أكد عبدالوهاب دربال وزير العلاقات مع البرلمان في الجزائر ان الفترة البرلمانية التي انتهت عمليا هذه الأيام كانت ايجابية، وقال في حوار مع «البيان» ان التجربة كانت ثرية وقربت بين القوى السياسية المختلفة، وكسرت ثقافة اللاحوار، كما أكد ان قانون الانتخابات الذي يعمل به حالياً يظل صالحاً ان قام الجميع باحترامه وكشف عن لقاء قريب بالقاهرة للوزراء العرب المكلفين بالعلاقات مع البرلمانات، وإلى نص الحوار: أربع مهمات ـ كلفتم بمسئولية وزارة العلاقات بين الحكومة والبرلمان وهو المنصب الجديد في الجزائر فما دوركم بالضبط؟ ـ صحيح ان وزارة العلاقة مع البرلمان هي وزارة جديدة في الجزائر عمرها عمر البرلمان الحالي أي خمس سنوات، وهي أيضا وزارة جديدة في العالم العربي عموما حيث مجموعها ثلاث عشرة وزارة وهي في الكثير منها جديدة رغم أنها موجودة كوظيفة بحكم تواجد البرلمانات لكنها كوزارة في الحكومة فهي جديدة. في الجزائر توفر وضع جديد بانتخاب أول برلمان تعددي بغرفتين عام 1997 وتعيين حكومة ائتلافية وهذا شكل فضاء جديدا في بناء السلطة والتعامل مع الطبقة السياسية في هياكل الدولة أو في المعارضة. ولم تعد العلاقة آلية بين التشريع والتنفيذ في ظل دستور يأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات. في ظل هذه المعطيات السياسية والتنظيمية يبدو وجود مثل هذه الوزارة ضرورة ويمكن تلخيص مهمتها في ثلاثة محاور: التشريعي، الرقابي، والعلاقاتي والسياسي البحت. على المستوى التشريعي تقوم الدائرة الوزارية أولا بمهمة ثقيلة جدا هي تحسين المنظومة القانونية والتشريعية الوطنية والسهر على عدم تعارض النصوص القانونية المتتالية وهي مهمة أساسية وتقوم أيضا بمتابعة جميع التشريعات سواء كانت مشاريع قوانين من الحكومة أو اقتراح قوانين من البرلمان الى الحكومة والعمل على مرورها كلما صبت في تحقيق أهداف برنامج الحكومة وتقوم بذلك في جميع مستويات تحضير القانون منذ التفكير فيه كمشروع إلى صدوره في الجريدة الرسمية. على المستوى الرقابي هناك جملة من الأدوات والآليات الرقابية التي يتيحها الدستور كالأسئلة الكتابية والأسئلة الشفوية والاستجوابات والتحقيقات وملتمس الرقابة ونزع الثقة وقبل ذلك التصويت على برنامج الحكومة ومناقشة حصيلة الحكومة سنويا. وهي آليات مختلفة وكثيرة تستدعي بذل جهد كبير ومدروس حتى ترتقي وسيلة الرقابة بالعمل البرلماني والحكومي إلى ما يحقق الأهداف المسطرة في برنامج الحكومة وتدفع بالأمل في التنمية عموما بما فيها السياسية مع العلم ان علاقة الحكومة بالبرلمان غالبا في المستوى الرقابي تأخذ معنى الاحتكاك الا ان عملية فتح عملية حوار دائم مختلف الحساسيات السياسية بالبرلمان حقيقة ويمكن القول ان وسيلة الرقابة حاليا أصبحت تخدم العلاقة بين الحكومة والبرلمان أكثر مما هي علاقة احتكاك بين الطرفين ولو ان الموضوع مازال يحتاج الى الكثير من الحوار والنقاش والعمل الميداني، هو الأمر الذي ينقل مستوى العلاقة بين الطرفين على المستوى الرقابي من دائرة الى دائرة وهكذا. أما المستوى العلاقاتي فهو خادم للمحورين السابقين فبقدر ما تكون العلاقة بين أعضاء الحكومة وأعضاء البرلمان لينة وفيها حوار بقدر ما ينمو الأداء التشريعي والرقابي ويعطي نتائج جيدة