الملف السياسي: مهما تكن نتيجة الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية يوم الأحد المقبل فالأمر الذي لاشك فيه هو أن السياسي اليميني المتطرف جان ماري لوبن، قد حقق إنجازا كبيرا بتمكنه من الوصول إلى المرحلة الثانية للسباق نحو قصر الإليزيه. وأطاح لوبن في المرحلة الأولى لهذا السباق برئيس الوزراء الاشتراكي وزعيم اليسار الفرنسي ليونيل جوسبان لتخلو الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية من ممثل لليسار للمرة الأولى منذ عام 1969. ولتختلط كل أوراق الحياة السياسية الفرنسية. ولينتشر الذعر في فرنسا أو أوروبا وينتشر القلق في العالم بأسره. وصحيح أنه يبدو في حكم المؤكد أن مغامرة لوبن الكبرى ستشهد نهايتها في صناديق الاقتراع يوم الأحد المقبل 5 مايو وأن الرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك سيفوز بولاية ثانية مدتها سبع سنوات وبأغلبية كاسحة يقدرها المراقبون بما يتراوح بين 77% و90% من الأصوات، بعد أن أعلنت الاتجاهات السياسية المختلفة من أقصى اليسار إلى الوسط عزمها على التصويت ضد لوبن، بغض النظر عن رأيها في شيراك وانتقاداتها القاسية للاتجاه الديجولي اليميني التقليدي الذي يمثله، فإذا أضفنا إلى ذلك كله أصوات اليمين التقليدي المضمونة لشيراك، فإن حصول الأخير على أغلبية كاسحة - وربما غير مسبوقة - يبدو أمرا مؤكدا. إلا أن ذلك كله لا ينفي حقيقة أن الناخبين الفرنسيين أعطوا سياسيا يمينيا متطرفا مثل لوبن 17% من أصواتهم في الجولة الأولى، كما أعطوا سياسيا آخر لا يقل عنه تطرفا هو برونو ميجريه زعيم (الحركة الوطنية الجمهورية 2.36%) ليحصل الاثنان على تأييد أكثر من ستة ملايين ناخب يمثلون نحو 20% من الأصوات، وهو انتصار كبير لليمين المتطرف لم يبالغ المراقبون حينما اعتبروه بمثابة زالزال سياسي له انعكاساته الأوروبية والعالمية بحكم أهمية فرنسا ومكانتها كدولة رائدة في مجال الحريات الديمقراطية وبالتالي فإن اهتزاز أسس ديمقراطيتها يمثل نكسه لقضية الديمقراطية في العالم. لكن من الخطأ، في اعتقادنا، اختزال معنى ذلك (الزلزال) في نسبة الأصوات العالية التي حصل عليها لوبن، أو حتى في نجاحه في إقصاء الزعيم الاشتراكي جوسبان. فقد عكست نتائج الجولة الأولى للانتخابات الفرنسية ظواهر أخرى بالغة الأهمية مثل النسبة العالية للامتناع عن التصويت 28.4% من الناخبين، التي عكست فقدانا واسعا للثقة الجماهيرية ليس في الزعماء السياسيين التقليديين فحسب، بل وأيضا في المؤسسات الديمقراطية، ومن هذه الظواهر أيضا تشرذم اليسار واتجاه قسم كبير من ناخبيه لدعم مرشحين متطرفين فقد أستأثر التروتسكيون بـ 10.5% من الأصوات ولاشك أن ظاهرة مثل هذه كان لها أثرها في سقوط جوسبان. وتجد هذه الظواهر نفسها تفسيرها في أسباب أعمق مثل الأوضاع الاقتصادية والموقف من المهاجرين وقضية الأمن، والموقف من الاتحاد الأوروبي والعولمة، وما أسفرت عنه أحداث 11 سبتمبر من استفحال لمفاهيم عنصرية ونظريات رجعية كصراع الحضارات وهواجس أمنية متضخمة نفخ الاعلام في نارها وتتضافر هذه العوامل وتبادل التأثير والتفاعل فيما بينها لتدفع باتجاه صعود اليمين واليمين المتطرف في أكثر من بلد أوروبي فضلا عن الولايات المتحدة التي تتميز بسمات تخصها وتشجع من وضعها كقوة عظمى وحيدة في عالم اليوم. عقاب الناخبين قد يكون مفيدا التذكير بأن لوبن حصل في الانتخابات الرئاسية عام 1988 على 14.4% من أصوات الناخبين وعلى 15.1% من الأصوات في انتخابات 1995 لكنه نجح في الجولة الأولى في المرتين أ ي أنه لم يحقق قفزة كبرى في نسبة الذين صوتوا لصالحه في الانتخابات الأخيرة. لكن ما أتاح للوبن احتلال المركز الثاني هذه المرة هو ذلك العزوف الواضح عن المشاركة في التصويت من جانب أنصار الأحزاب التقليدية الكبرى