نتائج الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية اخرجت الحدث من اطاره المحلي الى فضاءات اوسع ليشمل بمحدداته وآثاره المحيط الاقليمي، الأوروبي ومنظومة العلاقات مع دول العالم حينما افرزت الانتخابات وبشكل مفاجيء وصاعق صعود اليمين الفرنسي المتطرف وأهلته لدخول الدورة الثانية للانتخابات، وهو الأمر الذي خلق صدمة لدى الشعب الفرنسي والمحللين السياسيين الذين اذهلهم ارتباك الخريطة السياسية وتبدل المواقع والأدوار بسقوط اليسار وصعود اليمين المتطرف الذي يحمل أفكاراً تتناقض مع التوجهات الايديولوجية والتنشئة السياسية للفرنسيين عموماً. صعود جان ماري لوبن زعيم الجبهة الوطنية بصورة مفاجئة غير محسوبة ومنافسته الرئيس شيراك وسقوط جوسبان واليسار دفع الشارع الفرنسي الى الخروج بمظاهرات ومسيرات رفضا لليمين المتطرف وايديولوجيته وأفكاره الداعية الى الانسحاب من الاتحاد الاوروبي والانكفاء الى الداخل ومحاربة المهاجرين وبث الأفكار العنصرية، هذه الاحتجاجات امتدت الى الدول الاوروبية التي عبرت عن رفضها اعادة روح النظم العنصرية والفاشية في القارة الاوروبية لاسيما ومآسي النازية والفاشية مازالت عالقة بالذاكرة الانسانية عموماً. ان محصلة الانتخابات الرئاسية في دورتها الاولى ستدفع الفرنسيين في الدورة الثانية بمختلف توجهاتهم وشرائحهم من اليمين الى اليسار لدعم ومساندة الرئيس شيراك ليس حباً فيه وانما لقطع الطريق على لوبن من الوصول الى الاليزيه حفاظاً على الاستقرار السياسي واستمرار سيمفونية الحياة الفرنسية بنفس آلياتها وتفاصيلها دون خلط للأوراق وتبدل في المقاييس والمعايير. والشاهد أن تقدم اليمين المتطرف في الانتخابات الفرنسية ربما يستند الى عوامل شتى أبرزها تشابه برامج اليمين واليسار ورغبة البعض في التغيير خروجاً على المألوف ورتابة الطرح السياسي لرئاسة اليمين وحكومة اليسار التي تتناوب المواقع والأدوار وبالتالي فالناخبون يبحثون عن الجديد. مثل هذا التفكير والمنطق ربما يجد رواجاً له على الأرجح في أوساط شريحة الشباب وهو ما أشار اليه لوبن الذي اكد ان مليونا من الشباب انتخبوه. ان لوبن واليمين المتطرف في فرنسا يمثلان ظاهرة احتجاجية كما سماها احد المفكرين السياسيين على جملة من الاخطاء والسلبيات التي أفرزتها الحياة السياسية الفرنسية في الداخل من فساد مالي وبروز المعضلة الأمنية الى السطح، جملة تلك الممارسات شكلت خلفية ومنطلقا للبحث عن الجديد المجهول! بيد أن الأمر اللافت ان اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة بدأ يجتاح اوروبا ضمن مشهد سياسي عام يهدد معه باعادة انتاج نظم حكم مختلفة تزعزع كيان الاتحاد الاوروبي الذي قطع أشواطاً كبيرة في أشكال التوحد السياسي والاقتصادي على طريق الاندماج الكامل وتشكيل قوة دولية مؤثرة في الساحة العالمية.. لذا اجتاحت اوروبا من أقصاها الى أقصاها موجة من الذهول والشعور بالخطر امام نمو طوائف سياسية تنبت كالفطر في كل مكان وتحمل افكاراً مغايرة وفي كثير من الاحيان مناقضة لمشاريع الحكومات القائمة والتيارات السياسية التقليدية التي سيطرت على القارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وما يؤرق الساسة والمفكرين في الغرب هو هذا التنامي السريع للقوى المتطرفة والانتشار الواسع لخطابها وسط قوى اجتماعية مؤثرة خاصة العمال والطلاب والشباب وأخذت في المدة الاخيرة تستدرج حتى رجال الأعمال وبعض الفئات من المثقفين، لذا فان ناقوس الخطر لليمين المتطرف يدق في أوروبا قاطبة.