ولهذا عمدنا في كثير من الأحيان الى بناء علاقات خارج عملية التشريع وخارج عملية الرقابة بين مختلف الدوائر الوزارية في الحكومة ومختلف اللجان في البرلمان فمثلا يمكن لأي دائرة وزارية ان تشرح سياسة دائرتها خارج التشريع والرقابة كما يمكن للجنة المقابلة لها بالاختصاص في البرلمان في فتح نقاش حول هذه السياسة مما يؤدي الى تحسينها والتنازل ربما عن بعض الأفكار التي لا يمكنها ان تحقق نتائجها وتثمين الأفكار الجيدة، وفتحنا حوارا حقيقيا بحيث أمكن للبرلمان ان يشعر منذ ميلاد القانون وكأنه يساهم فيه بالأفكار وهذا ما أسميه العمل البيداجوجي البرلماني حيث أثر إيجابيا على البرلمان كما أثر على أداء الحكومة، إذن دائرتنا الوزارية تقوم بهذه المحاور متكاملة لذلك نجدها تقوم بإيجاد علاقات حقيقية لفتح حوار سياسي مما يعمق الحوار على المستوى التقني وتعمل على تنمية الرقابة بشكل يخدم الطرفين في نفس الوقت. ـ إذن تربطون العلاقة بين الحكومة وغرفتي البرلمان كيف تقيمون هذه العلاقة؟ ـ كما أسلفت القول، الوزارة جديدة وهي أول تجربة في الجزائر ورغم حداثتها بدأت تعطي آفاقا واعدة فيما لو تتابع وتعمق هذه المبادرات التي وجدت وأتصور ان طبيعة هذه العلاقة تتطور بتطور الأداء السياسي للبرلمان والحكومة فكلما عرف البرلمان تطورا من حيث نوعية النواب وقوة أدائهم ونوعية البرامج السياسية الموجودة لدى الأحزاب الممثلة في البرلمان وكلما كان برنامج الحكومة واضحا و أداؤها جادا وتماسكها قويا كلما تحققت العلاقة وعرفت تطورا أكثر وحين يكون العكس تكون العلاقة معرضة الى البتر والانكسار. و في تصوري فان الحكومة يجب ان تعكس تشكيلة البرلمان حتى تكون العلاقة جيدة بين الطرفين. و كلما كان التمثيل الحكومي موجودا في البرلمان كانت الحكومة أكثر فعالية في تنفيذ برنامجها في الميدان وتجد معاونة ومراقبة لها في ذلك. استقرار الأنظمة والمؤسسات ـ كنتم نائبا منتخبا بالمجلس الشعبي الوطني ثم وزيرا مكلفا بالعلاقة بين الحكومة والبرلمان هل تعتقدون فعلا ان البرلمان في الجزائر سلطة تشريعية؟ ـ أنا أعتقد ان البرلمان مدرسة سياسية. و اعتقادي ان من يريد ان يبني مسارا سياسيا خارج البرلمان يبقى ينقصه شيء جوهري. فالبرلمان مدرسة سياسية حقيقية تتعلم فيها ما هو الحوار وكيف تحاور وكيف تقبل الآخر وكيف تقنع الآخر المخالف وتتعلم فيها كيف يمكن ان تعارض لكنك لا تفقد الزمالة وكيف تشارك دون ان توافق على ما لا تؤمن به. وبكل تواضع وصدق تعلمت في البرلمان أكثر مما تعلمت في مدرجات الجامعة أو ساحة العمل السياسي، انتقلت للحكومة والحكومة عملها مختلف هو عمل تنفيذي تحتك فيه مع مسئولية أوضح ولا أقول أكبر لكنها مباشرة وواضحة وليس مسئولية سياسية فقط ولكنها إضافة لذلك مسئولية قانونية ووطنية، البرلمان فيه مسئولية وطنية ولكنها سياسية فالبرلماني الذي يقصر في أداء مهمته عقوبته ان لا ينتخب في دورة انتخابية أخرى أما في الحكومة فالمسألة ليست كذلك والبرلمان تاريخيا وجد أصلا كفضاء للمناقشة السياسية وترجيح خيارات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وغيرها عن طريق التصويت في القوانين فهو أصلا يعتمد الحوار كطرح سياسي ففعاليته اذن بالدرجة الأولى سياسية لأنه سلطة كذلك. والناس دأبت على تعريف السلطة كمصطلح بأنه من يقرر ويفعل والسلطة أنواع فالسلطة تناقش وتفاوض وترجح وهذه سلطة وهناك سلطة أخرى مختلفة سلطة تنفيذية تقرر وتنفذ وتحاسب كالقضاء ولكنهما ليستا بسلطتي تشريع. ـ نسمع في الجزائر من يقول بأن هناك سلطة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية. من موقعكم كحلقة ربط بينهما ماذا تقولون في الموضوع؟ ـ الناس تنطلق في أحكامها عادة مما تراه ويتبين لها في الواقع. فالبرلمان يناقش القوانين ويصوت عليها وتنتهي مهمته بعد ذلك يراقب وينزع الثقة إن اقتضى الأمر وهنا تنتهي سلطته أما في حالة التنفيذ فإن الناس يرون إصدار القرارات وتنفيذها وإن لم تنفذ وقع العقاب. وكل هذه العمليات بالنسبة للعامة واضحة لذلك تطغى في نظرهم ويقع تغليبها في أذهان الناس. والذي يمارس السلطة التنفيذية يحتك بالمشاكل يوميا اذن المطلوب منه حلها مباشرة فعمله يظهر في الميدان، وفي تصوري فإن طبيعة النظام السياسي هي التي تظهر أي أولوية معطاة في الدولة للتشريع أم للتنفيذ فإذا كان هناك نظام رئاسي فالفصل بين السلطتين واضح بحيث ان التنفيذ مجاله معين لا يتدخل فيه التشريع، هذا الأخير له مجاله المعين الذي لا يتدخل فيه التنفيذ تماما ولكن في الميدان سلطة التنفيذ أقوى وأوضح. أما في الأنظمة البرلمانية فسلطة التشريع أقوى أي البرلمان أقوى لأنه يناقش في كل شيء ويحسم في كل شيء ويوقف كل شيء ويراقبه. هذا بالنسبة لسلطتي التشريع والتنفيذ عموما أما عندنا في العالم الثالث فليس هناك أنظمة برلمانية تماما ولا رئاسية تماما فعملية الاحتدام مطروحة بقوة والذي يتواجد بالبرلمان أو يتعامل معه يعتقد ان البرلمان ليس سلطة وحتى إن كانت له سلطة فهي أقل من السلطة التنفيذية، والإداري يعتقد ان البرلمان يهدر الكثير من الوقت ويعطل عمل الجهاز التنفيذي بآلياته والحقيقة في تصوري ان ذلك شعور وإحساس أكثر مما هو حقيقة ملموسة والمعلوم أيضا ان العالم الثالث يفتقد عموما الى الاستقرار في أجهزة الدولة ومؤسساتها. وحتى إذا كانت بعض الأنظمة تبذل جهودا كبيرة لتحقيق استقرار أجهزة الدولة فإن الهزات التي تعرفها تلك الأنظمة تعرض عمليات بناء هذه المؤسسات إلى انتكاسات متوالية. فحين تستقر الأنظمة في العالم الثالث تستقر المؤسسات وفي غياب هذا الاستقرار، فإن الحديث عن التغليب بين السلطات هو اجترار لنتيجة واقع وليس معالجة لأصل هذا الواقع. تحطيم التابوهات ـ تشرف العهدة البرلمانية على نهايتها فلو طلبنا منكم ـ معالي الوزير تقييما مقتضبا لأدائها، فماذا تقولون؟ ـ أذكر أولا ان هذه الفترة البرلمانية التي تشرف على النهاية هي لأول برلمان تعددي حقيقي بغرفتين في الجزائر وليس لهيئة مزركشة مصطنعة. فالذي يعرف الساحة السياسية الجزائرية ما كان يعتقد في يوم من الأيام ان التجربة البرلمانية ستنجح لكن الواقع كذب هذا الاعتقاد فالتجربة رغم ما فيها من سلبيات حققت نتائج كبيرة. فالحاجز الموجود بين التشكيلات السياسية كسر وأصبح التعاطي السياسي بينها موجودا في شكل حوار سياسي حقيقي مستمر ومثمر فالأحزاب تختلف في الأفكار، لكن ذلك لا يمنع من ان تلتقي وتتحاور وهناك علاقات ودية وهذا هو المطلوب فمبدأ قبول الآخر كرسه البرلمان و أنجحه، هذا من جانب ثم إن هناك مسألة هامة أخرى