الملف السياسي: بعد مرور أيام عدة على اعلان نتائج الدورة الاولى لانتخابات الرئاسة الفرنسية، من المفترض أن تكون ردود الفعل الغاضبة والمعبرة عن صدمة لا سابق لها، قد هدأت قليلا، ما يتيح القيام بتحليل «غير منفعل» للموقف الناشئ عن هذا التطور الدراماتيكي، سواء فيما يتعلق بالعوامل السياسية أو غيرها التي أدت اليه، أو بالتوقعات المستقبلية المرتبطة به. لابد من القول أولا انه برغم المفاجأة التي أحدثها تمكن زعيم «الجبهة الوطنية» المتطرفة جان ماري لوبن من تحقيق نسبة أصوات تتيح له الوصول الى الدورة الانتخابية الثانية في مواجهة الزعيم الديجولي الرئيس جاك شيراك، فإن هذا الحدث الانتخابي، وان يكن قد بلغ مستوى الصدمة بالنسبة لجميع القوى السياسية، لكنه لا يؤشر على وجود تغير جذري في توجهات الشارع والرأي العام الفرنسي، ولا يشكل كارثة على مستقبل فرنسا، خلافا لما أظهرته ردود الفعل الأولية، الاعلامية أو السياسية أو الشعبية، والتي اتسمت بنوع غير مسبوق من الرعب والذهول. واذا اعتمدنا لغة الارقام لتوضيح معنى الحدث وملابساته، تواجهنا الحقائق التالية: ـ أولا: ان نسبة الاصوات التي حققها جان ماري لوبن في الانتخابات الحالية وهي 16.86 في المئة تزيد بمعدل نقطتين أو ما يقرب من 200 ألف صوت عن النسبة المحققة في انتخابات عام 1995، وهي نسبة لا تدل أبدا على ان ثمة انقلابا أو تحولا صارخا في الموقف الشعبي الفرنسي له ما بعده. ـ ثانيا: ان تأهل لوبن للانتقال الى الدورة الثانية لا يعني تمكنه من تحقيق مكاسب اضافية مهمة، وأقصى ما يستطيعه في هذا المجال هو الحصول على نسبة اضافية صغيرة من الاصوات كانت تحولت الى حليفه السابق في «الجبهة الوطنية» برينو ميجريه بحيث لا يزيد رصيده الاجمالي من 20 الى 22%، وهي نسبة ضئيلة جدا بالقياس الى النسبة المتوقع ان يحققها خصمه والتي قد تصل الى ثمانين في المئة بحسب التقديرات الاولية، وبالقياس الى النسبة العادية التي يفترض ان ينالها المرشح الرئيسي المنافس (غير الفائز) وهي تصل الى حافة الخمسين في المئة ولا تقل عن الاربعين من مجموع أصوات الناخبين، كما حدث في دورات انتخابية سابقة. ومن المؤكد ان ما ناله لوبن من اصوات هو اقصى ما يستطيع الحصول عليه، حتى ولو بدا منتصرا في الدورة الانتخابية الاولى. ـ ثالثا: ان مجرد وصول اليمين المتطرف، الممثل بـ «الجبهة الوطنية» ورئيسها جان ماري لوبن، الى الدورة الثانية، هو المفاجأة، وهو الصدمة، وليس أكثر من ذلك. إذ لم يكن يتوقع حدوث هذا الامر في أي وقت من الاوقات، وحتى في أسوأ حالات المزاج الفرنسي الذي يتصف بالنزق والتقلب. ـ رابعا: ان المفاجأة الحقيقية فيما حدث تتمثل في تراجع الحزب الاشتراكي قليلا، وعلى نحو غير متوقع، ما ادى الى خسارته فرصة ان يحل في المرتبة الثانية. فالمعركة الفعلية لم تكن في الدورة الاولى وانما في الدورة الثانية حيث كان من المتوقع ان يتواجه الخصمان الرئيسيان جاك شيراك وليونيل جوسبان في معركة متكافئة. فما الذي حدث حتى تبدلت المواقع والادوار ... ووقع ما ليس في الحسبان؟ أسباب النكسة تتفق آراء المحللين على ان السبب الرئيسي لنكسة الحزب الاشتراكي ومرشحه ليونيل جوسبان هو تبعثر أصوات القوى اليسارية بعدما توزعت على عدد من المرشحين، الأمر الذي لم يحدث على هذا النحو من قبل. وتظهر الارقام المسجلة لنتائج الدورة الأولى ان مجموع ما حصده مرشحو اليسار يزيد على 27%. فالمرشحة التروتسكية آرليت لاغييه (حزب النضال العمالي) استطاعت وحدها أن تحقق نسبة تصل الى حدود الستة في المئة من الاصوات، وهو رقم زاد بمعدل نقطة تقريبا عما نالته في انتخابات عام 1995. وعلى الرغم من ان مرشح أنصار البيئة «الخضر» نويل ماميير لا يصل في طموحاته