي تضم عمليات التفتيش واللقاءات والتقويمات ونتائج ليس لها بنصوص المعاهدة ولاحظ آخرون ان اثارة متطلبات التحقق الى مستويات غير منطقية يمكن ان تعرض اي عملية مراقبة للاسلحة للخطر. واعرب فيل ميدزايانوف، الذي كان يعمل عالما في برنامج صناعة الاسلحة الكيماوية في الاتحاد السوفييتي عن اعتقاده بأنه من الجائز القول ان تطوير الاسلحة غير المشروعة لايزال يتم في المختبرات الروسية واذا لم يتم تفعيل معاهدة الاسلحة الكيماوية فان مجمعات تصنيع الاسلحة الكيماوية الروسية ستستمر بدون محاسبة ويرى ميدزايانوف وخبراء اخرون ان بروتوكول التحقق يلبي الحلول الخاصة بأعمق التخوفات. وبالمثل، فان الغرب لايزال يتخوف من الاتحاد الروسي ويعتقد الغربيون ان الروس لايزالون ينتجون الاسلحة البيولوجية بصورة غير مشروعة. كما لا يخفي المسئولون الامريكيون مخاوفهم من زيادة الطلب على العلماء من روسيا مثل علماء الاحياء للعمل في ليبيا وايران ويتساءلون «هل يتم تشغيلهم لتطوير الاسلحة؟». ولاشك في ان تقوية معاهدة الاسلحة البيولوجية ستمثل الرد على مثل هذه التساؤلات السابقة وغيرها وعلى الرغم من صعوبة تحديد النشاط البيولوجي غير المشروع فان نظام التحقق يمكن ان يذهب الى ابعد من ذلك. والحقيقة ان عمليات التفتيش قصيرة الامد يمكن ان تثبط عزيمة انشطة الاسلحة غير المشروعة ويمكن توقع ان توفر الاتفاقية فوائد تجارية وثقافية في ميدان التقنية الحيوية (البيولوجية) بالنسبة للاعضاء في المعاهدة وهكذا فان اي دولة تخفق في ان تصبح طرفا في الاتفاقية فانها لن تخاطر بفرض عقوبات عليها من قبل المجتمع الدولي ولكن ستحرم نفسها من منافع اقتصادية ايضا.