كشفت دراسة حديثة اجريت في ليبيا عن واقع حقيقي لاتحاد المغرب العربي، وتجربته في مفهومها الشامل منذ بداية وميلاد الاتحاد وحتى الآن اضافة إلى العوامل الموضوعية، التي ادت إلى حالات الاحباط والركود وعدم الانسجام مع ما يتطلبه الشارع المغاربي من طموحات بوجه عام. وتقف الدراسة على اشكالية الطموحات العربية المغاربية في البناء الوحدوي منذ بدايته. وتتناول الدراسة بالتفصيل التجربة الاتحادية الأولى وتطورها ودور الأعضاء بها وهم الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا وليبيا. وتعرض الدراسة لبعض الاحصائيات حول المبادلات الاقتصادية بين دول الاتحاد. وتناولت الدراسة التصور الراهن والمستقبلي للاتحاد من خلال الاسباب المؤسساتية والأسباب السياسية. اتحاد المغرب العربي في المنظماتي قالت الدراسة ان الطموح المغاربي كفكرة لاستنارة المستقبل ولئن تطرح من الناحية الفلسفية اشكالية مبدئية تتمحور بالأساس حول ما اذا كان الشكل او الكيان سابقاً للفكرة أم ان الفكرة هي التي تسبقه فانه فيما يتعلق ببناء الفضاء المغاربي يمكن القول ان القضية تعد تاريخية اكثر منها فلسفية. وهذه الشعوب لديها شعور بحتمية روح التآخي والتآزر والمصير المشترك خصوصاً وان كل شيء متواجد بين هذه الشعوب بالرغم من الحزازات والمنازعات القبلية والسلطوية التي كانت قائمة بالذات في ايام الوجود العثماني والذي عمل على تأجيجها للابقاء على مصالحه بالمنطقة فقد جرت إلى الوراء تلك الخلافات وتقلصت نهائياً من اجل تكافل فكري موحد وتضامن من مجسم في تلك العمليات البطولية والتحررية التي قام بها ابناء هذه الاراضي المغاربية لنصرة بعضهم البعض ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا وكذلك الاستعمار الايطالي في ليبيا. وفي تلك الآونة استشعرت هذه الشعوب بأهمية الترابط والتلاحم لأن مصيرهم واحد ودين ولغة وعقيدة كذلك. وبدأت محاولات للفضاء المغاربي من المفهوم المنظماتي اتحاد في شكل اتفاق أو معاهدة بين الدول المتعاقدة أو الدول الاطراف من اجل اتفاق حول بعض الجوانب السياسية والاقتصادية أو الفكرية لاخضاعها لهيكل تنظيمي اسمه اتحاد المغرب العربي الذي يشرف على تحقيق الاهداف المناطة لعهدته من خلال المؤسسات واللجان القطاعية المؤهلة لذلك في حين ان سيادة الدول تبقى على حالتها والحال ان الشأن الدولي يتطلب حتماً ان تتقلص السيادة الفردية لفائدة التجمعات السياسية والاقتصادية. ب ـ التجربة الاتحادية الأولى: ان التجربة التي عاشها اتحاد المغرب العربي خلال السنوات الاولى ولئن تميزت بسرعة الاحداث الجهوية والدولية فإنها تعد تجربة ناجحة لبلدان تعلقت عادتها وتقاليدها التجارية مع اوساط نافذة في الشأن الدولي وهي غريبة اصلاً ومنبتاً عن الارض العربية وهو ما يبرر وقوف البعض منها ولو بايجاز وبأسلوب مختزل للغاية قبل تقديم تلك التجربة المغاربية. ـ الحالة التي كانت عليها البلدان المغاربية وتعرضت الدراسة إلى حالة البلدان المغاربية التي كانت عليها ووقفت عند عدة خصائص وهي: 1 ـ الجزائر: انه ما من شك ان الاقتصاد الجزائري كان منذ السنوات الاولى للاستقلال موجها بشكل عام نحو الاقتصاد الاشتراكي وهو يتحرك بوجه عام داخل الحلقة السوفييتية وكانت نهاية 1988 بالنسبة للجزائر بداية التحديات الكبرى مع تعالي الأصوات المغاربية من ناحية وخروج المواطن الجزائري إلى الشارع من ثانية وقد تزامن ذلك بتراجع عائدات الدولة وبالتالي قدرتها على تحقيق