الملف السياسي:الهزيمة القاسية التي منيت بها الفصائل التاريخية لليسار الفرنسي ومن قبلهم اليسار الايطالي والانتصار الناجز الحاسم الذي احرزه اليمين في دول اوروبية اخرى، يعكس أولا فشل احزاب اليسار في معالجة القضايا الجماهيرية وثانيا تعمق الفجوة التي باتت تفصلها عن جمهور الناخبين وقضاياهم الرئيسية في خفض معدلات البطالة، وتحسين مستوى معيشة جمهور الطبقة المتوسطة، وارضاء العمال وفقراء المدن والذين ينسبون انفسهم لليسار بكل ألوانه. اليسار الاوروبي ذو الميراث التاريخي العريق ظل محافظا على خطابه السياسي واساليبه التقليدية لمعالجة قضايا الناخبين وظل بعيدا عن المشكلات الحقيقية التي بدأت خلال السنوات الاخيرة تتعاظم مثل ارتفاع معدلات الجريمة، ومشكلات المهاجرين والفساد السياسي المتورط فيه سياسيون كبار فضلا عن الحملة الانتخابية التي تحولت في كل من ايطاليا وفرنسا الى مبارزة شخصية ورهانات محددة اتسمت بسوء التقدير دفعت الناخبين الى معاقبة اليساريين وكانت النتيجة تحول الناخب الى التصويت لمصلحة الاحزاب اليمينية المتطرفة والتي اقل ما يمكن قوله ببعضها من انها من النوع المشين المحرج، فكان التصويت بمثابة نكاية في هذه التي علقت عليها الآمال في اعادة التأسيس للديمقراطيات الاوروبية على اسس جديدة اكثر حداثة واوفر شفافية واكثر احتفاظا بالقيم التي يتوجب ان تحكم الشأن العام وتتقيد به اضافة الى ما كانت تطمح به الجماهير من سلطات يسار الوسط في قيادة حملات حقيقية لمكافحة الفساد الذي يعشش في مؤسسات واحزاب دولها حتى في اعلى مستوياتها من رشوة واستغلال نفوذ وتواطؤ مع المافيا الى ذلك من الافات التي سممت طويلا مناحي الحياة العامة. تصفية حسابات الا ان الانتخابات التي جاءت اولا في ايطاليا وصعد اليمين ليحتل دفة السلطة في البلاد وفي فرنسا في النتيجة المدهشة التي حققها اليمين الفاشي في الجولة الاولى لانتخابات الرئاسة الفرنسية تقدم الدليل على الفشل في انجاز ذلك المشروع والمثل العليا المتعلقة فيه فالشيوعيون الايطاليون الذين كانوا اكبر احزاب اوروبا الغربية والشرقية على السواء ظلوا يلهثون حتى بعد التغيرات الكبيرة في نهج واسم حزبهم الذي حمل (حزب الديمقراطيين اليساريين) يشتمون ماضيهم ويجمعون بينه وبين الفاشية التي حكمت البلاد ناسين حرارة تعلق الايطاليين بهذا الماضي الى يومنا هذا (مازالت التظاهرات المطلبية الى يومنا هذا تحمل شعارات واغنيات واعلام الحزب الشيوعي الايطالي) متجاهلين بان قطاعات كبيرة من الطبقات والشرائح الاجتماعية اصبحت اكثر انشغالا واهتماما بالاثراء السريع وبالهواجس المادية، بعد انفتاح ابواب النعمة الحديثة على مصراعيها لسحب بنفسها على البلاد التي كانت الى بداية الخمسينيات بلدا زراعيا اكثر من ان تكون بلدا صناعيا يحتل اليوم المرتبة الرابعة في الدول الثماني الصناعية الكبرى في العالم. الجماهير نظرت الى بيرلوسكوني بمثابة موهبة مؤهلة لتسيير شئون البلاد وقيادتها نحو النجاح ساعدته سطوته الاعلامية والدعائية الهائلة التي يتمتع بها من خلال سيطرته المباشرة على ثلاث شبكات تلفزيونية وعلى عدد من الصحف والمجلات ودور النشر والانتاج السينمائي.. الخ الا ان تحالف اليمين هذا الذي يضم اكبر قدر من قوى التطرف والانغلاق ومعاداة الديمقراطية كثقافة سياسية كامنة ومستقرة ركز ولايزال على القيم مستغلا هزيمة اليسار وصداماتها المضنية التي لاتزال جارية الى يومنا هذا. اما اليسار في ايطاليا الذي استطاع الصعود الى السلطة لاول مرة بقيادة رومانو برودي (مسيحي كاثوليكي) لم يستطع القطع مع الممارسات القديمة وعانى من التمزقات والانشقاقات كما هو الحال مع اليسار الفرنسي كما عانى من الصراعات والمناورات حتى في عز التحالفات التي قادته الى السلطة وبدأ خلال السنوات الست التي حكم فيها عملية تصفية حسابات داخل محور تحالف يسار الوسط الذي تشكل من سبعة احزاب سياسية اطلقت على نفسها اسم (تجمع الزيتون) يفتقر الى التجانس، وتطغى عليه الطموحات الحزبية والفئوية الى درجة شله عن كل حركة. معظم الاحزاب الشيوعية والاشتراكية في اوروبا قدمت تنازلات كبيرة في ركضها جنبا الى جنب مع الاحزاب اليمينية والعنصرية والفاشية الجديدة، نحو الوسط، وظلت تلهث وراء هذا الموقع الغامض اعتقادا منها بان السيطرة عليه يمكنها من الحصول على العصا السحرية التي يقوم عبرها بحل مشاكل بلدانها وبدأت هذه الاحزاب وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي تركض نحو (النيو موديل) الا ان حساباتهم لم تتطابق مع حسابات صناديق الاقتراع. وقد سعى اليمين الاوروبي الذي عرف لعبة (الوسط) هو الآخر الى استعمال لغة هادئة وبراجماتية مكنته من جذب العديد من القطاعات الشعبية البسيطة اضافة الى القطاعات المحافظة والارستقراطية وقد رحب الناس بالوعود الساذجة (ايجاد مليون فرصة عمل للعاطلين) ونزعة التهور والعناد وعبادة الشخصية والتصرف الفردي يبدو انها كانت مطلوبة لوصول بيرلوسكوني الى دفة الحكم والذي قدم نفسه كحامل للواء الليبرالية، وكمنقذ للحياة السياسية من الفساد والرشوة اللذين اديا الى انهيار (الجمهورية الاولى) والى انعدام ثقة المواطنين بالطاقم السياسي الذي سيطر على الحكم اكثر من اربعين عاما! بيرلوسكوني وصف ظاهريا فوز لوبان بالمتطرف وابعد المقارنة بينه وبين حليفه اومبيرتو بوسي وزير التعديلات الدستورية وزعيم الرابطة الشمالية العنصرية، مؤكدا وجود فارق كبير بين لوبان وبوسي ومشيرا الى ان اليسار في اوروبا قد تغير ويتجه الآن ناحية الوسط وبالتحديد يمين الوسط ضاربا مثالا بكل من ايطاليا واسبانيا وايرلندا والبرتغال والدانمارك ولوكسمبورج والنمسا مؤكدا ان هولندا ستختار الطريق نفسه خلال الانتخابات المقبلة. ولم يخف بيرلوسكوني عداءه التقليدي لليسار والشيوعية بشكل عام واليسار الفرنسي بشكل خاص (ان لديهم قصر نظر جعلهم ينتقدون تصرفات الحكومة الايطالية اكثر من مرة ولم ينتبهوا الى الاوضاع الداخلية لبلدهم). العنصري بوسي الذي لا يزال يدغدغ احلاما انفصالية ولا يخفي اعجابه بنظيره النمساوي يورج هايدر، اعلن عن فرحه ورضاه بهزيمة اليسار الفرنسي واصفا النتيجة الانتخابية بأنها نتيجة تاريخية لأن (اليسار الفرنسي المرتبط برؤوس الأموال الضخمة، هو يسار بيل كلينتون والطريق الثالث الذي سقط والى الابد بسبب المعاناة من أزمة حقيقية). ولم يفت بوسي الذي يكره العرب والمسلمين بأن يحذر في كلمته هذه كما هو الحال في كل تعليق له من (ظهور لوبان ايطالي في حالة عدم موافقة البرلمان الايطالي على قانون الهجرة الجديد الذي وضعه هو نفسه بمشاركة حليفه نائب رئيس الوزراء وزعيم حزب التحالف الوطني (الفاشية الجديدة سابقا) والذي يشدد على دخول الأجانب من العرب والمسلمين الى ايطاليا. البداية من جديد الزحف اليميني الذي تشهده أوروبا حاليا يبطل ما خطط له منظرو الطريق الثالث في قمة مدينة فلورنسا الايطالية عام 1998 والتي جمعت حينها كلا من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ورئيس الوزراء الايطالي السابق ماسيمو داليما، والمستشار الالماني جيرهارد شرويدر، ورئيس الوزراء الفرنسي السابق ليونيل جوسبان، ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير حيث طرحت تلك القمة التاريخية التي زعم الايطاليون بأنها ستكون حوارا بين اليسار الأوروبي والتيار التقدمي، اجاباتها المقتضبة والغامضة حول التساؤل التالي: هل يمكن للنظم الديمقراطية الاجتماعية (الاشتراكية) المساهمة في انطلاق الاقتصاديات الأوروبية الجديدة (على النمط الامريكي) من دون التخلي عن القيم التاريخية لكل بلد من بلدانها؟ وهل يمكن التوصل الى اقرار خطة من شأنها خلق حركة جماعية جديدة بديلة لمواجهة التحديات العالمية الجديدة التي تواجه أوروبا الموحدة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي؟ يقول فاوستو بيرتنوتي زعيم حزب اعادة التأسيس الشيوعي الايطالي: بأن النتيجة تعتبر هزيمة لليسار الحكومي الفرنسي على الرغم من انه كان قد حكم افضل من مثيله بدول اخرى، وان نهايته بعد كسب تأييد الناخبين والتصدي لليمين فيتعين عليه البداية من جديد من خلال الاهتمام بالمجتمع والاعتماد على السياسات البديلة مع توسيع القاعدة بضم حركات مناهضي العولمة ودعاة السلام الى صفوفه. المثقفون اليساريون شنوا هجوما عنيفا على زعامة اليسار الايطالي المعارض واتهموها بالفشل والخسران، وطالبوها علانية بالانسحاب من ميدان المعركة واتاحة المجال امام الاجيال الجديدة لتولي عملية المواجهة من اليمين الشرس، وتشهد الساحة الايطالية وبالذات العاصمة روما تظاهرات السلاسل البشرية المحتجة وهي تطوف حول مؤسسات السلطة الاعلامية والقضائية، بعيدا عن قيادات الاحزاب اليسارية التي تنهال عليها الانتقادات، وهو ما يبشر بيسار جديد ستشهده ايطاليا في المستقبل. ـ كاتب عراقي