شهدت الجلسة الاولى لفعاليات المنتدى الاعلامي الدولي سجالاً مثيراً بين المحلل السياسي المرموق والدبلوماسي الفرنسي السابق ايريك رولو، والكاتب الامريكي التحريضي ضد العرب، وصاحب العمود الشهير في صحيفة «نيويورك تايمز» توماس فريدمان والذي انسحب لفترة من الجلسة اثر تعرضه لانتقادات حادة من أحد الضيوف، وعودته للقاعة. وتباينت الرؤى الاوروبية والامريكية حول «الرؤى الاعلامية الغربية للعالم العربي.. ماذا تغير بعد احداث 11 سبتمبر. وسجلت الجلسة التي أدارها الدكتور عبدالخالق عبدالله استاذ العلوم السياسية بجامعة الامارات بداية ساخنة جداً للمنتدى. واكد د. عبدالخالق في بداية الجلسة على ضرورة استمرار المناقشات والحوارات لازالة سوء الفهم الناتج عن احداث سبتمبر تجاه العرب والمسلمين في الاعلام الغربي مشيراً الى ضرورة العمل على ترسيخ المفاهيم الصحيحة عن الاسلام والعرب في وسائل الاعلام الغربية. من جانبه أكد توماس فريدمان في البداية ان اثارة ردود الفعل حول مقالاته هي دليل على نجاح تلك المقالات موضحاً ان على الكاتب ان ينظر الى ما لا يقال ثم يقوم بتحليله ودراسته واعطى مثالاً على ذلك عندما تولى كولون باول وهو ابن المؤسسة العسكرية الامريكية لمدة 35 سنة وزارة الخارجية وقبلها بفترة قليلة عمل في شركة امريكا «اون لاين». واضاف قائلا كنت اتساءل عن موقفه في المنصب الجديد هل سيديره من خلال منظوره العسكري او من خلال تجربته في امريكا أون لاين». فالأول مهمته الدفاع والتدمير والثاني يتصل بعالم التكنولوجيا وهذا السؤال كان الشغل الشاغل للرأي العام الامريكي، ايضا انا شخصيا من العالم الذي ينتمي الى تكنولوجيا المعلومات وما يفاجئني احياناً الانباء التي تنشر والصور التي تعرض على شاشات التلفزيون وغالبا ما تكون هذه الانباء في الامور التي لا يتم التحدث عنها وهو ما يبحث عنه الصحفي. ويعطي فريدمان امثلة على ذلك اهمها القضية الفلسطينية وما يحدث في الاراضي العربية المحتلة فيمكن متابعة ما يحدث هناك على شاشة C.N.N لكن علينا ان ننظر الى ما وراء ذلك فعندما عبر الجيش المصري قناة السويس في 1973 ادخل شعوراً بالخطر لدى الجانبين الاسرائيلي والمصري منذ هذه اللحظة التي بدت مواتية لبداية الحوار الدبلوماسي. ومن خلال العمليات العسكرية داخل الخط الاخضر هدد الفلسطينيون السلامة والامن اللذين كان ينعم بهما الاسرائيليون، ومن ثم جاءت العمليات الحالية ولذلك يشعر الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي بالخطر والتهديد وكلاهما لا يريد الاستمرار في هذه الدوامة من العنف. لا خطة سلام عند عرفات او شارون ورأى فريدمان ان شارون وعرفات ليس لديهما خطة مستقبلية للحل واذا استمرا في هذه الاجراءات فسوف تزداد دوامة العنف الى ما لا نهاية. من هنا لابد من فهم ما لا يقال من الجانبين وتجاهل ما يقال علناً. اما ما حدث في 11 سبتمبر.. وتداعياته فقد بدا ان هناك توجهاً في الرأي العام الامريكي لفهم العرب والمسلمين وكانت اكثر الكتب رواجاً لدى «امازون دوت كوم» تتمحور حول العرب نحو 75% من مبيعاتها ويعطي هذا دليلاً على الترابط والالتقاء التكنولوجي بين الجانبين لكن لا نزال نجهل الامور الثقافية فقد تلاقينا تكنولوجيا اكثر من اي وقت مضى وتداخلنا كشرق وغرب وتعدينا بكثير الالتقاء الاجتماعي والسياسي. ويشير فريدمان الى ما يحدث في الشارع العربي حالياً ويصفه بأنه «انتفاضات ليس لديها معنى سياسي».. فهناك حركة في الشارع العربي لكن دون استنتاج سياسي الذي يمكن التوصل من خلاله الى ما اذا كان يعني الاطاحة بأنظمة الحكم في الدول العربية او ان الحكومات لم تعد كفؤة لقيادة الشعوب؟! ولكن أؤكد ان ما يحدث في الشارع العربي لديه أهمية على السياسات في العالم، فالضحية الحقيقية ليست القادة وانما هؤلاء الأفراد والمجموعات التي باشرت بحديث مختلف حول طبيعة