الملف السياسي: «إن الولايات المتحدة الامريكية قادرة على الرد، فالمملكة العربية السعودية ورعاياها يملكون استثمارات في امريكا تتراوح قيمتها بين (500) و (700) مليار دولار.. ويمكن للادارة الامريكية تجميد هذه الاستثمارات». هذا الاقتراح أطلقه نائب مدير المركز الدولي لدراسات الطاقة في لندن ليو درولاس، ونشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الامريكية يوم 26 ابريل الماضي، اي في اليوم نفسه الذي التقى فيه ولي العهد السعودي الامير عبدالله بن عبدالعزيز الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش، بمزرعة الاخير في تكساس، وجاء الاقتراح رداً على سؤال طرحته الصحيفة الامريكية: ماذا لو قررت المملكة، ليس وقف صادراتها من النفط، بل عدم تعويض النقص في سوق النفط، اذا قرر بعض الدول، مثل ايران وليبيا وقف ضخ النفط احتجاجاً على السياسة الامريكية المنحازة لاسرائيل؟ فعلها عيدي أمين هل يمكن للولايات المتحدة فعلاً تجميد ليس الاستثمارات السعودية الحكومية فقط بل وارصدة المواطنين السعوديين في أمريكا؟ لقد فعلها من قبل الرئيس الاوغندي عيدي أمين عندما صادر الارصدة البريطانية في بلاده قبل عقود مطالباً ملكة بريطانيا بإعادة أكبر ماسة تزين التاج البريطاني، على اعتبار أن تلك الماسة مسروقة من بلاده. وفعلها ومازال يفعلها الرئيس موجابي في زيمبابوي حيث صادر وما زال يصادر مزارع المواطنين البريطانيين لأنهم حصلوا عليها بقوة الاستعمار وليس بالطرق الشرعية، وصار من حق مواطنيه ان ينعموا بخيراتها. ولكن هذا حدث ويحدث في أفريقيا وليس في عرين القوة العظمى التي تشرّع للعالم قوانينه، وتكاد تحدد لشعوب الارض طريقتها في العيش. ليست المبادئ بل المصالح ولو ان اقتراح تجميد الارصدة السعودية في أمريكا لم يصدر عن مركز دراسات عريق في بريطانيا، ولو لم ينشر في صحيفة اقتصادية أمريكية تعتبر الاولى عالمياً في شئون المال والاعمال لاختصرنا الاقتراح كله بعبارة «بلطجة» الشعبية، وهي بلطجة بالفعل، ولكنها، وفي ظل الحملة الاعلامية الامريكية غير المسبوقة ضد السعودية، حكومة وشعباً، يمكن ان تتحول سياسة رسمية، ولعل الحديث الذي تتناقله وسائل الاعلام الأمريكية عن أن مجموعة من المحامين بدأت تجمع أوراقها لمقاضاة المملكة، ومؤسسات أهلية تابعة لها للمطالبة بتعويضات عن تفجيرات 11 سبتمبر، تحت زعم أن (15) من مرتكبي التفجيرات المفترضين هم من رعايا المملكة.. لعل هذا الحديث يدخل اليوم في باب الاوهام أو الابتزاز أو البلطجة.. ولكن من قال إن العلاقات بين الدول تقوم على الاخلاق أو على المبادئ دائماً؟ أليست أمريكا وحدها من بين أمم الأرض التي تقول: «إن القوة هي الحق» وليس العكس؟ حق يملك أسناناً وأظافر مع ذلك يمكن لأمريكا أن تكون أخلاقية وأن تكون عادلة وأن تقتنع بالحق العربي إذا كان هذا الحق يملك أسناناً وأظافر، وهو يملكها بالفعل وقادر على استخدامها كما تؤكد لنا مجلة «الايكونوميست» البريطانية. تقول «الايكونوميست» في عددها الصادر يوم 27 ابريل الماضي: «إن أقوى الأوراق التي يملكها العرب هي الورقة الاقتصادية، إذ من المعروف انهم يصدّرون ربع ما يستهلكه العالم من النفط.. ولكن التجارب السابقة برهنت أن النفط سلاح ذو حدين، إذا استخدم فإنه من ناحية سوف يسبب اضطرابات عارمة على مستوى العالم كله، وسوف يكون أشد المتضررين منه الدول الفقيرة، ومن ناحية ثانية فإنه سوف يزيد الحوافز على المنافسة في البحث عن المزيد من الاكتشافات النفطية، كما حدث في حقول الشمال وفي الاسكا في فترة السبعينيات». وتضيف المجلة البريطانية: «إن الخطة الأكثر عملية وواقعية هي منح الأولوية لشركات النفط الأجنبية غير الامريكية، وعلى سبيل المثال فإن المفاوضات قائمة اليوم على تطوير مواقع استخراج الغاز في المملكة العربية السعودية بكلفة تصل إلى 25 مليار دولار.. ومع أن دعوات كثيرة أطلقت لاعادة تفعيل المقاطعة العربية لاسرائيل، وإضافة الشركات الامريكية لهذه المقاطعة، فإن هناك خياراً آخر يحظى بالاهتمام وهو أن المستثمرين العرب يملكون ما يزيد على ألف مليار دولار (تريليون واحد) في الخارج، ويمكن لبرنامج مدروس بعناية ويهدف إلى سحب الاستثمارات من الشركات التي تربطها علاقات قوية باسرائيل أن يؤثر بقوة على مواقف هذه الشركات، كما حصل في جنوب افريقيا العنصرية، خاصة إذا تمت دعوة الجامعات واتحادات النقابات والصناديق التقاعدية للمشاركة في مثل هذا البرنامج». الأرصدة سلاح معنا و.. ضدنا ومع أن هذا الاقتراح الأخير للمجلة البريطانية يمكن اقفال الدائرة، فالأرصدة العربية في الخارج وفي الولايات المتحدة بالذات، يمكن ان تستخدم سلاحا ضد أصحابها وقضيتهم عبر التهديد بتجميدها، أو تجميدها فعلاً، أوليس هذا ما فعلته واشنطن مع الجمهورية الاسلامية في ايران؟ ولكن يمكن لهذه الأرصدة أيضا ان تتحول الى أسلحة بيد أصحابها تحميهم من البلطجة إذا وضعوا برنامجاً لاستخدامها، وهذا البرنامج هو خط الدفاع الأول ليس عن قضاياهم فحسب، بل عن ثرواتهم واستثماراتهم ذاتها. تذكروا الصين ونيكسون إذا فعل العرب هذا ووضعوا برنامجهم بما يؤدي إلى قيام موقف أمريكي متوازن بين العرب واسرائيل، فإن المواطن الامريكي سوف يكون أول من يبادر الى شكرهم.. تريدون أمثلة؟ عندما اعترفت الادارة الامريكية في عهد الرئيس نيكسون بالصين الشعبية وسحبت اعترافها بالصين الوطنية (تايوان) كنت في نيويورك، وكان مثيراً للدهشة ان تظهر صورة ماو تسي تونج ليس فقط في «تشاينا تاون» التي يقطنها الصينيون، بل على صدور الشباب الامريكي في الجامعات، حيث قامت مسيرات طلابية ترحب للمرة الأولى بقرار الادارة الأمريكية. حتى الرئيس نيكسون، كما تقول الروايات، شعر بالدهشة، فقد كانت المرة الأولى التي يشاهد فيها مظاهرات طلابية ليست معادية، بل مؤيدة. إذن ماذا ننتظر؟ هيا لانقاذ المواطن الأمريكي بأرصدتنا بعد ان أعيتنا الحيلة في إنقاذ المواطن الفلسطيني بأصواتنا!