وتحدث خلال الجلسة الثالثة كل من فهمي هويدي والدكتور محمد المسفر حيث تعرضت الجلسة الأخيرة من جلسات اليوم الأول لمنتدى الإعلام العربي لموضوع «الثوابت والمتغيرات في الوعي العربي تجاه الغرب». من جانبه استهل فهمي هويدي محاضرته بطرح مجموعة من التساؤلات حول اسقاط الشرق من المعادلة العربية على الرغم من أهمية هذا الجزء من العالم والذي يضم دولاً مثل الهند والصين وروسيا كلها دول ذات ثقل نوعي مهم أما السؤال الثاني الذي طرحه المفكر العربي فكان حول عزوف الغرب أو فشله في فهم الحضارة العربية والإسلامية على الرغم من كل ما يتمتع به الغرب من امكانيات وتقدم علمي وحضاري؟؟!! أما السؤال الثالث فقد ركز على فكرة توحيد الغرب كوحدة واحدة حيث ألمح إلى خطأ العرب في النظر الى الغرب على انه وحدة واحدة، مشيراً الى ضرورة التفرقة بين الدول الغربية بعضها البعض وأيضاً التفرقة بين المجتمعات الغربية المختلة داخل الدولة الواحدة. وأكد فهمي هويدي قناعته القائلة بأن الغرب الذي نشتبك معه ونكاد نكرهه هو الغرب السياسي، حيث نبغض القهر في الخطاب السياسي الغربي الساعي إلى فرض الهيمنة الغربية، وقال اننا نحترم الغرب ونقدر التقدم الكبير الذي حققه على شتى الأصعدة إلا اننا نرفض أن نكون نسخة منه، ففي الوقت الذي يرى فيه الغرب ذاته على انه أفضل ما في العالم لا تبرأ ساحته من العديد من الرذائل والسلبيات الخطيرة. أما النقطة الرابعة التي تطرق إليها فكانت المحددات التي تحكم علاقة العرب بالغرب والتي تعتمد في الأساس على عنصرين رئيسيين هما (1) المرجعية الثقافية (2) الخبرة السياسية، فبالنسبة للمرجعية الثقافية قال هويدي ان الحضارة الإسلامية تمثل جزءاً لا يتجزأ من الوعاء الثقافي العربي مشيراً إلى ان تقسيم العالم الى عالم حرب وعالم سلام أو إسلام لا يرجع الى أصول الثوابت الاسلامية انما يرجع الى اجتهادات مختلفة جاءت في ظل ظروف تاريخية محددة. وقال ان تقسيم العالم الى دار سلم ودار حرب ممكن مع الحالة الفلسطينية، حيث يمكن للفلسطينيين اعتبار الولايات المتحدة دار حرب لمساندتها اسرائيل في طغيانها وظلمها ضد الشعب الفلسطيني. وأكد هويدي قناعته بعدم وجود مشكلة ثقافية بين العرب والغرب وقال موضحاً: ان المؤرخين المسلمين على سبيل المثال لم يتحدثوا أبداً عن حروب صليبية ولكنهم أشاروا الى هذه الحروب في كتاباتهم على أنها حروب مع الفرنجة، وأضاف هويدي بأن المسلمين والعرب لا يرفضون الآخر على أساس عقائدي ولا حضاري، فنحن نحترم الآخرين ودياناتهم وعقائدهم. أما على صعيد الخبرة السياسية التاريخية، قال الأستاذ فهمي هويدي ان الموقف السياسي الغربي محير ومثير للدهشة في عدم فهمه لحقيقة الاسلام والمسلمين في حين يشير التاريخ الى علاقة الغرب بالعرب والتي لم تخرج عن نطاق رفض الغرب للعرب ومعاداتهم بل وصلت الى حد استغلال الغرب للعرب من خلال فرض سيادته الاستعمارية عليهم، حيث كانت دائما العلاقة بين العرب والغرب علاقة المقهور والقاهر. وأبرز هويدي تاريخ الغرب في استعمار العالم العربي واحتلاله وتقسيمه، حيث ظهرت قضية فلسطين كمعيار فاصل في العلاقة العربية الغربية مع زرع الغرب لإسرائيل في جسم العالم العربي في الوقت الذي جاءت محاولات أخرى للنيل من الإسلام عندما حاول الغرب تجريح الإسلام ووصف المسلمين بأنهم لا يحترمون الحياة الإنسانية في إشارة إلى العمليات الاستشهادية الفلسطينية. وقال هويدي ان المتتبع لتاريخ القضية