الملف السياسي: الانتخابات في فرنسا، وتداعياتها في العالم. فاليمين العنصري المتطرف يدق أبواب الرئاسة في قصر الاليزيه، ليتقدم مرشحه جان ماري لوبن في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، على حساب جوسبان والرئيس شيراك الأمر الذي جعل فرنسا، كسائر دول الاتحاد الأوروبي، تنتظر عودة هتلر تحت أسماء مستعارة جديدة، بفارغ الهلع والجزع. لقد أثبتت الانتخابات، حسب رئيس تحرير صحيفة «الفيجازي» الفرنسية ماجد نعمة «ان الديجوليين تنكروا لمبادئ الديجولية، وانقلب الشيوعيون على الشيوعية، وانصار المستائين من نظام الفكر الواحد، بعد انهيار جدار برلين، هم الذين أرادوا أن يرسلوا رسالة قوية الى الطبقة السياسية». وقد جاءت بشكل تأييد للظاهرة التي يمثلها رجل معاد لكل النظام الفرنسي الجمهوري هو جان ماري لوبن. هناك حالة ضياع سياسي وفكري، خاصة بعد الذي قيل عن (نهاية التاريخ)، و(نهاية الايديولوجيات). اضافة الى ذلك فإن 80% من القرارات الاستراتيجية المتعلقة بمصير فرنسا لم تعد تؤخذ في باريس نفسها، بل في أوروبا، وتحديدا في مركز القرار الأوروبي في بروكسل، حيث هناك أناس غير منتخبين يتحكمون بمصير كل أوروبا. هذه بعض الأسباب التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار إذا أردنا أن نحلل لماذا وصل لوبن إلى تلك النتيجة. ـ هل يمكن القول ان تلك الرسالة موجهة الى الفئة الحاكمة سواء أكانت من اليمين أو من اليسار؟ ـ نعمة: طبعا، لماذا صوت مثلا حوالي 9% من الاشتراكيين وغالبية من العمال، وكانوا أكثر من الشيوعيين، للوبن، وهنا نرى ايضا الذين صوتوا للتيار التروتسكي. جميع الذين صوتوا لصالح التيارات المتطرفة كان اقتراعهم احتجاجيا. ـ هناك من يقول ان الفرنسيين في الجولة الأولى من الانتخابات قد أضاعوا البوصلة، بحيث لم يجدوا فارقا بين برامج اليمين والاخرى اليسارية هل باتت جميع الاحزاب والتيارات والطروحات مصنفة في خانة واحدة بالنسبة لهم، وبالتالي رفضها كلها من قبلهم؟ ـ بالتأكيد، عندما يتقدم جوسبان رئيس الوزراء السابق، وهو مرشح الحزب الاشتراكي ليقول «ان برنامجي ليس اشتراكيا». كيف نريد من الاشتراكيين اذن، يصوتوا له بحماس؟ وعندما يتقدم شيراك ويقول: «أنا لست ديجوليا»، أو ما يشبه هذا المعنى، فكيف نريد من غلاة الديجوليين، أو من يسمونهم «بالديجوليين الحقيقيين» ان يصوتوا له؟ وعندما يتقدم المرشح الشيوعي ببرنامج يفتقر الى الحد الأدنى من المصداقية، فكيف يمكن للشيوعيين أو اليساريين التصويت الى جانبه؟». ألمانيا تتذكر هتلر أوروبا تراقب بقلق واهتمام شديدين ما يحصل في فرنسا، وفي طليعتها ألمانيا التي تبدو الدولة الاوروبية الاكثر قلقا، والاعظم تخوفا من تنامي تيار اليمين المتطرف في جارتها فرنسا. وهذا عائد بالطبع لكون ألمانيا قد اكتوت بنار النازية على يد ادولف هتلر، فكان ما كان من حرب كونية. كيف ينظر الألمان الى نتائج الانتخابات الأولى في فرنسا؟ الاعلامي المتخصص بالشئون الالمانية غسان أبو حمد يجيب قائلا: صدق القول هذه المرة ان الانتخابات في فرنسا، وردة الفعل عليها في ألمانيا، وما يصعب هضمه في باريس، يستحيل أكله في برلين. فكيف يمكن تسويق المتطرف اليميني لوبن، في بلاد مازال يخيم عليها شبح الزعيم النازي هتلر؟ وكيف يمكن تصريف الحقد على الاجانب في أسواق ألمانية تحمل ارث المحرقة والعرق الآري المتفوق. لذا، فالمعركة في فرنسا، والضجة في ألمانيا. وبعد ليلة انتخابية ليلاء افاق السياسيون والاعلاميون واصحاب القطاعات المدنية، والمسئولون والعاملون في ألمانيا، على هدير نتائج الجولة الاولى من الانتخابات الفرنسية، فوجدوا على أبوابهم المرشح لوبن الذي أعاد الى ذاكرتهم مآسي الحروب والدمار والكراهية والحقد. لذا، طالب المستشار الالماني شرويدر جميع الديمقراطيين في فرنسا واوروبا بمنع المرشح لوبن من استلام القيادة الفرنسية. ودعاهم ايضا الى منع تياره الفكري اليميني المتطرف من التحول الى قوة سياسية فاعلة في أوروبا. والحزب الاشتراكي ـ الديمقراطي الحاكم في ألمانيا، أعلن اسفه لتلك النتائج الانتخابية الفرنسية، محذراً من تأثير نهج المعاداة لأوروبا على خطوات التعاون الجبار والوثيق بين البلدين. وهو الذي أدى الى رسم السياسة الاوروبية، وتدعيم نهج التعاون وتعميقه بين الدول التي تتشكل منها المجموعة الاوروبية. انتشار عدوى التطرف ـ لا يريد الألمان لأنفسهم وللعالم ان يكتووا بنار هتلرية جديدة تهب من فرنسا هذه المرة.. لكن هل عدوى التطرف مؤهلة لأن تنتشر فعلاً في اوروبا أو في سواها، مع بدايات القرن الجديد واختلاف ظروفها عن تلك التي انجبت هتلر في النصف الأول من القرن الماضي؟ يجيب ماجد نعمة قائلا: ـ عدوى التطرف واردة بالتأكيد، يكفي ان نذكر ما جرى في النمسا منذ فترة غير بعيدة، لكن علينا ألا نقع في المبالغة، فالظروف التي تعيشها أوروبا حاليا هي مختلفة تماماً عن تلك التي أدت الى الحرب العالمية الثانية وصعود النازية، فالأزمة الاقتصادية ليست واضحة المعالم وخطيرة كما كانت في الماضي. ـ ولكن الحزب النازي (الحزب القومي الاجتماعي) الذي أوصل هتلر الى السلطة وصل عبر الانتخابات، أي عبر صناديق الاقتراع.. آنذاك كانت هذه الصناديق في ألمانيا.. هل يمكن ان تكون هي نفسها الآن في فرنسا؟ ماجد نعمة: ـ يجب أن نرى الأمور بهدوء وواقعية ودقة، فلماذا وصل هتلر في الماضي الى الحكم؟ لأنه كان هنالك آنذاك أزمة اقتصادية مميتة ومرعبة، اضافة الى هزيمة ألمانيا ووجود من يريد الانتقام من هذا الاندحار القومي الكبير برأيهم. لكن الأمر يختلف في الوقت الحاضر، فليس هناك هزيمة من ذلك النوع، ولا وجود لأية أزمة اقتصادية بمثل ذلك الحجم. وبالتالي فإن بروز اليمين المتطرف وتناميه سيبقيان ظاهرة احتجاج على نظام الفكر الواحد والوحيد بعد انهيار أنظمة الحزب الواحد في أوروبا الشرقية. المنزل البريطاني من زجاج ـ النظرة الالمانية تلك ترافقت مع أخرى مماثلة في بريطانيا التي ينطبق على وضعها المثل الشعبي العربي القائل «من كان بيته من زجاج لا يرشق الناس بالحجارة».. كيف؟ توضح الإعلامية العربية المقيمة في لندن هدى الحسيني قائلة: ـ إن أول سؤال طرح في بريطانيا بعد فوز لوبن كان: هل يمكن ان يحدث هذا الشيء في الداخل البريطاني نفسه؟ فسارع رئيس الوزراء توني بلير الى الاجابة: لا، لا يمكن ان يحدث، ولن نسمح بذلك. لكن الأمر يختلف عما حاول بلير ان يجزم به، فمن الممكن تكرار ظاهرة لوبن الفرنسي في بريطانيا، إنما تبقى احتمالات عدم حدوثه أكثر ولأسباب كثيرة تقف وراء ذلك. ففي بلاد الضباب اشرأب اليمين المتطرف برأسه بعد فوز لوبن، لكن لم يسبق ان حقق في أية انتخابات بريطانية، عامة أو محلية أو فرعية، ما حققه اليمين المتطرف في فرنسا أو في النمسا وفي ايطاليا. ثم ان بريطانيا لا تختلف عن فرنسا لأن شعبها أفضل، بل يعود هذا الاختلاف الى انه منذ أربعين سنة والمؤسسات القائمة على المساواة بين الناس مزدهرة وقوية، فهناك انفتاح ثقافي وتقبل للآخر مهما كانت جنسيته أو دينه، لذلك ليس صدفة ان بريطانيا لم تنتج لوبن انجليزي، لكن حكومة توني بلير تختلف عن حكومة ليونيل جوسبان (فرنسا) كونها لم تسمح لليمين المتطرف بأن يستغل نسبة ارتفاع الجريمة واللجوء. والابرز في الواقع السياسي ان في بريطانيا شفافية ومصداقية ولا يمكن لأي سياسي يقترب من الفساد بأن يبقى حتى في الحياة العامة. ولا يسمح في بريطانيا لأموال تجمع باسم الحملات الحزبية أو الانتخابية، فالصحافة تنتظر الجميع لتحاكمهم، وبعدها يتسلّم القضاء المسألة. من ناحيته، اعترف بلير انه قد يتأثر بسقوط اليسار في فرنسا، وبالذات الحزب الاشتراكي، لهذا قال ان حكومته لن تتردد في مواجهة ما يقلق الناس ومعالجته من ارتفاع نسبة الجريمة، وكثرة اللاجئين الى البلاد، لا سيما الذين يهربون من مخيم «سانغات» في فرنسا. الاقلاع عن التهويل يستبعد تحليل هدى الحسيني ان تنجب بريطانيا لوبن انجليزيا فيها نظرا للأدوار التي تلعبها فيها المؤسسات الديمقراطية التمثيلية البرلمانية. فهل هذه المؤسسات اكثر عراقة عما هي عليه في الدول الاوروبية الاخرى، بحيث لا يمكن لليمين المتطرف ان يحقق اي نجاح له في بريطانيا حاضر او مستقبلا، كما حصل في فرنسا؟ يوضح نعمة وجهة نظره ردا على ذلك فيقول: «علينا ألا نهول من حجم ما حصل في فرنسا، اريد ان اذكر (بتشديد وكسر الكاف) ان مارجريت تاتشر عندما انتخبت لأول مرة، لم يكن برنامجها مختلفا كثيرا عن برنامج جان ماري لوبن فقد قامت «بثورة ضد الملونين وضد عدم الاستقرار واستتباب الامن». لا شك ان هناك مؤسسات قوية في أوروبا وعلينا ان لا نستهين بها، وهي قادرة على ان تقف في وجه مثل تلك الظاهرة (لوبن) التي، واكرر القول، لا تعدو مجرد كونها احتجاجية، لقد اراد الناخبون الأوروبيون وعبر فرنسا ان يوجهوا رسالة الى قادتهم لاعادة حيوية الحوار والديمقراطية ولحمة العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم». لكن