فالجزائر كانت منذ بداية العقد الماضي تعاني من حصار دولي حقيقي والبرلمان كسر هذا الحصار و لعب دورا أساسيا من خلال تنقلاته واستقبالاته. الى جانب ذلك فقد ساهم البرلمان في كسر حاجز الخوف وكثير من الطابوهات. فمن كان يعتقد في الجزائر ان الوضع الأمني يناقش على المباشر. و البرلمان زيادة على التشريعات قام بأمور كثيرة أخرى كالتحويل الحقيقي للجزائر من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق وسجل في هذا المجال حصيلة جيدة. ـ أشرتم إلى وجود سلبيات دون ذكرها وركزتم على الجوانب الإيجابية. ماذا لو قدمتم أمثلة عن تلك السلبيات؟ ـ إن الوضع الذي كنا فيه سياسيا وأصبحنا عليه اليوم هو الذي يدفع الى سرد تلك الإيجابيات وليس لإخفاء جوانب أخرى. كجزائري عاش الواقع أذكر بأن الرأي المخالف كان يعتبر مؤامرة وطنية أما التنظيم الاخر فكان يعتبر تآمرا على الدولة خرجنا من البوتقة دخلنا لأزمة أمنية كادت تنسف الجزائر كلها بعد كل هذا وجدنا أنفسنا في برلمان تعددي من حيث التشكيل وقابل للتطور من حيث مبدأ قبول الآخر. الحقيقة ان من يعرف الواقع يقدر مدى إيجابية التجربة والنقلة النوعية التي حققها البرلمان بعيوبه فالتجربة جيدة وأكبر عملية تثمين هي العمل لفسح الطريق لبرلمان أكثر مصداقية من الحالي. نزاهة الانتخابات ـ كثر الحديث سابقا عن تزوير انتخابات 1997 كيف تتصورون الواقع يوم 30 مايو المقبل تاريخ الانتخابات التشريعية وهل ضمانات رئيس الجمهورية تجعلها نظيفة ونزيهة كما قال؟ ـ أنا من الذين عايشوا انتخابات 1997 وأتمنى ان لا تشهد الجزائر مثلها وأعتقد ان الجميع الآن يعي من طبقة سياسية وسلطة ان الجزائر في أمس الحاجة في ان يكبر بريق الأمل وأن البلد غير قابل لأية رجة في المستقبل وأن أي تلاعب في قضية الانتخابات لا يمثل لا وفاء للبلاد ولا صدقا في الدفاع عنها ولا حب إبقائها واقفة والجميع واع بذلك وحريص على وجوب ان يكبر الأمل في الجزائر وأن تتقدم و الأمل يحذو الجميع في ذلك وهو المأمول. ـ هل تعتقدون ان قانون الانتخابات الحالي من شأنه إنصاف الأطراف المتنافسة على مقاعد البرلمان؟ ـ لقد كنت من الداعين، بصفتي نائبا، لتغيير قانون الانتخابات وقدمت اقتراحات بهذا الشأن لكن أرى ان القانون الحالي يمكنه ان يفي بالغرض لو احترم احتراما كاملا. وأعتقد ان إحداث بعض التغيير يمكن ان يجعله يفي بالغرض أكثر كضرورة إدراج نص مثلا يلزم الإدارة بتسليم ممثلي القوائم المترشحة نسخة من محضر الفرز وهذا ما يؤكد تماما نزاهة العملية. ـ قلتم ان هناك 13 هيئة من نوع وزارتكم بالعالم العربي. هل تقيمون علاقات مع هذه الهيئات؟ ـ العلاقة في الحقيقة ناشئة. وكما أسلفت فإن معظم هذه الهيئات حديثة. وقد بادرنا في هذا الاتجاه وطرحنا الفكرة مغاربيا وعربيا. وتم الاتفاق في الخرطوم مبدئيا على أن يلتقي الوزراء المكلفون بالعلاقات مع البرلمانات في العالم العربي كلما وقع مؤتمر البرلمانات العربية. على العموم الفكرة وجدت استحسانا عاما وسيكون الوزراء المكلفون بالعلاقات مع البرلمانات القطرية ضيوفا على دورات المؤتمر البرلماني العربي. وسنلتقي قريبا بالقاهرة بدعوة كريمة من الوزير المصري كمال الشاذلي لتعميق العلاقات وتجسيد الفكرة. حاوره في الجزائر ـ مراد الطرابلسي: