الملف السياسي: بعد استعمال كلمة زلزال في جنين للتعبير عما ارتكبه الصهاينة في ذلك المخيم الآمن، جاءت كل الصفحات الأولى للجرائد الفرنسية تحمل عنواناً واحداً هو «الزلزال» ولم يجد الاعلاميون والمتابعون للشأن الفرنسي ابلغ من هذه العبارة لوصف ما وقع يوم 21 ابريل. فقد وصل للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الأولى مرشح يميني عنصري متطرف الى الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية لينافس مرشح اليمين المعتدل والرئيس الحالي لفرنسا جاك شيراك، بعد ان انهزم مرشح اليسار رئيس الحزب الاشتراكي ليونيل جوسبان شرّ هزيمة لم يذقها هذا الحزب العريق منذ العام 1969. نعم الزلزال يهزّ أركان عاصمة النور وكل مدن وقرى فرنسا وتتردد أصداؤه العميقة في أرجاء الاتحاد الأوروبي والعالم بأسره. ما الذي جرى حتى تقع هذه المفاجأة الكبرى؟ وأين كانت اجهزة استطلاع الرأي العام وهي كثيرة ومستقلة ولديها وسائل رصد اتجاهات الجماهير الأكثر تقدماً؟ وأين كانت تلك المنظمات وتلك الأحزاب التي تتعلق بقيم الجمهورية مهما كان المرشح الفائز؟ فالفرنسيون ينتخبون عادة بعقولهم وتبعاً لمصالحهم وكذلك حسب منظومة قيم أصيلة لم يخونوها على مدى قرنين وأكثر؟ من أين طلع بعبع اليمين الفاشي؟ من أي كهف خرافي خرج التنين المخيف وكيف لم يُلجم ولم يوضع في قفص بوسائل القانون الدستوري؟ وأين تقع تلك الثغرة في جدار المؤسسات الدستورية حتى يدخل منها هذا الغول المرعب؟ اسئلة كثيرة تتزاحم على الفضائيات الفرنسية وهي ترسم ارقام الزلزال: شيراك 20%، لوبن 17%، جوسبان 16.5% وتأتي قافلة الثلاثة عشر مرشحاً بحوالي من 6 الى 2%. إذن حسب المجلة الانتخابية الفرنسية فإن شيراك لن يواجه في الدور الثاني غريمه ومنافسه ورئيس حكومته ليونيل جوسبان، بل سيقف بالرغم منه امام عدوه اللدود وعدو الديمقراطية... الذي اوصلته الديمقراطية الى أعلى مراتب الانتخابات زعيم حزب الجبهة الوطنية جون ماري لوبن. هذا الرجل غريب الاطوار ذو الخمسة والسبعين عاماً والذي زار اسرائيل خلال الاسبوع الماضي وافرغ كيس احقاده ضد العرب بطريقة هجينة قذرة امام صديقه ارييل شارون حيث قال: «إن العرب جنس لا يحترم العهود وهم ضد العالم الحر ولشارون الحق في ان يضرب الارهابيين مواصلة لعمل الرئيس جورج دبليو بوش الذي ضرب افغانستان لاستئصال الارهاب... ان اليهود شعب عظيم وفي مقدمة العالم المتحضر للقضاء على التخلف والبربرية...». هكذا تكلم جون ماري لوبن وهو بذلك كان يجلب اصوات اليهود وتعاطفهم معه حتى ينسوا ان حزب اليمين المتطرف الفرنسي هو حزب نشأ في الاصل من رحم النازية الهتلرية وولد مع الفاشية الموسولينية عام 1942 وكان يضع في اجندته السياسية أولوية مقاومة اليهود واخراجهم من فرنسا الى الأبد... أما اليوم فالعرب هم المستهدفون. وقد تكلم أحد زعماء اليهود في منطقة لوماري بباريس قائلاً للفضائية الاخبارية الفرنسية «إل.بي.سي» ليلة فوز لوبن: «إن لوبن يمكن ان يكون رئيساً جيداً لفرنسا.. فهو تغير وأصبح يكره العرب ويحب اليهود...!». بالطبع وراء هذا الزلزال اسباب سياسية داخلية واسباب اجتماعية ونفسية داخلية وكذلك اسباب اوروبية واخرى عالمية. اما الاسباب السياسية الداخلية فتتمثل في اخطاء اليسار الفرنسي الذي تشرذم الى طوائف رفعت كل منها زعيماً الى الانتخابات منهم جون بيار شفنمان وزير الداخلية السابق الذي انشق على حكومة جوسبان ومنهم اليسار المتطرف لدى المرشحة ارليت لاجيي والمرشح بورنسنو ومنهم كذلك زعيم الحزب الشيوعي التقليدي روبرت هيو... كل هؤلاء استقلوا عن الحزب الأم وترشحوا فشتتوا اصوات اليسار الفرنسي وقسموا ناخبي اليسار الى ملل ونحل ضيعت الفرصة امام جوسبان وإلا فقد كان هو الأول قبل شيراك لو صوت له كل الاشتراكيين في وحدة صماء. أما الاسباب الاجتماعية والنفسية فهي تكمن في خوف المجتمع الفرنسي من ظاهرة تنامي العنف بأشكاله «اليومية» أي السرقة وخطف الشنط وصراع عصابات المراهقين. وقد ربط لوبن في حملته الانتخابية بين ظاهرة العنف وظاهرة الهجرة وخاصة المغاربية مما اتاح له آذاناً صاغية. أما الأسباب الأوروبية فمرجعها الى صعود مماثل لأحزاب اليمين المتطرف في دول أوروبية أخرى مثل هولندا والنمسا وبلجيكا وايطاليا وألمانيا... مما شكل ظاهرة أوروبية حديثة تستحق الدراسة والتحليل. أما الاسباب العالمية، فلا شك عندي ان احداث 11 سبتمبر غيرت العقليات وأحدثت خللا في منطق السياسة حتى في الاتحاد الأوروبي. فأصبح الناس يلجأون الى المتطرفين يميناً وشمالاً بحثاً عن اجوبة شافية لأسئلة حضارية وثقافية وسياسية واستراتيجية ظلت بدون جواب الى اليوم. فزعيم اليمين المتطرف في فرنسا كثيراً ما تلاعب بعواطف الناس العاديين في فرنسا الى درجة انه يدعوهم الى اعادة قراءة تاريخ الصراع في الجزائر مثلاً على انها حرب ضد الارهاب العربي المسلم قام بها هو حين كان ضابطاً في الجيش الفرنسي لتخليص العالم الحر... نفس كلمات بوش وشارون رددها لوبن... لأنها اصبحت قوالب جاهزة لا تخاطب العقول ولكنها تتلاعب بالعواطف وتوقظ ذلك البعبع النازي العنصري الذي حسبنا انه نام نومته الأخيرة منذ تحرير الشعوب. ـ أستاذ قسم الإعلام ـ جامعة قطر