الاشتراكي، والتجمع من أجل الجمهورية (الديجولي) والاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية فقد امتنع عن المشاركة في التصويت 28.4% من الناخبين وهي أعلى نسبة للامتناع عن المشاركة منذ عام 1969 (22.4) وللمقارنة فقد امتنع عن المشاركة في انتخابات عام 1995 نحو 21.6% من الناخبين وطبيعي أن تكون الأحزاب الكبيرة أكبر الخاسرين في هذه الحالة. وقد انعكس هذا الوضع على أداء الرئيس شيراك الانتخابي بشدة فقد حصل على أقل من 20% فقط من أصوات الناخبين في أسوأ أداء لرئيس فرنسي منذ تأسيس الجمهورية الخامسة عام 1958. الاتهامات بالفساد التي تلاحق كثيرين من السياسيين التقليديين أحد أهم أسباب تآكل ثقة الجمهور الفرنسي بهم، وفي مقدمتهم الرئيس شيراك نفسه الذي طالته الاتهامات باستغلال النفوذ منذ كان عمدة لباريس قبل انتخابه للرئاسة عام 1995. خيانة الأحزاب الكبرى لبرامجها وإغماء الحدود الفاصلة بين هذه البرامج أحد أهم أسباب فقدان ثقة الجماهير في الأحزاب التقليدية وزعمائها. وقد برزت هذه الظاهرة منذ بدأت فرنسا تعرف ما يسمى بالتعايش بين رئيس اشتراكي (ميتران) وحكومة يمينية، ثم بين رئيس يميني (شيراك) وحكومة اشتراكية. فقد تم انتخاب حكومة يمينية في عهد ميتيران 1981 -1995 لأول مرة عام 1986 وبعد مجئ شيراك للحكم فاز الاشتراكيون في الانتخابات البرلمانية صيف عام 1997 ونتج عن ذلك صراع مستمر وضغوط متبادلة بين الرئاسة والحكومة على الصلاحيات ومن أجل استمالة الجماهير جعل من الصعب على الأحزاب الكبرى تطبيق برامجها بصورة منسجمة ودفعها للمزايدة على بعضها البعض في كثير من القضايا وعلى سبيل المثال فحينما بدأت حكومة بالادور في أواسط التسعينيات نتيجة لسن تشريعات تهدف إلى التضييق على المهاجرين الأجانب، والمعروفة بإسم وزير الداخلية وقتها (باسكوا) كان ذلك في محاولة لجذب البساط من تحت أقدام اليمين المتطرف بقيادة لوبن إلا أن الحزب الاشتراكي سرعان ما اتجه ليبني مثل هذه المواقف سعيا لكسب الجماهيرية في صفوف الطبقة الوسطى، وما يعرف باسم (البورجوازية الصغيرة) والمحافظة على نفوذه بين العاطلين عن العمل والعمال غير المهرة الذين يرون في المهاجرين مناسبة لهم. من أهم القضايا التي استند إليها اليمين المتطرف في تعزيز مواقعه الانتخابية قضية المهاجرين ذوي الأصول الأجنبية، وخاصة المقيمين منهم بصورة غير شرعية، ويبلغ عددهم في فرنسا نحو ستة ملايين من مجموع السكان (60 مليونا) يقيم أغلبهم في مدن الضواحي والأحياء الفقيرة في المدن الكبرى وخاصة في الجنوب وأكثرية هؤلاء من ابناء المستعمرات الفرنسية السابقة، وخاصة من دول المغرب العربي المسلمة. وحينما كانت فرنسا مثل أغلب الدول الأوروبية تشهد فورة نشاط صناعي وانتعاش اقتصادي في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، كانت ترحب بهؤلاء المهاجرين الذين يقومون بالأعمال المتدنية أو التي تحتاج لمهارة أقل، ويقبلون بأجور أدنى من أجور العمال الأوروبيين. ولكن مع تقدم فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية المتطورة في اتجاه اقتصاد المعلومات وما بعد الصناعة بدأت مشكلة البطالة تستفحل بين أبنائها الأصليين أنفسهم وتبلغ البطالة في فرنسا حاليا (1112%) حسب إحصاءات مختلفة وبدأت تتزايد أيضا بصورة كبيرة التزامات (دولة الرفاهية) الأوروبية تجاه المهاجرين الحاصلين على الجنسية، وكذلك المقيمين بصورة شرعية إعانات بطالة - وضمانات اجتماعية - ونفقات إعادة تأهيل للتواؤم مع الأنشطة الاقتصادية الجودة الأكثر تطورا ... الخ ونظرا لانحفاض مستوى تعليم وإعداد أغلب المهاجرين، فقد كان طبيعيا أن تتفشى البطالة بينهم بنسبة أكبر. ومع بدء تقلص الحاجة إلى هؤلاء المهاجرين في الثمانينيات بدأت المجتمعات الأوروبية تظهر ميولا متزايدة لعدم