الصراع. لكن الحديث لا يقتصر على ذلك وانما يدور ايضاً حول الديمقراطية والعولمة والتربية والثقافة. ولا يخفي فريدمان خوفه من تأثير «الانتفاضة» على الاشخاص وتفكيرهم وليس على القادة، و«هذا ما ألمسه من خلال الرسائل التي تصلني عبر الانترنت من نساء مسلمات يعارضنني الرأي لكنهم يطالبونني بالاستمرار في الحديث عن الديمقراطية». بن برادلي يحذر من الصحف الأمريكية السيئة وبدأ بن برادلي نائب رئيس تحرير صحيفة «الواشنطن بوست» الأمريكية بالتحذير من الإعلام الغربي، مشيراً الى ان هناك عدداً من الصحف الجيدة في الولايات المتحدة ولكنها ليست كثيرة كما ان هناك عدداً هائلاً من الصحف الامريكية معظمها سيئ..!! وينطبق هذا أيضاً على الوضع في العالم العربي. ويوضح برادلي ان المعلومات عن العالم العربي لدى الرأي العام الأمريكي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية ومع نشوء دولة «اسرائيل» واستقلال دول أفريقيا الشمالية، مشيرا الى ان تمثيل العالم العربي في أمريكا كان ناقصاً بعض الشيء وكان هناك عدد من السفراء العرب في أمريكا يقيمون فقط حفلات ناجحة وتنشر أسماؤهم في الصفحات الاجتماعية! ولم يشاركوا بفعالية في النشاطات السياسية في الوقت الذي كانت اسرائيل ترسل فيه افضل الشخصيات لديها الى امريكا وكانوا يشاركون في كل الفعاليات. وقال برادلي «اذا كان العرب مهتمون بالرأي العام الامريكي فلابد ان يحدث ذلك من خلال التلفزيون وقياس نبض ردات الفعل الامريكية ولكن للأسف ما يحدث من احراق للعلم الامريكي في الشارع العربي يؤثر سلباً في الرأي العام الامريكي. واضاف ان اعتداء 11 سبتمبر غيرت كل شيء في الصحف الامريكية وكافة وسائل الاعلام وامتد التغير على الموقف العربي ازاء العالم العربي وهذا الوضع سوف يستمر. ويوضح ان سمعة اسرائيل جيدة لدى الشعب الامريكي بسبب تسويق الاجراءات الاسرائيلية ضمن استراتيجية الدفاع عن الذات بدءأً من مجازر صبرا وشاتيلا ثم مخيم جنين وهذا يستهوي الرأي العام الأمريكي. وقد انعكس ما حدث في سبتمبر على الادارة الامريكية وسبب لها صدمة قوية رغم ان هناك تناقضات وخلافات داخلها خاصة بين رامسفيلد وزير الدفاع وديك تشيني نائب الرئيس وكولن باول وزير الخارجية الذي حمل عبئاً ثقيلاً للغاية في زيارته الاخيرة للمنطقة اما بوش نفسه فهو يشبه والده كثيراً ويعتبر «الولد المدلل» الذي التحق بأفضل المدارس ولم يدرك الا بعد فترة زمنية طويلة ان البحرية مهمة في امريكا ومع ذلك فهو يركز حالياً على الشرق الاوسط ولكن لا اعتقد ان مستوى الكفاءة الحالي لدى الادارة الامريكية ليس كما كان في الماضي. ويؤكد برادلي ان الرأي العام الامريكي متعطش للحصول على المعلومات عن العالم العربي وبالتالي لابد من اختيار أشخاص يمثلون العرب لدى الولايات المتحدة اكثر كفاءة. اريك رولو: اسرائيل استغلت 11 سبتمبر ويستعرض اريك رولو الكاتب الفرنسي المعروف في اللوموند والدبلوماسي السابق المراحل التي مر بها الرأي العام الفرنسي بعد 11 سبتمبر والمرحلة الاولى تمثلت في حالة الهلع والخوف وتعاطف الفرنسيون مع الامريكيين، اعتقدوا انهم سيلحقون بالركب في محاربة الارهاب بعد تهديدات ابن لادن ونشرت العديد من المقالات الغامضة حول الاصولية والاسلام عن جهل وبأفكار مسبقة حول المسلمين ولا اتذكر ان هناك تقريرا منشورا حول ادانة القيادات الرئيسية في العالم الاسلامي لأحداث سبتمبر وشبكة تنظيم القاعدة ونشرت مجلة اسبوعية على غلافها الخارجي تقريراً بكلمة واحدة وهي «الأصولية» ولم افاجئ عندما قرأت استطلاع رأي يكشف ان كل فرنسي من بين اثنين يرى ان الاسلام له علاقة بالارهاب وكانت هناك آراء عنصرية واستغلت اسرائيل ذلك وربطت بين ما يحدث من عمليات عسكرية وبين الارهاب وردد البعض ان الفلسطينيين ليس لديهم انسانية والامهات لا يبالين بمصير اولادهن. فرنسا استعادت عقلها اما المرحلة