«المملكة هي الحلقة الاضعف، وانت لا تستطيع أن تطلب من الحلقة الاضعف أن تتحول للحلقة الاقوى» بهذه الكلمات يلخص المؤرخ الأردني استاذ «تاريخ الأردن المعاصر» والمحاضر في عدد من الجامعات الأردنية الدكتور علي محافظة الموقف الأردني، الراهن تجاه ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في مقابل المطالب العربية الشعبية وبعض الرسمية «اليمن وليبيا» الداعية إلى ضرورة فتح الحدود الأردنية للمجاهدين من اجل انقاذ الشعب الفلسطيني من براثن الكره اليهودي، وحرب الابادة والتطهير العرقي التي يديرها شئونها العسكرية شارون في الوقت الذي تتحمل واشنطن إدارة شئونه السياسية. بل إن المؤرخ الأردني يؤكد أن تنفيذ الأردن لهذه الدعوات لا يعني إلا انتحارا سياسيا وعسكريا بل وربما وجوديا بالنسبة للمملكة الأردنية الهاشمية. ولابد من الاشارة إلى ان هذا الرأي يتقاطع بصورة مع الرأي الرسمي، بمعنى أن ما هو معروض الآن لا تحمله جهة رسمية أو شبه رسمية بل اكثر من ذلك ولدى محاولتنا قراءة الموقف الرسمي الأردني حاولنا «انتقاء» الدكتور محافظة من اجل عرض رأي المعارضة وسماع صوتها في مقابل الرأي الرسمي المعروف على أن حساسية الأحداث الجارية دفعت بالعديد من الشخصيات الوطنية الأردنية إلى الانتقال من مواقفها الرافضة لرد الفعل الرسمي «الباهت» من القضية الفلسطينية إلى مستويات تتباين بين متطابق جدا إلى متطابق إلى مؤيد بتحفظ. غير أن هذا لا يعني أن هناك إجماعا وطنيا تقتصر فيه الدعوات على التحرك الرسمي الدبلوماسي والسياسي «فقط» لدعم القضية الفلسطينية، بل هناك العديد من الدعوات تتخذ مواقع متقدمة وتتبنى خيارات اشد حزما تأخذ في غالب الاحيان المستوى العسكري كخيار «اجباري» لا بد منه، وأصحاب هذه الاصوات في العادة هم اللاجئون الفلسطينيون المستضافون على الاراضي الأردنية، بالإضافة إلى الاسلاميين من خارج صف الحركة الإسلامية في المملكة، في الوقت الذي بدأت المعارضة السياسية التي يمكن وصفها مجازا «بالمعارضة الرسمية- أو معارضة قطاع عام على أساس دعوة منتظرة بضرورة خصخصتها» تتبنى، دون اعلان، خيار المعارضة الخطابية، دون المطالبة الناضجة والجدية بشيء ما لعدة اسباب لا مجال لبحثها الآن، إلا اننا يمكن أن نشير فقط إلى أن فشل تنظيم مسيرة الزحف يمكن اعتباره خطا فاصلا نجحت الحكومة الأردنية من خلاله في ارباك حركة المعارضة الأردنية على المدى المنظور على الأقل. الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي «الذراع السياسي لجماعة الأخوان المسلمين الأردنيين» وخلال لقاء البيان معه بعيد اجهاض «مسيرة الزحف» كان واضحا في رفضه لما يجري على الساحة الفلسطينية ووصفه بأنه حرب ابادة وتطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية إلا انه ولدى سؤالنا حول رأيه في تراجع الملتقى الوطني لنصرة الانتفاضة عن المسيرة وهل يقرأ «التراجع» هزيمة أخرى أمام الحكومة أكد انها ليست هزيمة إنما تقدير أمين وصادق لما يمكن أن يحدث لو اننا واصلنا قرارنا بتسيير المسيرة وقال في النهاية نحن لا نريد الاصطدام بالامن فهم اخوتنا واهلنا وبالتأكيد نحن لا نقبل أن تسيل قطرة دم واحدة في غير مكانها ونعتبر أن تناقضنا ليس مع أحد غير العدو الصهيوني. ويشير هذا التأكيد بصورة واضحة إلى حدود المعارضة الأردنية الممكنة للتفاعل مع ما يجري في فلسطين وهذا ما أشار إليه زعيم الجماعة الاسلامية حمزة منصور نفسه عندما قال نحن معارضة وطنية قانونية، وليس من العدل مقارنة قدرتنا بقدرات الدول والحكومات والجيوش. وأضاف إن المطلوب من قادة الرأي العام وممثلي مؤسسات المجتمع المدني تقدير الموقف بصورته الكاملة ودراسة ابعاده وتأثيراته على المجتمع فهل يمكن بأي حال من الاحوال أن يكون الاصطدام مع قوات الأمن الأردني لمصلحة القضية الفلسطينية أو لمصلحة أي كان سوى العدو، معربا عن اسفه أن تزج الحكومة بخيار الوقوع في الفوضى إذا ما ارادت المعارضة التعبير عن رأيها المتضامن مع الفلسطينيين. إلا أن الحكومة الأردنية في النهاية استطاعت إدخال المعارضة في كورس نشيدها سواء كان هذا النجاح وفق منظومة الاحتواء أو غيره، وهذا ما يشير إليه قول منصور «إن من يرى أنه كان علينا مواصلة اصرارنا على المسيرة هو أحد امرين إما انه لا يحسن قراءة الواقع، او انه لا يكترث بالنتائج التي من المؤكد انها كانت ستكون وخيمة». وإذا كانت بعض الأحزاب قد شاركت بالفعل في تحركات الشارع للتعبير عن غضبها لما يجري في الاراضي الفلسطينية من احداث اجرامية، فإن أخرى لم تشارك حتى في اجتماعات الملتقى الوطني لنصرة الانتفاضة رغم انها عضو فيه، هذه الاجتماعات التي اقر في نهايتها ضرورة مواصلة مشوار «مسيرة الزحف» وذلك قبل اعلان الالغاء صباح يوم الجمعة المعني. على انه ليس من الموضوعية عدم الاشارة إلى أن ما واجهته المعارضة الأردنية في «مسيرة الزحف» كان كبيرا وقاسيا وفوق قدرتها على استكماله، فقد توافرت للملتقى الوطني بحسب ما أكدته جميع وسائل الأعلام وما اكده أيضا الشيخ منصور عندما أشار إلى أن معلومات كافية وصلت الينا تشي بأن الحكومة حازمة جدا فقامت باخلاء المستشفيات واعلنت الطوارئ في وزارة الصحة وقطعت عمان عن سائر المحافظات.. انها اجواء لا يمكن إغفالها أو القفز عنها، خصوصا وان اعداد المشاركين في المسيرة ستكون قليلة للغاية ولا تنسجم مع مسيرة «المليون» التي قررها الملتقى الوطني. يقول الدكتور علي محافظة في ذلك ان المعارضة الأردنية تعبر عن ضمير الشعب الأردني ورغبته في تخفيف الضغط على اخوانه في الضفة الغربية وهذه مشاعر كل أردني ولكن ماذا تستطيع الحكومة أن تفعل؟ هذا امر آخر.