التسامح تجاههم ثم بدأت تظهر في التسعينيات نزعات عنصرية فاشية تجاههم، وتجاه المهاجرين غير الشرعيين بصورة أخص. ومع التسليم بأن (أحزمة الفقر) في فرنسا وغيرها حيث يقيم المهاجرون، وخاصة غير الشرعيين يشهد نسبة أعلى للعنف والجريمة،، ومع التسليم بمشكلات عدم تكيف المهاجرين مع مجتمعاتهم الجديدة بسهولة، ووجود بعض مظاهر لنفوذ جماعات أصولية في صفوفهم.. إلا أن القوانين في بلدان المهجر كفيلة بمعالجة مثل هذه الظواهر والأهم من ذلك أنه مطلوب بذل جهود اقتصادية واجتماعية تربوية لرفع مستوى تأهيلهم واندماجهم في مجتمعاتهم الجديدة. وهذا ما كان يحدث في الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات. وأصبحت نظرية صدام الحضارات هي النظرية الأكثر انتشارا في الغرب، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر واكتشاف خلايا لتنظيم القاعدة في عدد من الدول الأوروبية، الأمر الذي انعكس في تسعر العداء للعرب والمسلمين، وخاصة من جانب أجهزة الاعلام التي تملك الحركة الصهيونية نفوذا قويا أو مسيطرا فيها. وكان (طبيعيا)! أن يؤدي هذا إلى تعزيز قوة الحركات اليمينية المتطرفة التي تتبنى أكثر المواقف عنصرية وعدوانية تجاه (الآخر) مثل حركة لوبن. عرب ويهود وربما كان من الضروري هنا أن نتوقف عندما يتردد حول عداء لوبن واليمين الفرنسي والأوروبي المتطرف للعرب واليهود على السواء. فلا بد من الإشارة إلى أن نصل عداء هذا اليمين المتطرف يتجه إلى العرب والمسلمين بصورة أساسية بينما تسعى الحركة الصهيونية لتوظيفه والاستفادة منه بشتى الأشكال، وخاصة في تنشيط الهجرة اليهودية إلى إسرائيل ويشير مراقبون عديدون إلى دور مرجح للموساد في تدبير الاعتداءات على المعابد والمقابر اليهودية في فرنسا، وقد سارع وزير الداخلية الإسرائيلي بمجرد الاعلان عن نتائج الانتخابات الفرنسية إلى دعوة يهود فرنسا لحزم حقائبهم والهجرة لإسرائيل! ويحدث ذلك رغم أن روجيه كيرمان رئيس المجلس التمثيلي للمنظمات اليهودية في فرنسا (كريف) أكد بوضوح أن عداء لوبن للعرب يمثل مصلحة مشتركة بين لوبن واليهود (الأهرام - 28 أبريل) ورغم ما أشارت إليه مصادر سياسية إسرائيلية من كون اليسار المتطرف الذي حقق نتائج طيبة في الانتخابات يشكل خطرا أكبر على إسرائيل، لأن أكثر الانتقادات لها يأتي من جانبه (الأهرام 23 أبريل نقلا عن يديعوت أحرونوت) ولعل هذا يكفي للكشف عن نفاق الصهيونية ومحاولتها لابتزاز العالم باستغلال نجاح لوبن. شيراكيون. رغم أنوفهم! الأمر المؤكد أن الرئيس شيراك هو المستفيد الأول من نجاح لوبن في الإطاحة بليونيل جوسبان فقد كانت النتيجة المنطقية لذلك هي حسم المعركة الصعبة في الجولة الثانية قبل وقوعها ولا بأس من بعض الكلمات حول أن الديمقراطية في خطر وأن فرنسا جريحة.. والجمهورية مهددة. وما إلى ذلك.. فكل هذا ضروري لتعزيز معسكره ولتحقيق أغلبيه كاسحة ربما كانت غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الفرنسية. فحينما يكون الخيار بين اليمين المتطرف العنصري بقيادة لوبن، واليمين التقليدي المعتدل بقيادة شيراك، لا يحتاج الأمر إلى تفكير كثير إنها مفارقات السياسة الساخرة، التي ستجبر حتى اليسار الراديكالي على التصويت لصالح شيراك .. والتي ستجعل جميع الديمقراطيين الفرنسيين شيراكيين رغم أنوفهم. لكن أجراس الإنذار التي قرعها جان ماري لوبن لا ينبغي أن تتبدد أصداؤها بعد نجاح شيراك. فنتائج الجولة الأولى نذير صارم لكل الطبيعة السياسية الفرنسية التقليدية بضرورة مراجعة مواقفها، واستخلاص الدروس اللازمة فالديمقراطية الفرنسية في خطر حقا. والأكثر من ذلك أن صعود اليمين (العسكري) من أمريكا، واليمين المتطرف في أوروبا خطر فادح ليس على الديمقراطية وحدها وإنما أيضا على السلام والأمن في العالم بأسره. ـ كاتب مصري