هذا «التسطيح» في الرؤية والتحليل يعني جرعة كبيرة غير مبررة ولا دقيقة، من تبسيط تقدم لوبن تخفيفا من الاخطار التي يحملها على أوروبا والعالم وهو يوازي التهويل وكلاهما مرفوض. وقائع ودلالات يختصر نقيب محرري الصحف في لبنان ملحم كرم (وهو يصدر مجلته «الحوادث» من لندن، وبالتالي يتابع الشأن الاوروبي عن كثب) مخاطر فوز لوبن بعنوان واحد هو انه يعكس «ازمة ابداع وعقل» وبما تعكسه من مأزق حضاري يضع المجتمع الفرنسي والأوروبي أمام ارتداد نحو اليمينية ـ العنصرية المتطرفة ردا على مجموعة من المعطيات السلبية التي باتت تطبع الحياة السياسية والعامة في فرنسا (وهذا نموذج يمكن تعميمه على سائر أوروبا) وان بنسب متفاوتة. ويحدد كرم ابرز تلك المعطيات وهي: فشل الاشتراكية اليسارية في ادارة شئون فرنسا وتقزيم حضورها على المسرح الدولي واستضعافها ـ تلميع جوسبان لوجوه بعض المتهمين بالفساد وتعيينهم وزراء امثال وزير المال لوران فابيوس، وزير الداخلية دانيال فابيان، ووزيرة العمل السابقة مارتير اوبري وسواهم ـ عجز الشرطة عن مواجهة المد الاجرامي الاسود ـ تفاقم البطالة ـ تراجع النخبوية والابداع، وتزايد الغوغائية، وهجرة العديد من العقول والادمغة الفرنسية. ويحذر النقيب كرم من ان لوبن سيبقى حاضرا في السياسة الفرنسية الداخلية منها والخارجية حتى ولو فشل في الدورة الثانية، كما هو متوقع وفوز شيراك لولاية رئاسية ثانية. لماذا؟ يوضح كرم: «ذلك ان الانتخابات التشريعية التي تعقب الانتخابات الرئاسية قد تشهد بدورها صعودا مدويا لليمين المتطرف على حساب الاشتراكيين الذين يجرجرون اذيال الخيبة، ويحصدون العاصفة بعدما زرعوا الرياح، هذه كلها مؤشرات لا تتعلق بفرنسا وحدها، فاليمين المتطرف يسيطر تدريجيا على مواقع القرار السياسي في كامل الاتحاد الاوروبي، ففي ايطاليا انهزم الشيوعيون، وصعد برلسكوني وخياراته القومية، وفي النمسا، على الرغم من خروج هايدر من الحياة السياسية بقرار شخصي، ونتيجة لنصائح وضغوط، فإن الرأي العام النمساوي لا يزال متعاطفا معه، وهو يرفض الهجرة، ويحث على طرد المهاجرين الذين يمضي على وجودهم في النمسا سنوات عدة. وفي ألمانيا يتضاءل نفوذ المستشار شرويدر. وفي الانتخابات الفرعية التي جرت قبل اسابيع قليلة انهزم حزبه امام «الديمقراطيين المسيحيين» الذين يقودهم المستشار كول، وفي دول أوروبا الشمالية يسيطر اليمين على اليمين المتطرف على حساب الاشتراكيين الذين يتقهقرون في كامل الاتحاد الأوروبي». تلك بعض الدلالات التي يعكسها «الزلزال السياسي» الذي تمخضت عنه نتائج الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية. انه علامات لتقدم الغزو السافر لليمين العنصري لأوروبا جمعاء لا لفرنسا فقط، انه هتلر يستنسخ حقده ومشروعه المدمر للعالم، هل يجوز ان نتأخر بتجهيز عدتنا العربية للحرب العالمية الثالثة؟ ألم نتأخر في فهم الطبعة الدولية لمشروع شارون.