المطالب الشعبية المشروعة في تذليل مصاعب الحياة والضغط على البطالة المتفشية وتأمين لقمة العيش وقد تدنت عائدات المحروقات التي ركزت عليها الجزائر اقتصادها بصفة 98% منذ اكثر من سنة من الاستقلال من 12.8 مليار دولار إلى 8 مليارات دولار سنة 1988 وذلك بخسارة تجاوزت 37%. أي ما يعادل 4.8 مليارات دولار وهو ما يعادل مديونية تونس العمومية لعام 1986 وفي نفس الوقت تراجعت الواردات الخاصة بمواد التغذية بعد الافلاس الذي منيت به الثورة الزراعية التي عاش على ايقاعها الشارع الجزائري لسنين طويلة، وبالرغم من تزايد الحاجيات وارتفاع الطلب فقد تراجعت الواردات من 19.5 مليار دولار عام 1983 إلى قرابة 7 مليارات دولار عام 1988 وهو ما يشكل في الاعتقاد بداية نقطة الخطر الذي مازالت تعاني منه الجزائر بعد ان برزت إلى الوجود كل اسباب التناقض وعلامات العجز على حل تلك المعضلة يضاف إلى ذلك السياسة أو بالاحرى عدم وجود سياسة خاصة بالحد من الانجاب ضرورة المعضلة الضغط الديمغرافي السنوي ويبلغ 3% وهو ما جعل بعض المحللين للسياسة الانجابية في الجزائر يعتقدون جزماً ان هذا البلد الذي يبلغ 23.5 مليون نسمة عام 1988 قد يبلغ 52 مليون في بداية 2020 وقد تراجعت مواطن الشغل من 145 ألف في السنة لفترة 1980/1983 إلى معدل 94.500 الف بين السنوات 1985/1988 وبالتالي ارتفع ضغط العاطلين عن العمل من 16.9% عام 1984 وتراجع الدخل الفردي إلى الوراء بشكل رهيب من 3021 دولاراً عام عام 1986 إلى 2689 دولاراً عام 1987 أما المديونية فقد بلغت اكثر من 25 مليار دولار عام 1988. تلك التداعيات عاشتها الجزائر في نهاية الثمانينيات والتي مازالت اثارها تكبل بالنار والحديد عزيمة هذا البلد المغاربي من الخروج من الخطوط الحمراء التي لا يزال يمر بها ولعل في ذلك اكثر من علامة استفهام على ما اصاب البناء المغاربي من ركود حقيقي منذ عام 1995. 2 ـ ليبيا: ان وضع ليبيا لم يكن يختلف كثيراً عن بقية البلدان المغاربية وخاصة الجزائر ضرورة ان اقتصاد ليبيا اقرب إلى الجزائر منه إلى تونس والمغرب اي ان العلاقات الحميمة بين ليبيا والانظمة الاشتراكية، قد تراجعت بالنسبة لليبيا عائدات المحروقات بشكل كبير من 20 مليار في الثمانينيات إلى 10 مليارات دولار عام 1993. وكان للحصار على ليبيا اثره وكانت لتداعيات لوكيربي اكبر الاثر حيث استطاعت امريكا عن طريق تلك القضية فرض حصار عليها قبل الحكم في القضية وخلال تلك الفترة تأثرت ليبيا تأثراً شديداً حيث تأثرت جميع قطاعاتها الحيوية. وفقدت ليبيا أكثر من 28 ملياراً خلال سنوات الحصار. ولكن ما زالت قضية الصحراء تشكل عائقاً اساسياً أمام تأدية اتحاد المغرب العربي لدوره المناط له. 3 ـ المغرب: بالرغم من معاناة المغرب لسنوات طويلة ومازالت تعاني من سلبيات قضية الصحراء مع تدني صورتها في المحافل الغربية في خصوص قضايا حقوق الانسان فانها تبدو اكثر حظوظاً من اشقائها المغاربة نظراً للنتائج الايجابية التي حققتها على المستوى الاقتصادي فهي تسجل في مطلع ميلاد الاتحاد نمواً اقتصادياً يقارب 10% والنتيجة السلبية السلبية لميزانها التجاري تتحسن حيث ان تغطية الواردات للصادرات ترتفع من 66.3% إلى 76% بين 1987، 1988 وقد كان تحسن المؤشرات الاقتصادية المغربية باعثاً مشجعاً لأصحاب المال والاعمال لتشجيع المغرب وللوقوف إلى جانبه وهو ما جعل البنوك الدولية تسلم للمغرب شهادة رضا مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وكذلك