الملف السياسي: لقد ادت افرازات نتائج الجولة الاولى لانتخابات الرئاسة الفرنسية ونجاح السياسي اليميني المتطرف جان ماري لوبن فيها امام السياسي الكبير جاك شيراك، الى جذب انظار واهتمامات دول وتكتلات، كثيرة في العالم، ومنها المنطقة العربية التي ترتبط معظم دولها بعلاقات قوية نسبياً بفرنسا، مقارنة بدول اوروبية اخرى، نظراً لأنها مستعمر قديم، ومن ناحية اخرى يعلو صوت مواقف السياسة الخارجية الفرنسية ـ أكثر من شركائها في اوروبا من وقت لآخر ـ تجاه نصرة «بعض» التوجهات العربية، ولقد دفعت هذه العناصر لتحريك مزيد من اليقظة العربية بصفة خاصة، تلك اليقظة التي بدأت تأخذ ابعاداً جديدة محاولة فهم وقراءة السياسة الدولية اكثر من أي وقت مضى، وأولى مراحل تحريك اليقظة كانت عقب احداث11 سبتمبر، وتلتها عمليات الاجتياح العسكرية لأراضي فلسطين، وقتل المئات من الابرياء العرب، وثالثها الغوص في اعماق ما أطلق عليه البعض بالزلزال السياسي في فرنسا. حول المتغيرات المتوقعة على الساحة السياسية في فرنسا، وما يمكن ان تحدثه من تأثيرات على مناطق اخرى في العالم وخاصة الاتحاد الاوروبي، وغيرها من اسئلة التقى «الملف السياسي» في لاهاي بالدكتور جان بيير خبير الشئون الفرنسية فقال: على عكس ما نشرته كثير من وسائل الاعلام العالمية بأن النجاح الذي احرزه لوبن في جولة الانتخابات الرئاسية الفرنسية جاء مفاجأة، نؤكد بأن مارد اليمين السياسي في أوروبا، قد بدأ منذ نهاية الثمانينيات في التحرك على الساحة، وذلك بخطوات تنشط وتتعثر احياناً، لكن من تمكن من مراقبة مسار تطرف الساسة، ونشطاء الاحزاب في أوروبا، يصل لذات النتيجة التي اذكرها، بأنها مسيرة لم تتوقف ابداً، ومن الامور التي تدعو حقاً لدهشة خبراء السياسة الدولية، هي الضجة التي اثيرت ولا تزال حول لوبن باعتباره يمينياً متطرفاً، وما أشبه اليوم بالأمس في قضايا لها أوجه شبه، فحينما ارتفعت اسهم سياسة «اليسار الأوروبي، وجدنا معظم وسائل الاعلام في العالم تتبارى في النشر حول الظاهرة، وكثفت إلقاء الضوء على «الطريق الثالث» وذهبت في الأوصاف والتحليل، وسرعان ما هدأت الضجة، لكن اليسار السياسي الأوروبي كما هو نشيط ويمارس اعماله الحزبية. ـ أليس من الطبيعي تناول الاعلام والمراقبين الظواهر السياسية بالتحليل أياً كان نوعها؟ ـ نعم.. ولا خلاف على ذلك.. الا ان تناول تحليل الظواهر السياسية فقط وقت تفاقمها، له مخاطره وذلك لعدد من الاسباب اهمها: ـ ان كل منطقة في العالم تقوم بالدراسة والتحليل لمثل هذه «الظواهر» وقت حدوثها ـ واسجل تحفظاتي على وصفها بهذا التعبير ـ من منطلق انعكاسات الفوائد أو الاضرار على مصالحها، ولا اقول ان هذا في حد ذاته خطأ، إلا انه في معظم الاحوال يخرج عن اطار الحياد والموضوعية المطلوبة، ويهمل جوانب ضرورية للفهم العميق للحدث، والبعد السياسي بمكوناته الداخلية لجغرافيته. ـ عنصر الزمن والموسمية.. بمعنى افتقار المراقب للمتابعة المنتظمة والدائمة، وعدم اتباع خطوط مسيرة استشرافية لتوجهات الاحزاب السياسية، والتي يجب ان تواكبها مراقبة ايضا للمؤسسات الاهلية الاوروبية التي تلعب دورا لا يستهان به في دفع وتنمية العناصر النشطة للاحزاب السياسية الكبيرة، وتلك المؤسسات غالبا ما تقوم بدور له ثقل في تشكيل الرأي العام وتوجهاته نحو هذا السياسي أو ذاك داخل حزب ما في أوروبا. ـ طالما تحدثت عن اوروبا، هل يوجد خطر على الاتحاد الأوروبي جراء نمو اليمين المتطرف؟ ـ انها مرحلة تحول عريضة في اوروبا، وكما ذكرت من قبل هي بدأت في نهاية الثمانينيات، ولها مبررات مقنعة ومقبولة «من وجهة نظر اوروبية»، فالأصوات التي منحت لوبن فرصة تحقيق فوزه بالدرجة الثانية في الانتخابات الفرنسية، وايضا التي اعترضت في شكل مظاهرات كبيرة هي فرنسية، اذن لنتساءل سويا: من الذي اوصل زعيم الجبهة الوطنية للفوز؟ الفرنسيون انفسهم، وما كان هذا السؤال الا لتوضيح طبيعة التركيبة الاجتماعية، واحياناً النفسية المتناقصة للشعوب الاوروبية، ومن هنا وجوب التأكيد على متابعة مسارات الجماهير، وما يؤثر عليها لفهم جذور الاسباب، حتى نتحقق وننجح في فصل الظواهر العرضية الطارئة، عن التوجه العام. ـ وما هي اذن المبررات المقنعة والمقبولة «من وجهة نظر أوروبية» على حد وصفك لمرحلة التحول العريضة نحو نمو اليمين المتطرف؟ ـ بغض النظر عن مصداقية المبررات من عدمها، فما من شك ان تزايد اعداد المهاجرين في اوروبا، وانتشار المسلمين من اصول اجنبية، ودخول اوروبيين للاسلام، واستفادة المسلمين بتشريعات وقوانين اوروبية لحماية حرية الاديان والمعتقدات في بناء المساجد، والبطالة التي انتشرت في اوروبا، والاعلام المعادي للعرب والمسلمين الذي افرد مساحات كبيرة لأحزاب وكتّاب اليمين المتطرف، خاصة بعد احداث 11سبتمبر، هذا جانب من اسباب فوز لوبن في الدورة الأولى لانتخابات الرئاسة الفرنسية. الجانب الثاني وهو سياسي فرنسي داخلي بحت: حيث ان الاشتراكي ليونيل جوسبان قد فشل في توصيل افكاره السياسية بدقة للناخب الفرنسي، اضافة الى ان انخراط اعداد كبيرة من اليسار في قوائم الانتخابات الى جانب جوسبان ادى لحدوث نوع من الارتباك لدى الناخب، وكذلك عزوف اعداد كبيرة عن الذهاب للادلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع، ولا ننسى ان الرئيس الفرنسي شيراك قد رمى في ملعب منفاسه نقطة مهمة جدا، وهي اهتمامه بمحاربة الجريمة المنتشرة في فرنسا، وهنا خسر التميز السياسي، لأن هذا العنصر كان محل تركيز من لوبن، وهذا بالطبع لم يحدث بمعزل عن ارتفاع موجة كراهية الاجانب في اوروبا عامة، وهو الوتر الذي يلعب عليه لوبن، خاصة وان السمة العامة في فرنسا هي شوفينية، تزداد بدون شك عند حدوث ما يهدد فرنسا. ـ الضباب السياسي الذي خيم على فرنسا بسبب فوز جان ماري لوبن في انتخابات الدور الأول للرئاسة الفرنسية، هل سيخفي وجه الديمقراطية والاعتدال؟ أم ستنتصر وتسقطه؟ ـ لا أتوقع فوزه على شيراك، وذلك ليس لفرصة انتصار ديمقراطية واعتدال الساحة الفرنسية، بل لأن لوبن الذي نجح في جذب الانظار الفرنسية اليه منذ السبعينيات، يلعب على محورين غاية في الأهمية وهما: الحضور المستمر في وسائل الاعلام، وتحريك وملاقاة المشاعر القومية للمواطنين في فرنسا، فقد جذب لعضوية حزبه اليميني المنشقين عن الماركسية واتباع الشيوعية، سكان الاحياء الشعبية الفقيرة التي تنتشر فيها البطالة وكراهية الاجانب، وكذلك مواطنين من الشريحة الثرية الارستقراطية، وله قدرات ايضا في مخاطبة مشاعر شعب فرنسا الكاثوليكية، حيث ان نسبة لا بأس بها منهم ترفض السماح بحرية الاجهاض، وهو يؤيد هذا الرفض، ووقت حدوث الانتخابات النهائية في الخامس من هذا الشهر، سيقول الشعب الفرنسي كلمته الواقعية، وغالبية الناخبين الفرنسيين قد تنبه وشعر بالخوف وربما الخطأ، وهو الأمر الذي تمثل في خروج المظاهرات في مدينة ليل الفرنسية وبلغ تعدادها 10 آلاف متظاهر، كما ان لوبن واجه مظاهرات أخرى أثناء زيارته لبروكسل، ولاحظنا أن أوروبا ترفضه، لذلك ففرصة نجاحه قليلة جداً، لأن غالبية الشعب الفرنسي لا تريد العودة للوراء، ولا تؤيد ما ينادي به هذا اليميني المتطرف، بخروج بلاده من عضوية الاتحاد الأوروبي، ونلاحظ ايضا ان الاعلام الفرنسي تنبه هو الآخر الى خطر لوبن على مستقبل فرنسا. ـ على سبيل الافتراض، ما هي المتغيرات المتوقعة في فرنسا، وما يمكن ان تحدثه من تأثيرات على مناطق اخرى في العالم وخاصة الاتحاد الاوروبي، حال نجاح لوبن؟ ـ حتى لو حدثت هذه المفاجأة واصبح لوبن رئيساً لفرنسا، فلن تتحقق المخاوف والخطر الذي يتوقعه البعض، فقد جاء بيرلسكوني في ايطاليا، لم يستطع تحويل أقواله المتطرفة ابان حملته الانتخابية لأفعال، وكان اليميني هايدر في النمسا ايضا، الذي قضت عليه الضغوط الداخلية في بلاده وعلى مستوى الاتحاد الاوروبي، اعتقد ان العقلانية والمصالح الديمقراطية اقوى من التعصب والتطرف.