الفلسطينية والنضال الفلسطيني ضد المحتل الاسرائيلي يجد ان النضال لم يبدأ بالهجمات الاستشهادية ولكنه بدأ من خلال فترات كثيرة كان أبرزها انتفاضة الحجارة في عام 1987 والتي لم تعرف أي محاولات استشهادية آنذاك، مشيراً الى ان استمرار عمليات القهر والذل كان سبباً في الوصول الى تلك العمليات كملاذ أخير خاصة مع وصف الرئيس الأمريكي لشارون بأنه رجل سلام. وأعرب عن اعتقاده في ارتكاب الاعلام الغربي لجريمة تاريخية يحاسب عليها على المستوى الأخلاقي والانساني والتاريخي عندما دافع عن المجازر التي ارتكبها اليهود ضد الفلسطينيين، حيث وجه التحية لكل الكتاب الغربيين الشرفاء الذين حاولوا إبراز ولو جزء صغير من الحقيقة على أرض الواقع، مشدداً على ان الاعلام الغربي لعب دوراً خطيراً في افساد العلاقة بين المسلمين والغرب. وطرح فهمي هويدي رؤيته لحل هذا الموقف المعقد في مواجهة الغرب المنحاز وقال ان المسلمين مطالبون حالياِ بخوض معركتين احداهما داخلية للدفاع عن الديمقراطية والأخرى خارجية للدفاع عن حقوق الأمة ومصالحها، مشيراً إلى ان الدفاع عن الديمقراطية الداخلية هو الوسيلة الوحيدة الكفيلة بمواجهة الصلف الغربي، حيث لابد وأن يستقوي العالم الاسلامي بمؤسساته وديمقراطياته وطالب بضرورة توفير قدر من العافية لبنياننا السياسي والاجتماعي مع التركيز على عنصر الديمقراطية لتحقيق الآمال التي نطمح إليها وكسب المعركة ضد الصهيونية. وفي كلمته قال الدكتور محمد المسفر أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر ان التاريخ المشترك لكلا العالمين العربي والغربي قد شهد صراعات وحروباً كما شهد تعاونا وتبادلا حضاريا، ولكن هذه العلاقة المضطربة حيناً والراسخة حيناً آخر تركت بصماتها على الوعي العربي، فنتج عن ذلك ما يمكن أن نسميه الثوابت في الوعي العربي وتقابلها مجموعة من المتغيرات التي قد تفتح تارة آفاق الحوار وتغلقها تارة أخرى، وقد ترسخ علاقتنا بالغرب أو قد تؤدي الى اضطرابها تماماً كما هي الحال اليوم في موقف الغرب منا ومن اسرائيل؟ ما هي الثوابت يا ترى في وعينا العربي ازاء الغرب؟ ربما تكون أفضل وأبسط السبل للاجابة عن السؤال هو في تأطيرها ضمن تحقيب تاريخي أبرز صيغاً معينة من التعامل بيننا وبين الغرب دون غيرها.. والصيغ التالية كأطر للتعامل هي التي وعيناها كعرب في علاقتنا مع الغرب وهي ثلاثة وهي اسلام عرب، شرق وغرب، شمال وجنوب. وأشار الى أولى الثوابت التي تبرز على مستوى ديني من ناحيتنا وجغرافي من ناحية الغرب وفي هذا التقسيم الذي أرادوه معنى وشركا في آن وقعنا فيه ورددناه وهو مقابلة الإسلام كدين بالغرب كجغرافية. وفي داخل هذا التأطير تبدو مجموعة من المدخلات المتناقضة، فالغرب متمسك بحضارته اليهودية المسيحية ينظر لنا بريبة وحذر شديدين على اعتبار كوننا كيانا دينياً في عالم علماني.. وبسبب من هذه النظرات السياسية وليست الدينية مازالت كل محاولات الحوار الاسلامي المسيحي تمر بعثرات مقلقة، إلى درجة تبدو في بعض الأحيان ميئوس منها وهو ما حدث منذ شهر في مصر عندما صرح الأستاذ المستشار طارق البشري بأن جولات الحوار الاسلامي المسيحي وصلت تقريباً الى طريق مسدود، ما الذي يجعل رجلاً معتدلاً ومفكراً عربياً إسلامياً يحاور المسيحيين منذ عدة عقود مثل البشري يصل الى هذه النتيجة المقلقة؟ هل هي المفاهيم العقيدية الدينية التي تتضارب؟ بالقطع لا، لأن الحوار بين الديانتين ليس جديداً والاسلام يعترف بالمسيحية، والديانتين بل الديانات السماوية الثلاث ديانات ابراهيمية، وهو ما يرفضه الغرب اليوم الذي لا يريد أن يدخل الثقافة الاسلامية كمكون من مكونات الهوية الغربية اليوم على الرغم من وجود ملايين من السكان المسلمين في شتى بقاع العالم الغربي. ومثال ذلك يبدو واضحاً أكثر من أي مكان في فرنسا التي تطالب كل حكوماتها أن يكون الاسلام علمانياً بينما تقبل اليهودية على علاتها.. وما تقبله من الديانة اليهودية المسيحية ترفضه من الديانة الاسلامية، ويبقى تعاملها مع الاسلام من باب الأمن أكثر منه من باب العقائد أو السياسة وهو ما يعقد الأمر أكثر مما يفتح آفاق الحل والتفاهم وسيادة لغة السلام الاجتماعي والحضاري كما فعل أسلافنا وأسلافهم في العصور الماضية. وفي تقسيمهم للعالم أصر فلاسفة الغرب على اشاعة تقسيم جغرافي ارادوه حضارياً فالشرق قد أصبغ عليه الغرب دونية حضارية في القرون الأربعة الأخيرة اتخذت أشكالاً عديدة: عرقية ودينية وثقافية، ومن هنا أطلق الشاعر كيلنج مقولته الاستشراقية المشهورة «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا» في حين ان الوعي العربي يحركه البعد الديني الذي يقول نصه القرآني الكريم: (وخلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) فالتعارف والتعاون والمساواة ما بين البشر كانت رسالة الاسلام، ولا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى، والناس سواسية .. ولا اعتراف بتقسيم جغرافي للبشرية لأن الأرض أرض الله، وهكذا انتجت المفاهيم الغربية المتضاربة والعنصرية استشراقاً قام بتشويه كبير للشرق ولحضارته، فالفيلسوف هيجل يعتبر ان مسيرة العقل تبدأ بالشرق، ولكنها تتطور وتكتمل في الغرب وبالتالي فإن الغرب هو العقلانية والحضارة وكل ما حدث قبله ما هو الا بداية وطفولة العقل البشري، صار الشرق تخلفاً والغرب تقدماً فقبلت المفاهيم الاستعمارية على أساس كونها حقبة لادخال الشعوب الأخرى في الحضارة الغربية حتى لو كان ذلك على حساب الابادة كما حدث للهنود الحمر في أمريكا والسود في جنوب افريقيا والفلسطينيين في فلسطين. ويلتقط الوعي العربي ثابتاً آخر من ثوابت النظرة الغربية للعرب وهي معضلة العلاقة بين الشمال والجنوب، الشمال المترف الغني الحضاري العقلاني والجنوب الفقير الجاهل منزوع الارادة .. وكل ما يجري اليوم هو العمل على زيادة وتيرة المساعدة التي يقدمها الشمال للجنوب، ومن ضمن هذا الجنوب بطبيعة الحال الدول العربية .. ومن جديد العلاقة متوترة لأنها مقلوبة تماماً فلا يريد الجنوب صدقات من الشمال ولكنه يريد أن يحافظ على ثرواته التي نهبها الشمال، ولدينا مثال عصري مهم وهو التعامل مع العراق وفق صيغة النفط مقابل الغذاء، فالغرب وبالتالي الشمال يعرضها على أساس كونها صيغة انسانية لمساعدة الشعب العراقي على الحياة، ومع الأسف زيفوا وعينا وبات اعلامنا يكرر هذا الكلام، والحقيقة ان الشمال لا يسمح للعراق بالتمتع بثرواته النفطية لكي يصرف منها على شعبه، والشمال يفرض حصاراً جائراً يقتل فيه الاطفال والشيوخ ويتحدث عن صدقة النفط مقابل الغذاء، وكأنها من ثرواته هو في حين يجبر العراق على القبول بصيغة تنتقص من سيادته وتصادر جزءاً مهماً من ثروته، وهذا عهدنا بالغرب الذي يقلب الحقائق ويزيفها لصالحه دائماً، فكيف يمكن تفسير وعد بلفور ومنح بريطانيا أرض فلسطين لليهود الا من باب التبرع بما لا يملك؟ ان علاقة الشمال بالجنوب ينبغي أن تنطلق من القبول بسيادة الشعوب على ثرواتها الوطنية وحرية تسعيرها لموادها الخام بأسعار تلائم وتنسجم مع أسعار السوق دون تدخل أو اجبار.. وفي هذه الحالة تعود ثروات الجنوب لشعوبه ولا حاجة لمساعدات الشمال. ويؤكد المسفر ان قضيتنا الأساس هي الوعي المزيف الذي فرضه الاعلام الغربي علينا .. تلك هي بعض الثوابت التي رسخت على مدى القرون الأربعة الماضية في ذهنية العرب كوعي مدرك للعلاقة مع الغرب .. فما هي المتغيرات؟ أحسب ان المتغيرات هي مجموعة الاحداث التي تجرى ونلتقط بعضها من التاريخ والحاضر فعلى سبيل المثال عندما استنجد فرانسوا الاول بسليمان القانوني لنصرته ضد امبراطورية النمسا وقام المسلمون بالفعل بتوجيه جيوشهم الى بودابست شمالا والبحر المتوسط جنوباً لحماية فرنسا كان المسلمون في نظر الكاثوليكية الفرنسية المنقذين والحضاريين وملوك العصر وهم الذين بنوا فرنسا القومية كما اعترف فيليب الثاني، وعندما تردت احوال الامبراطورية في آخر عهدها قام الفرنسيون بزرع الفتنة فيما بين شعوب الامبراطورية الاسلامية وكانوا أول من نظم مؤتمر الاقليات ضد السلطان عبدالحميد الذي نعتوه بالسلطان الأحمر في باريس عام 1902، وفي هذه العاصمة نظموا مؤتمراً آخر للمعارضين العلمانيين الأتراك عام 1907 وقامت بعد ذلك الماسونية الفرنسية بالتعاون مع يهود الدونمة بانقلاب على السلطان عبدالحميد عام 1908 سمي بالانقلاب الدستوري وعزلته، وفي هذه الفترة اتبع حزب الاتحاد والترقي الذي تولى السلطة بمباركة غربية سياسة تتريك العرب فاحتضن الغرب بأكمله العرب وبدأت المؤلفات عن كرم العرب وشجاعتهم وقوتهم وضرورة وحدتهم ونظمت فرنسا أول مؤتر عربي في باريس عام 1913 للعمل على الانفصال عن الامبراطورية العثمانية. وهكذا فإن بريطانيا لم تكن لوحدها من اتبع سياسة فرق تسد ولكن فرنسا بل والغرب كله ساروا على الطريق ذاته .. وما ان ثار العرب على الأتراك ونكث البريطانيون بوعودهم في وحدة العرب، ومنح بلفور ما لا يملك لليهود حتى بدأت مرحلة جديدة بعد ان تولى كمال اتاتورك الغاء الخلافة الاسلامية واقامة جمهورية علمانية، اصبح الترك في نظر الغرب حضاريين لأنهم تركوا الاسلام والتزموا بالعلمانية، والعرب متخلفون، ولكن حظ الاتراك ليس بأفضل من حظ العرب فعلى الرغم من انهم أول الدول الأطلسية ومن أوائل من دخل الى السوق الأوروبية المشتركة ولكن لأنهم مسلمون بالاسم فقط وينتمون الى العالم الاسلامي فهم آخر المقبولين في الاتحاد الأوروبي الذي وصفه أحد القادة بأنه اتحاد المسيحيين الأوروبيين. وما رأيناه من تحالفات ما بين بعض الدول العربية والدول الغربية واعتبارهم حلفاء لهم مكانتهم ايام ثنائية القطبية ومحاربة الاتحاد السوفييتي لم يكن سوى مرحلة استغل فيها الغرب العرب لمصالحه .. فقد انتهى هذا التحالف، وفضل الغرب التصرف ككتلة دينية تنتمي الى الحضارة اليهودية المسيحية بدلاً من التصرف على أساس الكتلة الحضارية التي تأخذ باعتبارها موازين القوى وقوة الحق لا حق القوة .. لقد اخضع الغرب وفي الحالة الفلسطينية والعراقية أمام أنظار الجميع، كل المتغيرات في علاقاته مع العرب الى الثوابت الراسخة في ذهنه وطبيعتها العنصرية، فليست هي لغة المصالح التي يحدثنا عنها بعض المثقفين العرب الذين قبلوا بتزييف وعيهم فلو كانت كذلك لانحاز الغرب بأكمله إلى المصالح التي هي أكبر وأضمن مع العرب بدلاً من تمويل اسرائيل وضمان أمنها واستقرارها ولو على حساب المصالح مع العرب.