نادي باريس بل فالاكثر من ذلك ان صندوق النقد الدولي قد وافق على قرض ستاند آي للمغرب بقيمة 220 مليوناً من حقوق السحب الخاصة في شهر يونيو 1988 إلى نهاية 1989 مع اعادة جدولة اكثر من 730 مليوناً من حقوق السحب الخاصة اي ما يقارب من 6 مليارات فرنك فرنسي وذلك لمدة عشر سنوات مع خمس سنوات من الاعفاء ولم تكن واشنطن بمعزل عن ذلك الافراج لصالح المغرب وضرورة انها قدمت لها اكثر من 80 مليون دولار نصفها في شكل اعانة غذائية والنصف الاخر في شكل مساعدة عسكرية وذلك منذ بداية 1989 وكان المغرب قد امضى قبل ذلك تحديداً في نصف ديسمبر 1988 مع واشنطن على اتفاق بـ 200 مليون دولار بالاضافة إلى ما يقدر بمئة مليون دولار أخرى في شكل اعانات مختلفة لشراء مواد غذائية أمريكية. وهذا لا يختلف كثيراً عن الجزائر في خصوصية التبعية الغذائية مع مديونية بلغت عام 1989 إلى 1990 أكثر من 21 مليار دولار أي ما يقارب 126 مليار فرنك فرنسي في حين ان خدمة الدين قد بلغت 68% من قيمة الصادرات عام 1988 قبل ان تتراجع من 37% عام 1989 إلى 47 عام 1990. ويبدو ان المغرب الدولة الوحيدة من دول اتحاد المغرب بعد مصر التي اكتسبت العطف الامريكي وهو ما جعل في وقت ما الملك الراحل يطلب بقبول بلاده عضواً في الاتحاد الأوروبي. 4 ـ موريتانيا: اذا كانت موريتانيا البلد الأقل تقدماً حسب المفاهيم الدولية الاقتصادية مفان وضعها الاقتصادي الذي يتولد عنه بالضرورة الوضع السياسي قد جعل منها بلداً يعيش الظروف التي حتمتها عليه البلدان التي تمد يد المساعدة وهي امريكا وفرنسا والمانيا وكذلك بعض دول الخليج العربي فمديونيتها قد بلغت عام 1990 ما يقارب من 1.8 مليار وهو ما يمثل مرتين ونصف الناتج الداخلي الخام وقد تعرضت موريتانيا جراء مواقفها المبدئية من حرب الخليج إلى عديد من الضغوطات ولكن بالرغم من فقرها وحاجتها الملحة إلى التضامن المغاربي أولاً والعربي ثانياً والدولي ثالثاً فان موريتانيا قد تبنت فكراً وممارسة بكل مصداقية منطقة التعاون المغاربي وفلسفة مبادلاتها التجارية المغاربية المغاربية تمثل سنداً لا يستهان به في التجارة المغاربية ـ المغاربية. 5 ـ تونس: لقد تعرضت تونس إلى صعوبات اقتصادية وكذلك قامت الحكومة التونسية بالعديد من الاجراءات والاصلاحات الاقتصادية وكان أول خيار لها في حل هذه الاشكالية التقدير أولاً وقد بلغ عجز ميزان المدفوعات 450 مليون دينار وتراجع حجم العملة الصعبة المتوفرة من 845 مليون دينار عام 1989 إلى 603 ملايين دينار عام 1998. تلك هي الحالة التي كانت عليها البلدان المغاربية عند توقيع اتفاقية اتحاد المغرب العربي عام 1989م. وتشير الدراسة إلى واقع المبادلات المغاربية المغاربية حيث تقول ان المشهد الاقتصادي يختلف من بلد إلى بلد آخر مع مجموعة من الخصوصيات والعادات التجارية وهو ما يوحي موضوعياً بوجود فوارق على غاية من الأهمية وبما انه من الصعب التخلص بسهولة من عاداتهم وعلاقاتهم الاستهلاكية والمبادلاية مع الاتحاد الأوروبي بشكل عام فان حجم المبادلات التجارية المغاربية المغاربية لم تتجاوز 5% من حجم التجارة المغاربية، فبالنسبة لتونس مثلاً فقد بلغ حجم مبادلاتها مع الاشقاء 8% لعام 1992 وتكون تونس اذا ما اعتمدنا معدلاً مغاربياً في المرتبة الاولى حيث بلغت نسبة وارداتها من المنطقة المغاربية أكثر من 5.4% بالمقارنة مع بقية الشركاء اذا اعتبرنا ان المعدل لا يزيد على 4.52% ومن هذا المنطلق يكون الاجمالي للواردات