انه أكبر انقلاب في تاريخ الانتخابات الرئاسية في فرنسا.. بل انه زلزال يضرب الطبقة السياسية ويفتح أمام الفرنسيين أزمة الانقسام الذي يمزق الحلبة السياسية : لقد وصل زعيم اليمين العنصري المتطرف جان ماري لوبن، إلى الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية في فرنسا ، للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة ، التي أقيمت عام 1958 ، وأجرت يوم 22 أبريل 2002 انتخاباتها السابعة ، إذ حصل المرشح الديجولي ، الرئيس جاك شيراك على 19.6% من الأصوات وهي نسبة ضعيفة جدا لرئيس يمارس الحكم منذ سبع سنوات ، وحصل لوبن على 17.58% ليخرج المرشح الاشتراكي ورئيس الحكومة ليونيل جوسبان من السباق الرئاسي ويحمله على الاعلان عن انسحابه من الحياة السياسية واعتزاله العمل العام. كان بين المرشحين اثنان يمثلان أقصى اليمين وواحد من اليمين الليبرالي ، ومرشح من وسط اليمين ، وثلاثة تروتسكيين (أنصار الزعيم الشيوعي السوفيتي ليون تروتسكي)، واثنان من ممثلي أنصار البيئة ، وشيوعي واحد ، وراديكالية يسارية واحدة ، وممثل عن لوبي الصيادين. والمؤكد أن تشتت أصوات اليسار واليمين وتوزيعها على عدة مرشحين (عدد الذين رشحوا أنفسهم لرئاسة الجمهورية الفرنسية بلغ 16 مرشحا وهو رقم قياسي في تاريخ الانتخابات الرئاسية الفرنسية) أسهم في اضعاف المرشحين الرئيسيين: الرئيس الفرنسي الديجولي جاك شيراك والزعيم الاشتراكي ليونيل جوسبان ، غير أن هذا التشتت هو أحد الأسباب.. وليس كلها ، ذلك أن شخصية جوسبان وهشاشة برنامجه الانتخابي ، الذي كان يركز على الامن ،لعبا دورا في إسقاطه ، خاصة أن تركيز المرشحين الديجولي والاشتراكي على الأمن جعل الصاحب الاصيل لهذا الشعار (جان ماري لوبن) يقطف ثمرته في ظل وضع عالمي يضع الأمن ومحاربة ما يسمى بالإرهاب عنوانا لأفكار بدايات القرن الحادي والعشرين الحالي. وبغض النظر عن الاسباب الحقيقية لخسارة جوسبان ، فقد حصد المرشحون الذين يدافعون عن قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الفقراء والذين ينسبون أنفسهم لليسار بكل أطيافه نحو 47% من أصوات الناخبين في الجولة الأولى للانتخابات ، ولكن هذه الأصوات تفتت في النهاية بين تسعة مرشحين ، لتكون المحصلة هي غياب مرشح اليسار عن الجولة الثانية للانتخابات للمرة الأولى منذ عام 1969، وعلى نقيض تصورات البعض ، فإن عددا من المراقبين يرون أن من حقق انتصارات في هذه الانتخابات لم يكن اليمين المتشدد وحده ، بل فصائل اليسار الراديكالي أيضا ، وفي مقدمته التروتسكيون ، حيث نجح المرشحون الثلاثة لهذا التيار (أرلت لاجييه ، وأوليفييه بيزانسينو ، ودانييل كلوستكسيان) في الحصول على 10.5% من أصوات الناخبين ، بينما كان نصيب مرشحته الوحيدة في انتخابات 1995 (أرليت لاجييه 5.3%) بنسبة ارتفاع تقارب 100%، كذلك ارتفع نصيب مرشح حزب الخضر من 3.30%إلى 5.27%، إلا أن هذا لا يخفي الهزيمة القاسية التي منيت بها الفصائل التاريخية لليسار الفرنسي سواء الحزب الاشتراكي أو الحزب الشيوعي ، الذي يعد الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات ، حيث لم يحصد مرشحه (روبرت هو) سوى على 3.4%من الأصوات قادما خلف مرشح تروتسكي مغمور هو بيزانسينو الذي يبلغ من العمر 27 عاما فقط، والذي حصل على 4.3% من الأصوات، ان تراجع الاشتراكيين والشيوعيين هو بلاشك استفتاء بالسلب على السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تبنتها الحكومة التي شكلوها معا منذ 1997 ، والتي فشلت في خفض معدلات البطالة ، وتحسين مستوى معيشة جمهور الطبقة الوسطى، كذلك فشلت في إرضاء العمال وفقراء المدن ، لتتوزع أصواتهم بين اليمين المتشدد واليسار الراديكالي. وفيما أطبق الوجوم على غالبية أفراد الطبقة السياسية الفرنسية ، نظرا لما يعنيه نجاح اليمين المتطرف في اختراق الحياة السياسية من مخاطر ، فإن لوبن قد تذوق بفرح واضح نجاح رهانه ، ودعا الفرنسيين إلى عدم التخوف والدخول إلى مرحلة الأمل واصفا نفسه بأنه يجسد آمال الفئات الدنيا والمهمشة ، التي اقترعت له انتقاما من السياسيين الذين تجاهلوا مصالحها للاعتبارات الأوروبية والعولمة. ومن المعروف أن لوبن قد أسس حزبه (الجبهة الوطنية) قبل ثلاثين عاما ،ولم يكف عن تحذير مواطنيه - طوال السنوات الماضية - من الخطر الذي يهدد الحياة الفرنسية من جراء وجود المهاجرين الذين قدموا من شمال أفريقيا ، واستطاع لوبن أن ينتزع تأييد 15% من الناخبين في انتخابات عام 1995 ، واثار لوبن حفيظة يهود فرنسا عندما وصف المحرقة (الهولوكست) بأنها مسألة هامشية في التاريخ ،ورغم بلوغه سن الثالثة والسبعين إلا أنه لم يغير موقفه قط ، وهو اعتبار أن المشكلة الأكبر التي تواجه فرنسا وأوروبا وربما العالم ، هي مشكلة الهجرة الكثيفة التي يعتبرها عملية (غزو). لقد أصبح اليمين المتطرف واقعا خطيرا في فرنسا ، لأن الأصوات التي حصل عليها لوبن ورفيقه المنشق عنه (برونو ميجريه) تتجاوز 20% من أصوات الناخبين. لقد شهدت الكتلة الإنتخابية لليمين المتطرف تحولات مثيرة للإنتباه ، فإذا كانت هذه الكتلة قد نجحت في السابق في إستقطاب فئات عمالية شبابية، في ظل تراجع ملحوظ للحزب الشيوعي الفرنسي وتصدع في وحدة الحركة النقابية ، فإن هذه الكتلة اليمينية المتطرفة أصبحت تجتذب الآن نسبة من الكهول إلى جانب نسبة متساوية من التجار والعمال ، ولم يعد الناخبون الذين يدلون باصواتهم لليمن المتطرف من الفئات الأقل ثقافة في المجتمع الفرنسي ، كما كان الحال في السابق. وقد تعمد لوبن التركيز على قضيتي القانون والنظام في وقت يشعر فيه الكثيرون من الفرنسيين بأنهم يتعرضون للتهديد بسبب تفاقم ظاهرة الجريمة العنيفة. إنها المحاولة الرابعة التي يقوم بها لوبن لدخول قصر الإليزيه، ولكنه لم يقترب في أي يوم من الأيام من مقر الرئاسة كما حدث في هذه المرة. والواضح أن الناخب الفرنسي لم يعد يثق في حزب شيراك الديجولي، أو في حزب جوسبان الاشتراكي، وأنه يبحث عن طريق للتغير، كذلك من الواضح أن الناخب الفرنسي يشعر بالملل من صيغة (التعايش) بين رئيس جمهورية يميني (شيراك) ورئيس حكومة يساري يتزعم الحزب الاشتراكي (جوسبان). لم يجد الناخبون الفرنسيون فروقا واضحة بين المرشحين الرئيسيين لليمين واليسار فهناك تشابه في برامج كل منهما، فقد كان ذلك التقارب في الأفكار الاقتصادية للتيار الديجولي الذي يمثله جاك شيراك والتيار الاشتراكي الذي يمثله ليونيل جوسبان ومن هنا ظهر تعبير ساخر عن هذا التقارب يتلخص في كلمة واحدة هي (اشتراجولية)، التي تجمع بين الأشتراكية والديجولية. فمثلا يتحدث شيراك عن محاربة الفقر والأمراض في العالم، والشفافية والاستقرار في المبادلات المالية الدولية، وإحترام الحقوق الاساسية في التجارة والتبادل، وتقليص هامش التفاوت بين الدول الغنية والدول الأقل نموا، وإعادة تجديد دور القطاع العام مع المؤسسات غير الحكومية. ويؤكد ليونيل جوسبان على نفس هذه المعاني، ويقتصر الفرق على الأسلوب، ويتفق شيراك وجوسبان على أهمية أعطاء (وجه إنساني) للعولمة إنهما يقبلان بها، وكل ما يطمحان إليه هو التخفيف من وحشيتها، وتقديمها بصورة أفضل لمواطنيهما، ولعل التقارب بين الحزبين اليميني واليساري التقليديين، كان نتيجة لإنتقال فكر كل منهما في إتجاه الوسط. ويلفت النظر أنه على الرغم من رغبة كل من شيراك وجوسبان في الحفاظ على هامش من الاستقلالية الأوروبية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، وتقوية أوروبا دفاعيا وسياسيا واقتصاديا للمساهمة في الحد من الهيمنة الأمريكية المنفردة على العالم، إلا أن الحزب الاشتراكي الفرنسي ظل حتى النهاية عاجزا عن اعتماد سياسة أكثر جرأة حتى في أكثر الأوقات صعوبة. ورغم انتقادات وزير الخارجية الفرنسي أوبير فيدرين للسياسة الأمريكية، ظل الحزب الاشتراكي أسيرا للإستراتيجية الأمريكية الأطلنطية، وإستمر موقفه مقصورا على ردود فعل عابرة،وتعثرت كل محاولات إنتهاج سياسة مستقلة تكبح جماح (القطب الواحد)، كما لم يجد الناخب الفرنسي الرافض لليمين، لدى الحزب الاشتراكي أي فكر يساري أو إشتراكي خلاق. بل أن أحدث استطلاعات للرأي كشفت أن 75% من المشاركين فيها، يعتبرون أن برنامجي شيراك وجوسبان (يكاد يكونان متطابقين) وهذا هو السبب في أن حوالي 60% من الناخبين، لم يحددوا موقفهم تجاه أي مرشح، حتى قبل ساعات من الاقتراع، وحتى الشعارات الانتخابية لكل من شيراك وجوسبان كانت مشابهة فالرئيس الفرنسي يدافع عن فرنسا موحدة، وزعيم الحزب الاشتراكي الذي يرأس الحكومة يدعو إلى وحدة فرنسا والفرنسيين. صحيح أنه يمكن قطع الطريق على لوبن في انتخابات الدورة الثانية المقرر لها أن تجرى في 5 مايو 2002، إذا من المتوقع أن يفوز شيراك بغالبية 77% من الأصوات في مقابل 22% للوبن، لأن الأغلبية،وعلى رأسها الحزب الاشتراكي، سوف تلتف حول شيراك ضد (العنصرية وكراهية الأجانب) التي يمثلها لوبن، إلا أن هذا لا يلغي صعوبة المهمة التي سيواجهها الرئيس المقبل لفرنسا، ففرنسا التي تعتبر بمثابة بلد ديمقراطي منفتح على العالم، تبدو اليوم بلدا ضيق الأفق، يرفض الاجانب وأوروبا، ويشكك بالمستقبل ويخاف من كل ما يحيط به. أن فوز شيراك المنتظر في الدورة الثانية لا يقلل من خطورة وفداحة نتائج الدورة الأولى، لأن هذه النتائج تكشف أن الناخب الفرنسي، الذي كان يميل في الأغلب إلى اليسار، اصبح يحتضن التطرف اليميني، الأمر الذي جعل زعيم حزب الخضر (نويل مامير) يحذر من أن فرنسا تعيش أزمة سياسية منذ الحرب العالمية الثانية. ومع أن نتائج الدورة الأولى قد ولدت إجماعا تلقائيا في أوساط مجمل القوى السياسية اليمينية منها واليسارية، على (إقامة عائق) أمام فوز لوبن في الدورة الإنتخابية الثانية في الخامس من مايو 2002، وإذا كانت الهزة الناجمة عن بروز لوبن في موقع الرجل الثاني في فرنسا بعد الرئيس جاك شيراك، قد حملت مختلف القوى السياسة للدعوة كل من جانبه لمحاصرته ومنعه من التقدم، فإن التحدي الأول الذي يواجهه شيراك، هو السعي إلى إعادة الديمقراطية إلى نصابها وتجنيبها الإنحرافات التي قد تترتب على تنامي شعبية لوبن. الأمل الآن هو أن تؤدي الصدمة إلى تحريك الشعب الفرنسي وتدفعه للتضامن والتصدي لموجه التطرف والعنصرية، ووقف نمو شعبية لوبن وتعطيل مناوراته الخطرة، فهو لايمكن أن يأتي بحلول للوضع القائم في فرنسا، لأنه يريدها خارج الإتحاد الأوروبي، معزولة منزوية على نفسها، ومنافية للتقليد المتبع لديها، كونها أرض لجوء وبلد حقوق إنسان. فما ينقذ فرنسا الآن، هو أن يعي شعبها ضرورة إصلاح ما حصل نتيجة تجاهله للإنتخابات وعدم المشاركة فيها بنسبة عالية، والعمل على دعم الرئيس الحالي وتمكينه من القيام بمهمة تاريخية بمنحه غالبية في البرلمان لتمكينه من الوفاء بوعده بضمان الأمن وتحسين الأوضاع المعيشية،وهذا يتطلب منه اختيار شخصيات قوية وقادرة على تولي المهام الحساسة والبدء في أسرع وقت بالعمل بكل همة تداركا لتفاقم الأزمة الفرنسية، فالزلزال الأخير كان بمثابة إنذار بالخطر لابد من الوعي به وأخذه مأخذ الجد. ـ كاتب مصري