الى حدود التأهل لبلوغ الدورة الانتخابية الثانية، لأن ترشيحه في الاساس يعتبر رمزيا، فإن النتائج التي حققها في الدورة الاولى (كما في انتخابات عام 1995) احدثت تأثيرا سلبيا مماثلا لما أحدثه شوفنمان. والمعروف ان حزب «الخضر» هو حليف الحزب الاشتراكي في الانتخابات النيابية لعام 1991 وفي حكومة جوسبان الحالية. ويأتي بعد ذلك ممثل الحزب الشيوعي ورئيسه روبير هو الذي نال نسبة تزيد قليلا على ثلاثة في المئة، وهي أقل نسبة يحققها هذا الحزب الفرنسي العريق عبر تاريخه الطويل، وذلك بسبب التآكل المستمر في قاعدته الشعبية. ومع هذا فقد أضر بحليفه الحزب الاشتراكي، ولو في حدود النسبة المتواضعة التي حصدها. وأخيرا وليس آخرا، تأتي مرشحة الحزب «الراديكالي اليساري» كريستين توبيرا التي نالت نسبة 2.33%، وأسهمت هي الاخرى في بعثرة اصوات اليسار الفرنسي، وفي احفاق مرشح الحزب الاشتراكي ليونيل جوسبان. ومن الواضح ان الحزب الاشتراكي، وان كان أبدى انزعاجه من ظاهرة تعدد مرشحي اليسار، لكنه لم يبذل جهدا كافيا لمعالجة اسبابها وتجنب اخطارها. وربما اعتقد، واهما، انه يستطيع تحقيق الفوز برغم كل هذا «الانفلات» اليساري، ومن دون ان يقدم تنازلات لأحد. المشكلة الامنية وبالاضافة الى ذلك فإن ممثل «الجبهة الوطنية» استغل عدة حوادث امنية وقعت في الآونة الاخيرة ليضاعف من حملته التقليدية على المهاجرين الاجانب من جهة، وعلى السلطات الرسمية (يسارها ويمينها) من جهة أخرى، متهما اياها بالتهاون مع العناصر «الفوضوية». ولعل أسوأ هذه الحوادث التي ركز عليها لوبن، الحادث الذي وقع في بلدة أورليان القريبة من باريس، حيث تعرض عدد من المهاجرين (السود) لرجل فرنسي مسن فضربوه وأهانوه وأحرقوا منزله. وقد بثت محطات التلفزة صورا للحادث كان لها أثرها السيئ على مختلف المشاهدين. وكان الرئيس جاك شيراك شخصيا شن، هو الآخر، حملة على حكومة ليونيل جوسبان موضوعها المشكلة الامنية التي تثير استياء معظم الفرنسيين. واعتبر الرئيس الفرنسي ان حكومة جوسبان لم تستطع معالجة هذه المشكلة، وان يكن المرشح تعهد ـ في برنامجه الانتخابي ـ بوضع حد للتدهور الامني، اذا ما جرى انتخابه رئيسا لفرنسا وذلك عن طريق تعزيز اجهزة القضاء والشرطة واستحداث وزارة تتولى شئون الامن العام، وانشاء خلايا اجتماعية متخصصة للعناية بالمراهقين المتورطين في احداث مخلة بالأمن. واذا كانت هذه الاعتبارات تبدو كافية، بحد ذاتها، لإحداث خلل كبير في القاعدة الانتخابية لزعيم الحزب الاشتراكي كما تبين لاحقا ـ الا ان هناك مشكلة اخرى واجهت العملية الانتخابية برمتها، وتمثلت بإعراض عدد كبير من الناخبين عن المشاركة في الاقتراع. وقد بلغت نسبة الممتنعين 28.4% من بينهم نحو 40% من الشباب الذين احجموا عن المشاركة في الاقتراع لأسباب مختلفة بيد ان هؤلاء الشباب كانوا اكثر المستائين من النتائج فنظموا تظاهرات صاخبة وقد ترافق ذلك مع حدوث انكماش اقتصادي مغلق، في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر، وارتفاع نسبة البطالة بين الشباب، وانتهاء مفعول بعض الاجراءات التي نفذتها حكومة جوسبان لمعالجة المشاكل الاجتماعية. وكل ذلك يشكل تربة صالحة لاستفحال المشكلتين الامنية والاجتماعية في البلاد، مما يسهل استغلاله في المعارك الانتخابية. يضاف الى هذا رغبة الكثير من الفرنسيين في التعبير عن احتجاجهم على السياسات العامة المعتمدة، وعلى الآثار السلبية لعملية التعايش القائمة بين رئيس يميني (جاك شيراك) وحكومة اشتراكية، حيث يضع كل طرف مسئولية التقصير على الطرف الآخر. وقد تمثل هذا السلوك بما يسمى الاقتراع الاحتجاجي او الاقتراع الانتقامي، يحث يكون الهدف الإضرار بمرشح معين وليس بالضرورة تحقيق فائدة