الاساءة للعرب والمسلمين قديمة ومتحيزة في الاعلام «الميديا» الامريكية، وصورة العربي كما يراها الامريكيون على شاشات التلفزيون هي: المتخلف البدائي، البوهيمي، عدو الحضارة، المتعطش للدماء، المتعصب، هذه الصورة لم تصغ وتنسج مفرداتها ما بين عشية وضحاها، عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر البنتاجون في واشنطن. بل هذه الصورة نتيجة طبيعية لميراث طويل من تسويق القوالب الجاهزة المسيئة للعرب طيلة عقود، لكننا لم نتنبه لها الا بعد حملات التحريض السافرة ضد العرب الامريكيين. لكن كيف صيغت مفردات الصورة السلبية على شاشات التلفزيون، والسينما، وعلى صفحات الصحف الامريكية، وما هي الآليات التي يتمكن فيها اللوبي اليهودي، من التأثير في هذه الصورة في حين تفشل جماعات الضغط والحملات الاعلامية العربية.. يشارك جاك شاهين في المنتدى الاعلامي العربي الذي ينطلق غدا بدبي، حاورته «البيان» حول مفرزات الاساءة الاعلامية للعرب في «الميديا» الامريكية وسبل مواجهة هذا النزيف الاعلامي وتصحيحه. ـ تعتبر اول من تناول بالدراسة المنهجية والتحليل مفردات الصورة السيئة عن العرب في الميديا الامريكية بكتابكم «عرب التلفزيون» الصادر في مطلع الثمانينيات كيف بدأت علاقتكم بهذا المجال الملغز الشائك؟. ـ كنت ادرس في الجامعة الامريكية ببيروت في النصف الثاني من السبعينيات، وكان طلبتي من دول عربية عديدة «مصر، الاردن، السعودية، الكويت، سوريا، قطر»، وكنت ازور تلك الدول، ودائما كنت ألمس كرم الضيافة والتسامح، والتحضر، والتواصل مع الثقافات الاخرى، واحترام الاخر، وكلها مفردات ترسم صورة واقعية للعرب، مغايرة للصورة السلبية التي ترسمها «الميديا» الامريكية عبر الكارتون، والكاريكاتير، والفيلم السينمائي والمسلسل التلفزيوني، ووجدتني امام موضوع محفز ومستفز للدراسة. وبدأت اعكف على رصد مفردات صورة العرب في التلفزيون الامريكي، والعمل على تفكيك رموزها والتعرف على مدلولاتها، وتحليل رسالتها الاعلامية، ووجدت انها كلها مفردات ورموز وانماط تشكل صورة سلبية للعربي السيء كمتخلف وبدائي ومعاد للحضارة، ولا يستحق سوى التهميش او الكره، وهي صورة لا تخدم سوى اسرائيل. فهذه الصورة المقولبة سابقة التجهيز للعربي في التلفزيون الامريكي، تصب في الرأى العام الامريكي، وتشكل اتجاهات العدائية تجاه العرب، وتنعكس في المواقف السياسية. الغريب انني انجزت اول مقال تحليلي لي عن ظهور العرب في التلفزيون الامريكي عام 1975 وظللت احاول نشره طيلة ثلاث سنوات، ووجدت ابواب النشر في كل الصحف والمجلات مغلقة، لدرجة انني قدمته لصحيفة متخصصة في الاخبار التلفزيونية، ورفضت نشره، لانه ممتاز جدا، ومكتوب بطريقة جيدة، الا انه لن ينشر ، لانتقاداته الغير مسبوقة. واخيرا نشرته عام 1978 واذكر تحديداً في اكتوبر، وبعدها انجزت كتابي الذي اشرت اليه «عرب التلفزيون» عام 1981 ويتضمن تحليلا ورصداً لمفردات الصور الاعلامية التي تسيء للعرب، وتصورهم للأمريكيين على شاشات التلفزيون كمتخلفين، وواجهنا نفس الصعوبات، ونشر عام 1984 بعد ان رفضته كل دور النشر التي سعيت اليها، لدرجة انني كدت اصرخ! ـ ترى كيف تفسر تلك الصعوبات التي واجهت نشر كتابك «عرب التلفزيون في ظل الحديث عن المجتمع المفتوح وحرية الاعلام»؟ ـ هناك حقيقة اشبه بالاسطورة في الولايات المتحدة تلخص بحذر الصورة السلبية المرسومة للعرب، وهي عندما تقول شيئا طيبا عن العرب والشعوب العربية، فمعناه تلقائياً انك تقف ضد اسرائيل وهذه هي جوهر المشكلة التي خلفتها صورة العرب المسبقة والمنمطة في «الميديا» الامريكية. وانا لا ألوم امريكا وحدها، لو تعلم انني حاولت نشر كتبي في الدول العربية وفشلت، فستعرف كم هي مغيبة عقولنا، ومعاركنا الحقيقية، وللأسف لانتنبه الا بعد فوات الآوان. فالرأي العام ليس شيئا يمكن تغييره بالتمني او بالبيانات والقرارات السياسية او حملات الدعاية الموسمية لتحسين الصورة لشخص او حكومة، بل هي حصيلة عمل مخطط ومنهجي ومستمر، عمل اعلامي يتناول ابعاد الصور الكلية ويصيغ مفرداتها بعملية. وهذه الصورة السلبية للعرب لن تتغير الا بجهود الاعلاميين العرب انفسهم عندما يقررون التخلي عن مقاعد المشاهدين والمراقبين، ويقتحمون ساحة المعركة، ويتحولون الى فاعلين ومشاركين في صنع العملية الاعلامية. ـ ما هي الاسباب الرئيسية وراء صياغة هذه الصورة النمطية لتشويه العرب، ووضعهم في قوالب سلبية جاهزة تحط من قدرهم وتحرض على كراهيتهم في «الميديا» الامريكية؟ ـ هناك اسباب كثيرة اهمها الصراع العربي الاسرائيلي، فضلا عن الجذور التاريخية التي تشكلت بها رؤية الرأي العام الامريكي للشعوب العربية، والتي تصورهم كأناس غير متحضرين، وليسوا مثل بقية الشعوب. وفي رأيي تعود جذور هذه الصورة النمطية السلبية الى فترة الحروب الصليبية وميراثها التاريخي، وادبياتها وما سبقها وما تلاها من كتابات الرحالة الاوروبيين ومن يطلق عليهم تعريف «المستشرقين» او المستعربين، الذين قدموا الى المنطقة العربية وقدموا تصوراتهم ومشاهداتهم، انطلاقا من رؤى لم تحرص على الفهم بقدر ما حرصت على الاساءة وتضخيم السلبيات، ووضعها في قوالب صارت شائعة وجاهزة، حتى ان الرسامين الغربيين الذين وفدوا الى المنطقة وعادوا الى بلادهم، لم تسجل لوحاتهم سوى كل ما هو «غرائبي» وقدموا على انه تعبير عن العرب، حتى لو كانت تلك المشاهد السلبية «هامشية» الا انهم سجلوها لتصب في مجرى التنميط السلبي لصورة العرب، كشعوب متخلفة، اقل منزلة. وساهم في تعزيز تلك الصورة السلبية والجاهزة للعرب، حصاد وميراث الفترة الاستعمارية عندما ابتلى الوطن العربي بالاستعمار الغربي البريطاني والفرنسي في القرنين الماضيين. فقد هيمنت على رؤية الغرب للشعوب العربية فترة ما قبل الحرب العالمية الاولى فكرة ان العرب متخلفون وان الاوروبيين اكثر تفوقا وسادت النظرة الاوروبية «الدونية» لكل ما هو عربي. واسهمت هذه النظرة الأوروبية الاستعمارية الدونية للعرب في عجز الغرب عن فهم حقيقة الحضارة العربية والدين الاسلامي، ولم تتجاوز السطح من جهة تبرير الاستعمار سياسياً. هذه الصورة السلبية المسيئة للعرب والاسلام تجدها حاضرة في الكتابات الأدبية والسياسية وحتى لوحات الرسامين ابان مرحلة الاستعمار والامبراطوريتين الفرنسية والبريطانية، مما ساعد على تجذر تلك الصورة المغايرة للواقع. ـ لكن ما علاقة الصراع العربي الاسرائيلي بتأجيج الكراهية للعرب في أوساط الرأي العام الأمريكي بوجه خاص؟ ـ ما أردت ان أقوله هو ان النظرة السلبية للعرب متجذرة تاريخياً في العقل الغربي بفعل الميراث التاريخ للحروب الصليبية وفترة الموجة الاستعمارية الحديثة للبلدان العربية. بعد ذلك جاءت موجة جديدة تمثلت في الصراع العربي الاسرائيلي لتستفيد من ذلك الميراث وتؤججه وتحوله باتجاه صياغة صورة أكثر كراهية للعرب وأشد تنفيراً وحضاً على كراهيتهم في الرأي العام الأمريكي. وهي صورة تخدم مصالح اسرائيل وترسخ الانحياز الأمريكي لها، ولو افترضنا ان هذا الصراع تمت تسويته سلمياً فسوف تتبدد معظم عناصر هذه الصورة البغيضة للعرب تلقائياً. وللتدليل على مصداقية هذا التوقع يكفي ان تنظر للطريقة التي تتعامل بها «الميديا» الأمريكية مع العمليات الاستشهادية الفلسطينية ومقابلها من عمليات التدمير والقتل الجماعي للمدنيين في جنين. ـ لكن كيف تعمل هذه الصورة الكريهة للعرب، وما هي آليات صياغتها وتفعيلها للتأثير في الرأي العام الأمريكي؟ ـ تاريخياً بعد تأييد ودعم اسرائيل أحد ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية، وهذه احدى حقائق السياسة الأمريكية، تتجلى في مواقف وتصريحات كل الساسة بداية من حكام الولايات ، ووزراء الخارجية، وكل الرؤساء الأمريكيين، كلهم يتحركون على قاعدة ان اسرائيل تعتبر احدى المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، وبالتالي دعمها والحفاظ على وجودها يمثل دفاعاً عن المصالح الأمريكية. صحيح ان رؤساء الولايات المتحدة يتحدثون عن أصدقاء ودول عربية صديقة لهم شخصياً، لكن لا مردود لتلك الصداقة على الموقف من اسرائيل. أي ان مثل تلك الصداقة بين العرب والأمريكيين لا تأثير لها اطلاقاً من جهة تقليل أو اضعاف الرابطة الوثيقة بين الولايات المتحدة واسرائيل، بل على العكس أحياناً. إذن السياسة الأمريكية منحازة كلية لاسرائيل وتلقائيا تتجلى انعكاساتها في الثقافة الأمريكية وكل وسائل الاعلام (الميديا) وكل شيء، بداية من المسلسلات الكوميدية والأفلام والعروض التلفزيونية وافتتاحيات الصحف حتى في طريقة صياغة القصص الاخبارية وانتقاء الأخبار، أو التحليلات الاخبارية. وتسهم كل هذه المنظومة الثقافية الاعلامية في تثبيت الصورة المغلوطة للعرب، وتقديمهم على مدار الساعة للمواطن الأمريكي، ليسوا كما هم، بل كما يُنظر إليهم، بوصفهم اعداء للصديقة أو الحليفة اسرائيل التي تمثل مصلحة أمريكية في الشرق الأوسط. هذه «الصورة» الإعلامية ثابتة، لا تخضع لأي تغيير حتى لو حدثت تغيرات في المنطقة العربية، فهي صورة صيغت وتدعم تلقائياً وتبث عبر كل «الميديا» لتشكل الرأي العام وتوجهه باتجاه معاد للعرب الأقل تحضراً وتمديناً وديمقراطية من اسرائيل، هكذا أريد لهذه الصورة ان تفعل فعلها. ـ لكن هناك تكثيف واختزال العداء للإسلام في الغرب، فـ «الميديا» الأمريكية تثبت الصورة المغلوطة حتى في فهم الاسلام على العرب دونا عن باقي الأمم المسلمة في آسيا وافريقيا .. لماذا؟ ـ هذا يؤكد ما قلته من قبل، بأن الصراع العربي الاسرائيلي هو السبب الرئيسي، وبسبب الموقف الثابت للسياسة الأمريكية تجاه اسرائيل، والذي يشكل القاعدة المعرفية للميديا في نسجها للصورة المغلوطة والمشوهة والحاضة على كراهية العرب وتحقيرهم. ـ في كتابكم «عرب التلفزيون» تناولتم «تنميط» الصورة السلبية المغلوطة للعربي في «الميديا» الأمريكية وحددتم مفرداتها الكاتونية في البدوي، الخيمة، وأموال البترول، كمعادل لمفهوم التخلف المراد تثبيته والصاقه بالعرب، الآن وبعد عشرين عاماً ما هي المفردات الجديدة لهذه الصورة؟ ـ كما قلت، لم يتغير موقف «الميديا» الأمريكية تجاه تشويه العرب، فقط تبدلت المفردات، وصارت كلها تختزل في «القناع» أي تصوير العربي كشخص غادر وجبان يخفي أهدافه الاجرامية الارهابية خلف «قناع» يغطي به بدائيته، هكذا تتناول الافلام والعروض التلفزيونية وحتى أفلام الكارتون والكاريكاتير العرب وتقدمهم بصورة بغيضة تحض على الكره والتحقير ومعاداتهم. ـ هل يمكن ارجاع تلك الصورة الاعلامية السيئة للعرب إلى نفوذ وفاعلية وتأثير اللوبي اليهودي؟ ـ ليس فقط بسبب نفوذ اللوبي اليهودي، بل الأهم هو تأثير اليمين المسيحي المتطرف، فهو أشد خطورة في صنع هذه الصورة السيئة للعرب من اللوبي اليهودي، أولاً لأن اليهود الأمريكيين ليسوا سوى أقلية لكنها مؤثرة، ضمن مئات الجماعات العرقية المنتشرة في المجتمع الأمريكي المتعدد الأعراق والديانات، أي المجتمع الكوزموبوليتاني. لكن اليمين المسيحي المتطرف الذي يحكم الآن له تأثير أعمق وأخطر، فهو الذي يصنع السياسات ويصنع الرأي العام، ويوجهه باتجاه معاداة العرب وتحقيرهم، مقابل تعظيم سبل دعم وتأييد اسرائيل لأسباب متباينة منها السياسي ومنها الديني أو الاسطوري. ويجب ان نعرف كيف يعمل اللوبي اليهودي، بحيث يحقق كما هو حادث تأثيراً ونفوذاً يتجاوز حجم الاقلية اليهودية الأمريكية. فاللوبي اليهودي يدير مكاتب للتأثير في السياسيين وتزويد الاعلاميين بالمعلومات المغلوطة ويدعم بالمال والجهد السياسيين ويشارك في التحضير للانتخابات وتمويل الحملات الدعائية للمرشحين للكونجرس من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي كما يدير اللوبي اليهودي مكاتب علاقات عامة للضغط على اعضاء الكونجرس ويرتبط بشبكة علاقات قوية مع مفاصل مؤسسات «الميديا» وجهوده كلها تصب في خانة الدعم المطلق لاسرائيل. ـ ما هي فرصة اللوبي العربي أو تأثير الأمريكيين العرب بحيث يعكس حجمهم الحقيقي (أكثر من ستة ملايين)؟ ـ صحيح، هناك فرصة أمام الأمريكيين العرب للتأثير لكن المشكلة تكمن في غياب التنظيم وبالتالي تتقلص فعالية وكفاءة جهودهم. والقضية ليست خلق مؤيدين للقضية الفلسطينية بل في تصحيح الصورة السيئة للعرب عموماً، ويكفي ان تقارن بين وجود أغلبية في الادارة الأمريكية مؤيدة بشكل مطلق لاسرائيل، وعدم وجود أي صوت عربي أمريكي في هذه الادارة. إذن المطلوب هو تصحيح التعاطي مع العرب، وتنقية الرؤية الأمريكية من الانحياز، وجعلها أكثر نزاهة وتعبيراً عن الواقع، وتخليصها من القوالب الجاهزة والرؤى المسبقة التي صيغت عبر عقود، بحيث تضع العربي دائماً في موقف معاد، وتحط من قدره وتصنفه ضمن البدائيين الغير ديمقراطيين. والمسألة الأخرى هي تحقيق قدر من المساواة في الادارة الأمريكية المليئة باليهود الأمريكيين، في حين لا يوجد في ادارة الرئيس بوش أي عربي أو فلسطيني واحد. ـ لكن كيف يتأتى للوبي اليهودي، تحقيق كل هذا التأثير كما أوضحتم؟ ـ ليس اللوبي اليهودي وحده، أولاً أنا لست متخصصاً في شئون اللوبي اليهودي، ومن حقل اختصاصي الاعلامي استطيع ان أؤكد ان الصورة المسبقة والسيئة التي تقدمها «الميديا» الأمريكية للعرب عبر كل وسائطها المسموعة والمرئية والمقروءة تترسخ في أذهان الأمريكيين ان العرب أقل انسانية، أقل تحضراً، أكثر وحشية وبدائية، مستعد للقتل دائماً، متعصب غير متسامح أكثر بوهيمية، بشع، جاهل، لا يعرف حرية الرأي، ولا يحترم تعدد الثقافات، مستعد لتدمير الحضارة الحديثة. هذه الصورة البغيضة تحرض الأمريكي عندما يشاهدها على كره العرب، ويتخذ تلقائياً موقفاً معادياً للعرب، ويصطف في خانة التأييد المطلق لاسرائيل. وعن تجربة شخصية لي لو كنت عضواً في الكونجرس لكنت تحدثت مع الناخبين لاكتشف ان معظمهم ان لم يكن كلهم مؤيدون لاسرائيل، ويحبونها، ويتعاطفون معها، بسبب هذه الصورة الاعلامية المرسومة بعناية للعربي البغيض، وبالتالي سأنضم لهم في هذا الموقف. إذن، هدف اللوبي ليس التأثير على السياسي مباشرة، بل عبر «الميديا» التي تشكل الرأي العام وتوجهه، وبالتالي تحدد مجال التحرك السياسي. ـ هل يمكن القول ان «الميديا» الأمريكية خاضعة بنسبة تقترب من 80% لتأثير اللوبي اليهودي؟ ـ لم أقل ذلك أبداً، لأن أمريكا مجتمع مفتوح، والميديا الأمريكية لا يديرها اللوبي اليهودي، بل تدار من جانب مؤسسات عملاقة تتحرك مدفوعة بالانماط والقوالب الجاهزة لصورة العربي والتي يتم تحديثها دائماً، من جانب العاملين في «الميديا» سواء بتأثير من اللوبي اليهودي أو من فاعلية تلك الصورة التاريخية. ففي الصحف والتلفزيون والسينما، تجد دائماً تلك الصورة، ويغيب الصوت العربي الحريص على تعديلها أو تصحيحها. ما أود ان أقوله ان أمريكا مجتمع مفتوح، ويمكن تغيير تلك الصورة الاعلامية وبالتالي التوجه السياسي، التغيير في مجتمع ديمقراطي متاح بشرط وجود عمل منظم مؤثر وفعال. ـ ولكن امكانيات هذا التغيير تقلصت لحد الصفر، بعد قانون بوش «الوطني لمكافحة الارهاب» بكل ماتضمنه من قيود على حركة العرب ووضعهم في خانة الاشتباه والملاحقة؟ ـ بعد أحداث 11 سبتمبر الارهابية صحيح تصاعدت الحملة ضد العرب والمسلمين الأمريكيين وشنت حملات لاعتقال اعداد كبيرة من الطلاب والعرب الأمريكيين وصاحبها حملة دعائية تحريضية محمومة، وصودرت سبع حريات حرم منها العرب في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن كثيراً من الامريكيين يعتقدون ان هذه الحملة سوف تتلاشى في المدى القريب، لأنها ليست متسقة أو متوائمة مع قيم المجتمع الأمريكي، بل جاءت كرد فعل على هجمات 11 سبتمبر. ـ كيف يمكن تغيير هذه الصورة المغلوطة المسيئة للعرب في الولايات المتحدة الأمريكية، ووسائل الاعلام خصوصاً؟ ـ في حدود علمي، لم تحاول أي دولة عربية اختبار مصداقية التأثير في الميديا الأمريكية وتبديد الصورة السلبية للعرب، سوى محاولة يتيمة عبر دراسة اكاديمية اجريت لحساب دولة قطر منذ تسع سنوات، تتناول مفردات الصورة الاعلامية للعرب، مصادرها، آليات تشكلها امكانيات تغييرها. ولا ادري إلى أي مدى انتهت نتائج تلك الدراسة، وماذا تلاها من حركة أو عمل، لكن على أية حال هي أول محاولة جادة لمعرفة أسباب الصورة المشوهة للعرب في الميديا الأمريكية في ظل عدم اهتمام عربي بمواجهة تلك الحملة الاعلامية للتحريض ضد العرب. وهناك ملاحظة جديرة بالذكر وهي غياب الجهد العربي الجماعي لتصحيح صورة العرب في «الميديا» الأمريكية، فكل دولة تتحرك فقط للدفاع عن صورتها الاقليمية والحكومية، وتنشط عبر الصحف ومحطات التلفزيون للرد على حملة طالت حكومتها، وتسعى لتحسين صورتها، أما جذور المشكلة، ومنبعها الكامن في تحقير العرب ومعاداة الأمريكيين لكل ما هو عربي فلا تشغل بال أحد، وبالتالي يتم اصدار ملايين الدولارات في حملات دعائية موسمية تشنها كل دولة عربية على حدة، ويتلاشى تأثيرها بانتهاء الحملة، وتبقى الصورة السلبية على ما هي عليه، ان لم تتجذر وتتعمق أكثر، حيث تبث الافلام والكارتون والعروض التلفزيونية وتنشر القصص الصحفية وكلها تحض على كراهية العرب، بما هم عرب ومسلمون وتصبح الصورة الاعلامية عن العرب فرعية. الغريب ان الافلام السينمائية التي تنتجها هوليوود مشحونة بدعوات كراهية العرب أو الاساءة لهم ومع ذلك توزع وتعرض في البلاد العربية، ليتم بعائدها انتاج أفلام جديدة، وهكذا تتوالى عمليات تشويه العرب بمال العرب، ودون تحرك، فقط نتنبه عندما يحدث تحرك سياسي مباشر، وننسى اننا لم نتحرك منذ البداية للتأثير ولتصحيح الصورة المقدمة عنا، بل لم نعترض حتى على هوليوود. ـ إذن ما الحل، وكيف يمكننا التأثير في الميديا الأمريكية، بالشكل المنهجي الذي تقترحونه وتؤيدون امكانية تفعيله؟ ـ أولاً ماذا تقصد بـ «نحن» إذا كنت تقصد الحكومات فهذا ليس مجالي، لأن لدي انتقادات حادة لطريقة عمل المكاتب الاعلامية والسفارات العربية في الولايات المتحدة، أما إذا كنت تقصد بـ «نحن» الاعلاميين العرب» فالمسألة لها وجه آخر. وفي رأيي اقترح عقد قمة اعلامية عربية أمريكية يكون محورها مناقشة مفردات وأبعاد هذه الصورة المغلوطة التي تنتجها «الميديا» الأمريكية عن العرب. وتتناول هذه القمة الاعلامية التي يجب ان تعقد بمبادرات من الاعلاميين العرب انفسهم، وبدعوة لنظرائهم في الصحف ومحطات التلفزيون الأمريكية كل أبعاد هذه الصورة وماذا يعرفون عنا، وماذا يقدمون عنا، والصورة التي يرسمونها لنا، وماذا نعرف نحن عنهم، والصورة التي نقدمها لهم. وبالتالي يمكن تحديد عناصر التحرك، ومسار التصحيح، لن يتحقق إلا عبر حوار إعلامي وتفاعل بين العرب والأمريكيين. ـ لو تحققت الدعوة لهذه القمة الاسلامية العربية الامريكية، ماذا ترشحون لها من قضية تكون محوراً للحوار؟ ـ اقترح ان يكون موضوع القمة الاعلامية العريبة الأمريكية وهو معالجات وتغطيات «الميديا» الامريكية لوقائع العدوان الاسرائيلي الأخير، وما ارتكبه من مجازر في مخيم جنين. وتكون قضية تلك القمة المحورية هي ماذا كتبوا وماذا قدموا والصورة الاعلامية التي رسمت للرأي العام الأمريكي حول «جنين» وأين يكمن الخطأ في مفردات تلك الصورة. وتنطلق المقارنات بين مفردات تلك الصورة بالوقائع الفعلية وما ارتكبه الجيش الاسرائيلي من جرائم حرب، وبالتالي يدور الحوار حول قيم النزاهة الاعلامية والموضوعية بهدف تصحيح صورة العرب لدى الامريكيين ليكونوا أكثر انصافاً ونزاهة وأقل انحيازا وتشويهاً. وسوف تظهر فاعليات هذه القمة الاعلامية المقترحة عن من هو «النزيه» إعلامياً ومن هو «المنحاز» وفقاً لمنظومة مفاهيم مهنية. ـ هل هناك سوابق وتجارب تاريخية تدعم الدعوة لعقد مثل هذه القمة وتؤكد جدواها. ـ هناك تجربة حدثت في الولايات المتحدة وأثمرت عن تصحيح لصورة «الميديا» عن النساء الافريقيات الامريكيات حيث عقد مؤتمر بين ممثلي الجامعة النسوية الافريقية الامريكية وممثلي وسائل الاعلام والصحف الامريكية، واتيح خلالها لهؤلاء السيدات المشاركات في التجربة تصحيح القصص والاخبار والمنشورة عنهن، وبعدها تغيرت صورتهن في الميديا الأمريكية. لكن يجب ان ننبه لحقيقة سائدة وشائعة في أوساط الاعلام الأمريكي عن الصحفيين العرب، بحيث يتم تصويرهم على انهم مجرد ادوات للحكومات العربية، وانهم لا يمارسون حريتهم في التعبير الحر المستقل عن مجتمعاتهم، ولا توجد لهم رؤى مستقلة عن رؤى حكوماتهم. ـ إذن كيف يمكن للصحفيين العرب التأثير في الصحافة الأمريكية؟ ـ أولاً: يجب الاقلاع عن التفكير بالتمني والاكتفاء بالتنديد والرفض، بل يجب التحرك والانخراط في العملية الاعلامية وان يكون الصحفيون العرب جزء من العملية داخل المعركة، وليسوا خارجها، في قلب ساحاتها، وليس على الهامش ان يكتبوا وينشروا مقالات في الصحف الأمريكية، وعلى السينمائيين تقديم أفلام وعرضها في الولايات المتحدة، بهدف تصحيح الصورة. الخلاصة ان تصحيح صورة العرب في الميديا الامريكية ممكن ومتاح بشرط ان تكون البداية جادة والعمل منظم ومؤسس وليس نظرياً أو فرديا، ولا موسميا، بل عمل دائم ومتصل وممنهج عندها يمكن ان تبدأ المواجهة الحقيقية ويتحرر الرأي العام الأمريكي من سلطة الانماط والقوالب الجاهزة التي تصور العربي على انه متخلف ومعاد للحضارة، وبالتالي يتخذ الأمريكي موقفاً منحازاً لاسرائيل. حوار: سيد زهران
جاك شاهين الخبير الاعلامي الأمريكي لـ «البيان»: أدعو لقمة إعلامية عربية ـ أمريكية حول تغطية مذابح جنين