مقداره 22.6% متوزعاً على دول الاتحاد على النحو التالي: أ ـ تونس: تتربع تونس في المرتبة الأولى من حيث الرغبة الجامحة في التعامل مع الفضاء الاقتصادي الجديد أي اتحاد المغرب العربي حيث بلغت وارداتها المغاربية ـ المغاربية 5.4% وهو ما يمثل 232 مليون دولار أي ما يعادل واردات الجزائر والمغرب وموريتانيا مجتمعة أما صادراتها نحو الفضاء المغاربي فقد بلغت 193.6 مليون دولار. وهكذا نلاحظ ان موريتانيا تتربع على المرتبة الاولى من حيث نسبة الواردات من البلدان المغاربية اذا بلغت 10.9% في حين اذا ما اعتبرنا حجم الواردات فان تونس تتربع في المكانة الاولى بقيمة واردات بلغت 231.9 مليون دولار مقابل 60 مليون دولار لصادراتها في حين ان الصادرات التونسية بلغت 193.6 مليون دولار أي بعجز يتجاوز 38 مليون دولار دخل خزائن الجزائر والمغرب باعتبار انها صدرت اكثر مما استوردت من سلة المبادلات المغاربية على النحو التالي: 1 ـ المغرب 129 صادرات ـ 847 واردات = 44.3 مليون دولار من الربح 2 ـ الجزائر 101 صادرات 84 واردات = 17 مليون دولار. أما ليبيا وموريتانيا وتونس فقد حققوا نتائج أقل بلغت جملتها 268.25 مليون دولار. أسباب الركود التي يتعرض اليها الفضاء المغاربي عديدة ومتعددة وهي تختلف باختلاف أنواعها. أ ـ أسباب اقتصادية وهي تبدو واضحة من خلال التقاليد التجارية والمبادلاية التي ابقت عليها البلدان المغاربية لسنين طويلة مع حلفاء تجاريين خارج النطاق المغاربي. ويلاحظ ان تونس هي البلد الوحيد التي ابقت على ليبيا الحليف التجاري ويأتي في المرتبة الخامسة وهكذا فان من بين العوامل الاساسية لركود المؤسسات الاتحادية في تراجع المبادلات التجارية انصراف الدول المغاربية بصفة كلية إلى التعامل مع الفضاء الأوروبي اذا يمثل. الواردات بالنسبة للمغرب 61.5% من جملة وارداتها والصادرات من 63.0 من صادراتها ليبيا: الواردات 47.1 من جملة وارداتها 72.3 من جملة صادراتها تونس 67.9 من جملة وارداتها 74.3 من جملة صادراتها وهو ما يجعلنا نتصور وكأن الاتحاد المغاربي غير موجود أو انه مجرد مذمار سياسي لا غير في حين ان الواقع على الارض هو التعامل بصورة كلية ومنظمة خارج اللعبة المبادلاتية المغاربية. الأسباب المؤسساتية ان الصورة المؤسساتية التي انبنى عليها اتحاد المغرب العربي منذ البداية تشكل سبباً من أسباب ركوده بل عاملاً من آليات السياسة في خدمة الساسة لذلك كلما تعثر الخطاب السياسي تراجع المنطوق الوحدوي إلى الوراء لأنه بات مجرد حصان مطوع الارجل على حد قول الدراسة. الأسباب السياسية ان الأسباب السياسية التي حفت بالاتحاد المغاربي وجعلت منه جسماً بلا روح تتمحور بالاساس حول قضية الصحراء المغربية وعودتها إلى الاجندة المغاربية والتي تعكر بحق العلاقات المغاربية ـ المغاربية «المغاربية ـ الجزائرية» والتي لم تجد حلاً في ظل المزايدات والمنازعات السلطوية التي لا تزال قائمة حتى هذه الساعة. يضاف إلى ذلك الحصار الذي فرض على ليبيا وموقف الدول المغاربية المتخاذل من ليبيا والذي شكل بحق ضربة في صميم الجسم المغاربي ولعبت امريكا وإسرائيل وبريطانيا دوراً مهماً في السياسة الداخلية لدول الاتحاد المغاربي من حيث الفتنة وتمزيق الشمل المغاربي حتى تبقى هذه المنطقة في حالة ارتباك متواصل وعدم استقرار داخلي خاصة بعد ان انزلقت الجزائر في الحرب الداخلية منذ سنوات مما اقعد هذا البلد عن الابقاء بدوره كاملاً في انعاش البنية المغاربية الوحدوية.