الملف السياسي: مباشرة بعد ظهور نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية الفرنسية. نزل ممثلو وسائل الإعلام بجميع أطيافها إلى الشارع يبحثون عن تفسير لدى الرأي العام الفرنسي للصاعقة التي أصابت المناخ السياسي، العام بفرنسا. وكأن الذين ساهموا في صعود اليمين المتطرف وانتكاسة اليسار لم يكونوا فرنسيين. وكذلك بدا الأمر حيث لم يتحدث في اليوم الأول والثاني والثالث أي من الذين انتخبوا جون ماري لوبن إلى وسائل الإعلام وخصوصا الشباب مع أنهم أكثر من منحوا أصواتهم لممثل اليمين المتطرف، كما بينت نتائج الانتخابات لاحقا. والطريف هو ما أدلت به سائحة إيطالية لمراسل القناة الفرنسية الثالثة، حيث قالت: «كان الفرنسيون دائما يهزأون من الفوضى السياسية في إيطاليا ويسألوننا كيف نعيش في ظل هذا التخبط بين حكومات يمينية ويسارية لا تستقر أكثر من سنتين، وأنا اليوم أسألهم كيف ستخرجون من هذا التخبط، وكيف ستواجهون صعود أشقاء برلسكوني». سؤال السائحة الإيطالية الذي قد يبدوا متشفيا، يبقى سؤالا في محله. ففرنسا شعرت دائما أنها بمنأى عن التطرف لأنها استطاعت أن تحتوي أكثر من 4 ملايين مسلم من أصول مختلفة ويصل إلى أراضيها سنويا أكثر من 65000 مهاجر وتعيش في ظل التعايش التاريخي بين اليسار واليمين استقرارا يضمن الاستمرارية للجمهورية الخامسة منذ 1975. فما الذي حدث إذا يوم الواحد والعشرين من أبريل ؟ بالرجوع إلى تاريخ بدء الحملة الانتخابية الفرنسية والتي تزامنت مع الحصار الذي فرضه شارون على الأراضي المحتلة ومجزرة جنين. شهدت ـ ومازالت تشهد ـ مجموعة من المقاطعات الفرنسية اعتداءات على اليهود وعلى بعض الأديرة والجمعيات اليهودية خصوصا في المدن التي تعرف تواجدا كبيرا لليهود كستراسبورج، كما عرفت المظاهرات التي خرجت بالآلاف منددة بالاجتياح الإسرائيلي عدة اصطدامات بين المساندين لإسرائيل والداعمين للشعب الفلسطيني وأدت ولأول مرة في أوروبا إلى مقتل ضابط شرطة على يد أحد المتطرفين اليهود. مما حدا بالوزير الأول ليونيل جوسبان إلى القول إن الأحداث التي يعرفها الشرق الأوسط لها تأثير مباشر على الأوضاع في فرنسا بحكم وجود أغلبية مسلمة وعدد كبير من اليهود وطالب الفرنسيين بضبط النفس وبتدخل جدي للولايات المتحدة لإيقاف الحصار الإسرائيلي. و ركزت وسائل الإعلام خصوصا منها المعادية للتواجد الإسلامي الكثيف في فرنسا على هذه الأحداث وعلى ما يمكن أن يحدثه الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط من تهديد لا استقرار فرنسا ولم يتردد كاتب افتتاحية مجلة لوبوان في تحذير الفرنسيين من التمزق بسبب مشاكل لا دخل مباشر لفرنسا بها. مجلة لوبوان نفسها المعروفة بعنصريتها وطابعها الإثاري خصصت مؤخرا صفحتها الأولى وتحت عنوان درامي «ضواحي الإسلام» لدراسة «أكاديمية» تضفي كثيرا من المصداقية على الطرح اليميني المتطرف لإشكالية الحضور العربي-الإسلامي في فرنسا و تدعي أن بعض المدن الفرنسية قد أصبحت ذات أغلبية مسلمة، وبأن بلدية روبي الواقعة بالضاحية الشمالية لباريس الكبرى، يعتنق أكثر من 53% من سكانها الإسلام. ودعم الكتاب-الدراسة أحد فطاحلة الفلسفة بفرنسا، وهو جون فرنسوا غفال، بتعليقه: «سيظل هذا الكتاب كأساس لسوسيولوجيا حقيقية، تختلف عن السوسيولوجيا الثرثارة و الإيديولوجية الموجودة حاليا». وبالرجوع إلى المعطيات الديموغرافية التي قدمها المؤلف وخاصة النسب المرتفعة من الساكنة المسلمة، فقد فندتها الكثير من الوقائع والدراسات الإحصائية الجادة. وأكد عمدة البلدية الذي أثارته شطحات الكاتب أن هذا الأخير قد لجأ إلى «تقنيات التلاعب بالإحصائيات والتعتيم الإعلامي»، وقدم في مؤتمر صحفي، إحصائيات شاملة عن عدد سكان بلديته ونسبة الأجانب، ليخلص في الأخير إلى أن نسبة الأجانب هي 30% من مجموع سكان البلدية. لم يكن تفنيد المعطيات التي جاء بها الكتاب الأخير لصاحبه فيليب عزيز، كافيا لدفع موجة مهووسة من الدراسات «الأكاديمية» التي تدعي متابعة ظاهرة انتشار المد الإسلامي وتبعاته وعلى رأسها التطرف . فقد تلت الكتاب وسبقته دراسات تؤكد ودون سند علمي حقيقي كما أكد ذلك خبراء فرنسيون، أن عدد الأفارقة المقيمين بفرنسا قد وصل إلى عشرة ملايين شخص، وأن الجيش الفرنسي سيصبح بعد 15 سنة مكونا من غالبية مسلمة وأن عادات الأكل والشرب واللباس الفرنسية قد تغيرت بشكل جذري وترك الفرنسيون وصفاتهم وعاداتهم لصالح وصفات وعادات مغاربية وإفريقية. والأكيد أن الكثير من الفرنسيين وهم الذين منحوا أصواتهم للوبن، لم يقتنعوا بعد بأن فرنسا أصبحت بلدا متعدد الأعراق والديانات ويصعب، بل يستحيل تغيير الوضع الحالي، لأن كثيرا من الفرنسيين اندمجوا في التشكيلة الجديدة للمجتمع الفرنسي واختلطوا مع المهاجرين في إطار ترابطات أسرية وفكرية وحتى دينية يصعب في إطارها الحديث عن فرنسي «أصيل». كما يصعب على فرنسا الجديدة التخلي أو التخلص كما يلوح بذلك اليمين المتطرف من أربعة ملايين مسلم وإرجاعهم إلى مواطنهم الأصلية. ومما قد يكرس الفرقة بين الفرنسيين، المظاهرات الحاشدة المناهضة للوبن، والتي خرجت في نفس اليوم الذي أعلنت فيه النتائج. فقد رأى فيها البعض رفضا ليس فقط لمرشح اليمين المتطرف، بل لكل من صوتوا لصالحه وهم ملايين الفرنسيين الذين اقتنعوا بطروحاته والذين لازالوا يتوارون خوفا من أن ينعتوا بالنازيين و المعادين للسامية. والغريب هو أنه حتى الطبقة السياسية الفرنسية من التيارين اليميني واليساري، صبت جام غضبها على زعيم الجبهة الوطنية وتجاهلت ملايين الأصوات التي منحت له من طرف المواطنين الفرنسيين، مما جعل بعض المعلقين يقول بأن أحزاب اليمين واليسار ترتكب خطيئة كبيرة في حق نفسها وفي حق الفرنسيين فهي تحاول ممارسة الوصاية على الناخبين بحجة أنهم لم يحسنوا الاختيار وأنهم أصيبوا باليأس والإحباط. وتحدث آخرون عن مؤشرات الانتكاسة التي عرفتها الانتخابات الجزائرية في نهاية الثمانينيات حين أخفقت الديمقراطية في تحقيق مبتغى الأطراف القوية في المعادلة السياسية. وينضاف عنصر آخر لصالح لوبن لم يعره خصومه من اليمين واليسار اهتماما كافيا وجعله شعاره خلال الحملة الانتخابية وهو تحقيق الأمن الاجتماعي، الذي أصبح هاجس الكثير من الفرنسيين بعد أن ارتفعت نسبة حوادث الاعتداءات على النساء في قطارات الأنفاق وعلى الفتيات في المدارس وعلى رجال الأمن وكذلك حوادث السرقة وقتل الأطفال والاغتصاب. ومرة أخرى يظهر الشبان من أصول مغاربية وإفريقية في الصورة. فهم سكان الضواحي التي تعرف أكبر نسبة من الجرائم بسبب التهميش وسوء الأحوال المادية والاجتماعية. وهم الذين ترصدهم وسائل الإعلام في كل مناسبة للتأكيد على تفاقم المشاكل الاجتماعية الفرنسية بدعوى التزايد المطرد للمهاجرين. ولا داعي للتذكير بالحملة الهوجاء التي شنتها وسائل الإعلام الفرنسية على المسلمين بعد الحادي عشر من سبتمبر وكانت من أقسى الحملات وأكثرها تشهيرا بالإسلام والمسلمين في أوروبا وخلفت استياء كبيرا وسط المسلمين الفرنسيين. كما أن الحكومة اليسارية سارعت حينها إلى تطبيق قانون الطوارئ الذي اعتمدته في بداية التسعينيات حين تعرضت مصالحها لتفجيرات قامت بها مجموعات إسلامية متطرفة. مما أشاع حالة من الذعر وسط المسلمين الفرنسيين وخصوصا العرب. ورغم أن كثيرا من المحللين الفرنسيين يحاولون التأكيد على أن فشل التآلف الحكومي بين اليمين واليسار كان وراء توجه الناخبين إلى التصويت على جون ماري لوبن. غير أن الحقيقة التي أفرزتها صناديق الاقتراع تظهر أن هذا التبرير غير كاف أو منطقي، لأن الانتخابات الفرنسية لهذا العام عرفت مشاركة 16 مرشحا لا يمثلون بأكملهم اليمين أو اليسار كما هو حال حزب الخضر وكان بإمكان الفرنسيين الالتجاء إلى أي مرشح أقل عنصرية وأكثر ديموقراطية لضمان نظام سياسي مختلف عن السابق. كثيرة هي التفسيرات التي يمكن إعطاؤها للصعود المفاجئ لممثل اليمين المتطرف جون ماري لوبن إلى الدور الثاني من الانتخابات الفرنسية. غير أن الأهم هو التأثير الذي خلفه على الساحة الفرنسية والذي كان قويا ، فهو حقق نجاحا ملحوظا في الانتخابات الرئاسية وليس البلدية أو التشريعية. التي يقترب موعدها هي الأخرى وقد تؤكد نجاح اليمين المتطرف واستمرار منافسته لليمين. خصوصا إذا ما فشل اليسار في لم شتاته واختيار زعيم جيد قادر على منافسة وضمان استمرارية اليسار في طليعة الأحزاب القوية في فرنسا. ـ باحثة مغربية