حاسمة للمرشح الآخر المقترع لمصلحته. على ان الاقتراع الاحتجاجي له اسباب اخرى مهمة، ابرزها النقمة المتفاعلة في اوساط الجاليات العربية والاسلامية على خلفية المواقف السياسية التي اتخذها ليونيل جوسبان في اوقات سابقة ووصف فيها المقاومة الوطنية اللبنانية، وحزب الله تحديدا، بأنها ارهاب موجه ضد اسرائيل، ومع ان جوسبان حرص لاحقا على تحسين صورته باتخاذه مواقف اكثر توازنا حيال الصراع العربي ـ الاسرائيلي، ربما تحت تأثير الحملات المضادة التي استهدفته بسبب انحيازه الواضح للدولة العبرية، إلا ان ما يتعرض له الشعب الفلسطيني حاليا من مجازر مروعة وتنكيل جماعي تجاوز كل الحدود اعاد الى الاذهان صورة رئيس الحكومة الفرنسية وهو يتعرض لرشق الحجارة في جامعة بيرزيت الفلسطينية احتجاجا على مواقفه المنحازة لإسرائيل وقد بدا من الواضح خلال الحملات الانتخابية الاخيرة، ان مرشحي الرئاسة اصبحوا ينظرون باهتمام اكبر الى مواقف الجاليات العربية والاسلامية، لا سيما بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر نظرا لما يمكن ان تحدثه من تأثيرات داخلية، ايجابية او سلبية. استعدادات للمرحلة المقبلة مع كل ذلك ينبغي التساؤل مجددا هل ان ما حدث يشكل كارثة حقيقية؟ بالنسبة للحزب الاشتراكي تعتبر هذه النتيجة كارثة فعلية. فهي ادت على الفور الى حمل زعيم الحزب ليونيل جوسبان على اعتزال الحياة السياسية بعد انتهاء الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في 5 مايو المقبل. كذلك فإن الحزب الاشتراكي يجد نفسه مضطرا لدعم ترشيح خصمه اللدود جاك شيراك حتى يقطع الطريق على العدو الاكثر خطرا عليه وعلى فرنسا كلها والنظام الديمقراطي فيها: جان ماري لوبن. وقد اوعز الى محازبيه وانصاره للتصويت لشيراك من دون تردد. بيد ان الكارثة ستكون اكبر وابعد في الحسابات المستقبلية للحزب الاشتراكي اذا عجز عن اعادة تنظيم صفوفه بسرعة وترتيب تحالفاته، بما يجعله قادرا على خوض الانتخابات التشريعية المقبلة (في النصف الثاني من يونيو المقبل) وتحقيق نتائج مقنعة فيها. اما بالنسبة للرئيس جاك شيراك الذي بدا غاضبا كسواه، بسبب نتائج الدورة الاولى التي كانت نسبة فوزه فيها متواضعة ايضا (19.88%) فيعتبر المستفيد الاكبر من هذا التطور، ففضلا عن ان لوبن لا يشكل تهديدا جديا له في الدورة الثانية فهو سيحظى بتأييد اكثر من ثلاثة ارباع الشعب الفرنسي وهذا الامر لم يحدث من قبل، ما يجعله منقذ فرنسا، بعد شارل ديجول ورجلا تاريخيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى ومن المؤكد ان هذا يفوق تصورات الرئيس الفرنسي المقبل وحساباته. لكن الانتصار الكامل لشيراك لا يمكن ان يتحقق الا اذا استطاع هو الآخر اعادة تنظيم صفوف اليمين المعتدل الذي يمثله وبناء تحالفات جديدة على اسس يستفاد فيها من تجربة نفاذ اليمين المتطرف الى المقدمة عبر استغلال التناقضات السياسية والمصلحية القائمة، ولن يتأتى له ذلك الا اذا تمكن من تحقيق انتصار واضح في الانتخابات التشريعية المقبلة يثبت فيها زعامته من جهة ويتلافى العودة الى واقع «التعايش» من جديد مع خصومه الاشتراكيين. فهو ايضا وليس الفرنسيون وحدهم من ضاق ذرعا «بالمساكنة» الاضطرارية التي تجبر الطرفين على القفز فوق المشاكل بدلا من ايجاد حلول لها. فشيراك يشعر بعد تعايش السنوات الخمس الماضية مع الاشتراكيين واقتسام القرار بين الجانبين، ان دور فرنسا ضعف عالميا كما ضعفت سلطته هو داخليا وسيكون همه في سنوات ولايته الخمس المقبلة ان يقلب هذه الصفحة كليا ويفتح صفحة جديدة. وهنا يكمن صراعه الحاسم مع الحزب الاشتراكي اولا، ومع القوى اليمينية المتطرفة ثانيا. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس