لماذا رفض الرئيس الامريكي جورج بوش طوال اواخر مارس وأوائل ابريل وهو يقتصر على تكرار القول ان على عرفات فعل المزيد، لكبح جماح الهجمات «الانتحارية» فيما هو يعرف ان رأس السلطة، الفلسطينية يقبع سجيناً داخل ثلاث غرف من دون ان يتوفر له سوى هاتف خليوي وحيد تحت تصرفه؟ لماذا يقبل رجل بذكاء كولن باول وثقافته طوال الاحداث التي اوصلت المنطقة للكارثة الراهنة ـ لماذا يقبل مطلب شارون الخبيث والسخيف بفترة غير محدودة من «الهدوء المطلق». طبعا، باستثناء عمليات الاغتيال التي تنفذها اسرائيل قبل ان تبدأ اي محادثات سياسية؟ لماذا وقفت امريكا بعيدة طوال هذه الفترة، كما قالت صحيفة «نيويورك تايمز» في 9 ابريل الى ان قتل اكثر من 200 فلسطيني وجرح 1500 غيرهم منذ بدأت الدبابات والمروحيات الهجومية الاسرائيلية بالتدفق على الضفة الغربية في 29 مارس؟ وباختصار لماذا تقيد امريكا نفسها طوعاً برسن اسمه «الارهاب» يستطيع شارون ان يحركها به كما يشاء كلما أراد؟ للأسف، ان السبب هو 11 سبتمبر، فحتى ذلك اليوم كان بوش نفسه يعي الحاجة لتحذير اسرائيل من اعتماد «الاغتيالات الانتقائية» كما فعل في اغسطس الماضي، لكن منذ 11 سبتمبر استطاعت كلمتا «ارهاب» و«ارهابي» ان تخرسا اي حوار سياسي عقلاني امريكي حول شئون الشرق الاوسط ولم يكن على شارون سوى ان يعلن ان ياسر عرفات هو رأس «شبكة ارهابية» حتى تقف واشنطن بطواعية الاغنام في صفه لتدعم اي عمل عسكري يأخذه. لقد اصبحنا مخدرين بهذا الخطاب الجديد لـ «الحرب ضد الارهاب» فأي سياسي يستطيع بشكل مقنع ان يصف منتقديه المحليين أو الخارجين بأنهم «ارهابيون» فإنه يضمن على الاقل آذانا مصغية من جانب واشنطن، بل وكما هي العادة يضمن ما هو أكثر من ذلك. لقد اصبحت كلمة «ارهابي» الفخ الذي يستخدم ضد الاعداء في زماننا هذا، مثلما كانت كلمات «شيوعي» أو «رأسمالي» أو «برجوازي» وغيرها فيما سبق، وشأن هذه الكلمات فإن فخ «ارهابي» ينهي اي حوار، والكلمة لها تاريخها الخاص، فهتلر وستالين تحديداً كانا يصران على وصف مناهضيهما «بالارهابيين»، والارهابيون، بطبيعة الحال، موجودون مثلما هناك بورجوازيون حقيقيون وشيوعيون فعليون، كما ان استهداف المدنيين هو سلاح الضعفاء، لكن المشكلة هي ان كلمة «ارهابي» هي مثل عبارة «دولة مارقة» هي وسيلة خطابية قد تنقلب على صاحبها، فالارهابيون اليهود كانوا مؤسسي اسرائيل وقد لا يكون الامر بحاجة لوقت طويل قبل ان تقرر الامم المتحدة وصف اسرائيل بأنها دولة مارقة. الخطوة الاولى، اذن، على طريق ايجاد حل في الشرق الاوسط هو ان تتخلى واشنطن عن خطاب الحرب ضد الارهاب، وهي السياسة التي وضعت امريكا في جيب ارييل شارون الصغير وان تبدأ بالتصرف كدولة عظمى، مثلما هي بالفعل، وبدلا من ان تخضع لابتزاز اسرائيل وترضى بالصمت عليها ان تطالبها والفلسطينيين ببدء المحادثات. وقبل سنتين من الآن كان من الممكن مطالبة السلطة الفلسطينية بوقف كل الهجمات قبل بدء المفاوضات، أما الآن وبفضل شارون، فليس هناك اي فلسطيني مستعد للمفاوضات يمكن له ان يقبل هذا المطلب، ولهذا يجب العمل على التوصل لاتفاق سلام بدون تفجيرات او بوجودها. ان اللحظة الراهنة التي يستعد فيها شارون لاطلاق دورة مطولة اخرى من دورات الموت والانهيار في كل المنطقة، قد تكون الساعة الحادية عشرة، مثلما اعترف الرئيس الامريكي بذلك علناً. وبالتأكيد فإنها ستكون كذلك بالنسبة لاسرائيل، فقبل وقت طويل من تمكن العرب من استعادة ارضهم ودولتهم، ستكون اسرائيل قد تفككت من الداخل، والخوف من الظهور بمظهر المتضامن مع شارون، وهو الذي بدأ فعلا يمنع الكثيرين من زيارة اسرائيل، سيبدأ سريعاً بالتوسع ليشمل المجتمع الدولي الى حد كبير مما سيجعل اسرائيل دولة منبوذة، ومهما كان شارون بشعاً مع الفلسطينيين، فإنهم سيبقون ويرحل هو، وستصبح آفاق المستقبل مضمونة بصورة أقل بالنسبة لاسرائيل. والازمة في الشرق الاوسط تمثل لبقية العالم تهديداً كبيراً بالتحول الى حرب عالمية وضمانة كبيرة، بأن الحرب الامريكية ضد الارهاب وكيفما وصفناها سوف تفشل. ان بعض المراقبين للشرق الاوسط المعاصر يضعون املهم في ايجاد حل في المصالح الذاتية المتنورة للطرفين المتحاربين. وهؤلاء يقولون ان الفلسطينيين سيكونون افضل حالاً بكثير اذا ما قبلوا الخضوع لهيمنة اسرائيل لان ذلك يمكن ان يحقق لهم الرخاء والامن الشخصي وبالتالي فإنهم عاجلاً أو آجلاً سيتخلون عن مطالبهم بالاستقلال الكامل، ولهذا فليس من المستغرب ان يكون هناك حساب استراتيجي معين يدعم دبابات شارون وقوام هذا الحساب، ان العرب بعد تكسير رؤوسهم بالقدر الكافي سيرون كم سيخسرون اذا ما اختاروا حرب اسرائيل وبالتالي سيوافقون على حياة مسالمة بشروط اسرائيلية. ربما كان هذا اكثر الاضاليل الاستعمارية خطراً. ان الحياة الكريمة لا تحسب بالدخل ومعدل طول العمر بل ولا تحسب بالسلامة، فمثلما قال ريمون آرون في كتيبه الشهير: «ان تجاهل ورفض قرن كامل من الزمان هو الذي يجعلنا نفترض ان الرجال سيتخلون عن عواطفهم مقابل مصالحهم». ولهذا السبب فإن الاسرائيليين بالممارسة التي ينتهجونها مع العرب يمضون على طريق التيه، فليس هناك بديل عن مفاوضات سلام وتسوية نهائية، وان لم يكن الآن فمتى سيكون؟ عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»