الثانية في الرأي العام الفرنسي فقد بدأت تتبلور بعد 4 شهور من احداث سبتمبر وسيطرت مفاهيم اكثر عقلانية للأحداث وادركت وسائل الاعلام ان بوش لا يهتم كثيراً بمشاركة اوروبية فعالة ضد الارهاب وانما دعم سياسي فقط واكتشفت وسائل الاعلام ان الحرب ضد الارهاب بالمفهوم الامريكي ربما يكون مصيرها الفشل لأن بوش يفكر فقط في محاربة الارهاب من خلال الوسائل الامنية وليس بتحليل جذور هذه الظاهرة وفهم دوافعها وابعادها. وبدأ السؤال يطرح لدى الفرنسيين حول الاهداف الاستراتيجية الامريكية ضد الارهاب وماذا كان الغرض من تعزيز الوجود العسكري الامريكي في آسيا الى الدرجة التي وصف فيها فيدرين وزير الخارجية الفرنسي الاجراءات الامريكية بأنها «تبسيطية». امريكا اكبر منتهك للقانون الدولي واستنكر رولو مخالفة امريكا وهي اكبر ديمقراطية في العالم للقانون الدولي واعلانها انها سوف تتدخل في شئون دولة ما وهذا شيء لا يمكن للاوروبيين تقبله خاصة بعد ان شاعت مفردات «دول الشر» وهي مفردات غير دبلوماسية ولم تستخدم منذ مئات السنين وهذه المفردات لا تنسجم مع الدبلوماسية الفرنسية لتقسيم العالم الى «شر» و«خير». وركز رولو على نقطة اخرى مهمة والمتعلقة بالادراك والفهم الامريكي للمقاومة الفلسطينية فالأمريكان ينظرون اليها على انها «ارهاب» ولا ادري لماذا؟! وعلى الرغم من ان الفرنسيين يرون حق اسرائيل في الوجود لكنهم ليسوا مع سياسة التوسع والاستيطان الاسرائيلي ولذلك ينظر الامريكان الينا على اننا ضد اسرائيل لاننا لا نوافق شارون على اغتصاب الاراضي الفلسطينية وادان الاعلام الفرنسي معظم سياسات شارون وفضح ممارسات الاجرامية في صبرا وشاتيلا وجنين ومعارضته لاوسلو الذي اعتبرها «مأساة لاسرائيل». وقال رولو نحن واعون في فرنسا بالواقع وجميع الممارسات الشارونية ليس لها هدف سوى تكريس الاحتلال وعدم اجراء مفاوضات مع اي شخص يمثل الشعب الفلسطيني والمراوغة والتلاعب الى حد وصفه من الرئيس الامريكي بأنه «رجل سلام»!!. ويتساءل اريك رولو لماذا يختلف الفرنسيون مع امريكا؟ ويجيب: لدينا ثقافة سياسية مختلفة عن الامريكان خاصة تجاه الفلسطينيين فلنا تجربة مع المقاومة الجزائرية ركزت عليها وسائل الاعلام في الفترة الاخيرة، واكد الخبراء الفرنسيين اننا لم نفعل في الجزائر شيء يشبه ما فعلته اسرائيل في جنين لان ما حدث في هذا المخيم لم يسبق له مثيل. كما ان الفرنسيين لديهم رؤية مختلفة عن دور الوسيط النزيه في عملية السلام ويتساءلون كيف يمكن لوسيط نزيه ان يرفض حق الفلسطينيين في العيش بدولة مستقلة ويدعم اسرائيل ضد شعب اعزل؟! اننا نصاب بالدهشة عندما نسمع من رئيس دولة عظمى ان المقاومة الفلسطينية بكافة اشكالها تعتبر «ارهاباً» ويقول ايضاً ان اسرائيل في حالة دفاع عن النفس دون ان يقر ان اسرائيل انتهكت جميع قرارات الامم المتحدة حتى الاخيرة منها وخالفت ايضاً اتفاقيات جنيف. ويؤكد رولو اننا في وضع خطير جداً اذا استمرت الولايات المتحدة منحازة لاسرائيل وهذا يشكل خطراً على السلم في المنطقة ويضر بالمصالح الامريكية في المنطقة. مارتن وولاكوت: تعطش بريطاني لفهم الاسلام ويشير مارتن وولاكوت الكاتب الصحفي بصحيفة «الجارديان» البريطانية الى ان الشباب البريطاني بدأ في الاهتمام بعد سبتمبر بفهم ديانة الاسلام والعالم العربي فهناك حاجة كبيرة للمعلومات فهناك قراءات حالية عن الحركة الوهابية والثورة الايرانية من اجل فهم «العدو» ـ على حد وصف وولاكوت ـ والقضاء عليه.. ويؤكد ان المهم هو فهم طبيعة المشكلة التي نواجهها بشرط توافر المعلومات عن الاسلام والعرب فهناك نقص حاد واعتقد حصول لوبان على نسبة كبيرة من الاصوات جاء طبيعياً نتيجة تأثر بعض الفرنسيين بما حدث في سبتمبر والحملة ضد العرب والاسلام. ويؤكد على ضرورة دراسة وفهم الماضي من كافة الاطراف والعودة الى اصل القضايا. كتب عادل السنهوري: