تملأ الادارة الامريكية الدنيا بالحديث عن خشيتها من تعرض المدن الامريكية الكبرى لموجات من الهجمات بالأسلحة الجرثومية التي قد تحصد أرواح الملايين. وقد مضت السلطات الامريكية قدماً فأعدت سيناريوهات مختلفة لمواجهة هذه الاحتمالات . وعلى الرغم من حملات واشنطن المناهضة لتطوير اسلحة الدمار الشامل، الا انها تلتزم الصمت المطلق ازاء ما لدى اسرائيل من اسلحة تقدر بما لا يقل عن 400 قنبلة نووية. ومؤلف هذا الكتاب هو بروفيسور ليونارد كول الاستاذ المساعد للعلوم السياسية والتقنية بجامعة روتجرز ، وقد حصل على البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا عام 1961 وعلى الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا عام 1970 وله العديد من الابحاث والمؤلفات في موضوع هذا الكتاب. لم يطو النسيان قضية «العنصر البرتقالي» بل ظلت مطروحة بصورة نشطة أمام وزارة الدفاع الامريكية وشئون المحاربين القدامى وامام عدد من المؤسسات والوكالات الحكومية الامريكية. لاحظت تلك المؤسسات خطورة اغفال نوازع القلق لدى العسكريين الذين خاضوا غمار حرب فيتنام، وفي العام 1994 كان المحاربون القدامى لا يزالون يثيرون قضيتهم امام تلك المؤسسات، وباتت دوائر الدولة اكثر استجابة. في مايو وجه كل من وزير الدفاع الامريكي وليام بيري والجنرال جون شاليكاشفيلي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية نداءات للمحاربين القدامى تحثهم على الاتصال بالوزارة لاجراء فحوصات طبية، وتدعو المحاربين القدامى الى ادراج اسمائهم في نظام المسح الخاص بالوزارة وهو اول تسجيل صحي لمن حاربوا في الخليج. وفي نوفمبر 1994 صدر قانون غير عادي يحصل بموجبه المحاربون الذين قاتلوا في حرب الخليج الثانية على تعويضات استناداً للأعراض التي تظهر على كل محارب على حدة من دون الاخذ بالاعتبار السبب وكان عليهم استعراض الاعاقة التي اصيبوا بها نتيجة لمرض مزمن بدأ اثناء حرب الخليج الثانية او في اثناء الخدمة بعد سنتين في هذه الحرب. وعلى الرغم من مثل هذه الجهود، فإن الكثيرين من المحاربين القدامى لم يرضهم ذلك، وفي اعقاب «نموذج العنصر البرتقالي» رفعوا دعوى تعويض ضد 11 شركة في يونيو 1994 يطالبون فيها بتعويضات تصل الى مليار دولار وادعى هؤلاء ان المواد التي باعتها هذه الشركات الى العراق لتصنيع اسلحة الدمار الشامل كانت سبباً في اعاقتهم وامراضهم المزمنة ولكن التأكيد على الصلة بين متلازمة حرب الخليج وهذه العناصر لم يكن واضحاً او مفهوماً. وجرى افتراض ان تكون للأسلحة الجرثومية والكيماوية صلة في موضعين، الاول ان تكون مثل هذه الاسلحة سبباً في الامراض وثانياً ان تكون للعقاقير او اللقاحات مسئوليتها حول الاصابة واشد المتحمسين لفكرة مسئولية تلك العناصر البيولوجية والكيماوية عن الامراض كان السيناتور دونالد ريجل، الرئيس الديمقراطي للجنة المحاسبة والاسكان والشئون الحضرية ويستمد سلطاته من القوة القانونية الممنوحة للجنته بشأن ادارة التصدير وتضمن ذلك مبيعات مبكرة للعراق احتوت على مواد كيماوية وبيولوجية يمكن استخدامها للأغراض العسكرية. التعرض الخطر في يوليو العام 1993، اصبح ريجل يبدي اهتماماً متزايداً بالصلة الممكنة بين هذه المواد وما يعانيه المحاربون القدامى من امراض واعلن وزير الدفاع التشيكي ان وحدة الرصد التشيكية اكتشفت وجود اثر لغاز الاعصاب، السارين، في مناطق بالسعودية في وقت مبكرة اثناء حرب الخليج وفي النهاية كتب ريجل وجهازه العديد من التقارير يفترضون فيها ان الصادرات الامريكية اسهمت في متلازمة حرب الخليج. وذكر ريجل وزميله في اللجنة السيناتور الجمهوري، الفونس داماتو، بالتفصيل ان «القوات الامريكية تعرضت لمستوى معين من الاسلحة الكيماوية وربما البيولوجية خلال خدمتها في حرب الخليج» واستند استنتاجهما على طبيعة المواد المصدرة وعلى تحديد نوعية العناصر الكيماوية المذكورة خلال الحرب وما ذكره المحاربون القدامى الامريكيون. وذكر تقرير صدر في مايو 1994 ان المسئولين في اللجنة التقوا بالمئات من المحاربين القدامى وذكر العديد منهم انه في اوقات ومواقع مختلفة اطلقت انذارات كيماوية بعد انفجارات، وأصبح الموجودون في هذه المناطق مصابين بالمرض بعد وقت قصير وشكا المحاربون القدامى من الاصابة بضعف الذاكرة والعضلات وآلام في المفاصل ومشكلات في الجهاز الهضمي والقلب والوهن وطفح جلدي والتهابات وسيلان في الأنف. واورد تقرير مايو العديد من المصادر الواضحة لتلك الاعراض وكان الاول التعرض «لهجوم مباشر» بعناصر اسلحة كيماوية وجرثومية عراقية اما الاحتمالات الاخرى فشملت النباتات المتساقطة بسبب القصف او مرافق التخزين او العقاقير المضادة لعناصر غاز الاعصاب والاتصال بالأسرى العراقيين. وعلى الرغم من موقف وزارة الدفاع الامريكية بعدم وجود اي دليل، فإن هذا التحقيق يرسخ وجود دليل جوهري يسند المزاعم القائلة بأن الجنود والمجندات الامريكيين تعرضوا لمستوى منخفض من عناصر الحرب الكيماوية وهناك احتمال تعرضهم ايضاً لعناصر بيولوجية (جرثومية) ومواد سامة من مصادر متنوعة. واصدر اعضاء لجنة ريجل تقريراً اخر في اكتوبر 1994 لتعزيز هذه الآراء واحتوى التقرير على بيانات اضافية ساقها المحاربون القدامى وخبراء لجأوا لتحليل مزاعمهم وتحدث الرقيب ديفيد آلن فيشر عن اكتشاف صناديق عليها علامة الجمجمة والعظمتين اثناء تفتيش دشمة في جنوب العراق، وفي غضون ساعتين كانت ذراعه قد احرق وظهرت عليها تقرحات مؤلمة. واكد هذه الحادثة ضابط الدفاع الكيماوي واخرون كانوا في الموقع لكن ناطقاً باسم البنتاجون نفى لاحقاً ان تكون لتلك الصناديق اي وجود وجاء في تقرير ريجل في اكتوبر انه «في هذه الحالة كما في حالات مشابهة، يبدو من المستحيل الحصول على ايضاحات من وزارة الدفاع تتوافق مع الاحداث التي وردت تفاصيلها على لسان عسكريين حضروا الحادثة». وفي وقت لاحق اتهم ريجل البنتاجون بالكذب العمد والتمويه على الحقائق، وافترض ان مثل هذا التصرف اقرب ما يكون عملاً جنائياً وقال: «اعتقد انه ليست هناك جريمة اكبر من تغطية مسئول عسكري على حقائق يمكن ان تمنع تشخيصات وعلاجاً اكثر فعالية لمحاربين قدامى امريكيين مصابين بالمرض». اما الفرضية الاخرى الممكنة فهي استخدام عقاقير علاج تمهيدية تعرف باسم بايريدو ستجماين برومايد وتهدف الى تحييد تأثير غاز الاعصاب وتم اعطاء قوات التحالف هذا العقار تحسباً من قيام هجوم عراقي كيماوي. ويعمل عنصر الاعصاب بالتدخل في نقل النبضات العصبية ويوضح فهم العملية المنطق وراء استخدام البايريدو ستجماين برومايد. ينشط جسم الانسان مدفوعاً بوسائل تحملها الاعصاب وتشمل العملية اطلاق مواد كيماوية في اطراف الاعصاب يطلق عليها الناقلات العصبية وتنقل الناقلات العصبية نبضة من خلية عصبية الى اخرى او الى خلية عضلية وعندما تطلق النبضة ويتم تلقيها بواسطة هيكلية مجاورة يحث الناقل العصبي استجابة بدنية مثل التنفس ونبضات القلب والانكماش العضلي. وتنتهي الاستجابة السريعة عندما يعمل انزيم على وقف الناقل العصبي ويعرف «الاسيتيلكولاين» بأنه ناقل عصبي اما الانزيم الذي يؤدي الى توقفه فهو «الاسيتيلكولاينستيريز». ويقوم عنصر غاز اعصاب بالاندماج في «الاسيتيلكولاينستيريز» فيعيقه عن الحركة وعندما يحدث ذلك يواصل الاسيتيلكولاين التراكم. ويصبح النبض العصبي عاجزاً عن الانغلاق وتؤدي الاوامر العصبية المستمرة الى شل حركة الرئتين والقلب او ترك العضلات منكمشة ويؤدي توقف الوظائف العصبية للجسم الى التسبب في الموت في غضون دقائق. ويدخل «البايروستجماين برومايد» فإذا تناوله العسكري قبل التعرض لعناصر عصبية معينة يقوم مؤقتاً بالالتحام «بالاسيتيلكولاينستيريز» ويساعد على منع العنصر الغاز عصبي (الحربي) من الالتحام «بالاسيتيلكولاينستيريز» وهكذا يقوم البايريدوستيجمين بتقليد تأثير العنصر العصبي وفي الواقع فإن علاج البايريدوستيجمين المسبق لا يقدم حماية بنفسه بل يعزز تأثيرات العقاقير المضادة مثل الاتروبين الذي يؤخذ بعد التعرض لغاز الاعصاب. ويلاحظ ان «البايريدوستيجمين» ليس فعالاً ضد جميع غازات الاعصاب وما يثير السخرية وفقاً لدراسات البنتاجون ان علاج «البايريدوستيجمين» المسبق قد يجعل الانسان اكثر عرضة وضعفاً امام غازي السارين و«الفي.اكس» اللذين كانا موجودين في ترسانة القوات العراقية. وبرزت فكرة ان «البايريدوستيجمين» هو السبب في متلازمة حرب الخليج في مايو 1994 خلال جلسة للجنة مجلس الشيوخ التي استمعت خلالها للشهادات وقد استمعت لجنة شئون المحاربين القدامى برئاسة جون روكفيلر واستمعت لشهادات محاربين قدامى وعلماء ومحللين سياسيين ومسئولين في الحكومة الامريكية. هل دمرت الترسانة العراقية؟ اما القضية الثالثة التي لم يبت فيها بعد انتهاء الحرب فهي عدم التيقن من تدمير ترسانة الاسلحة الجرثومية والكيماوية العراقية واصبحت حكمة ابقاء الرئيس العراقي في السلطة موضع مناظرات ومناقشات لكن صبيحة الانتصار كانت قوات التحالف واثقة بأنه من الضروري فحص القدرات العسكرية العراقية. في الثالث من ابريل عام 1991 صادق مجلس الامن على مشروع القرار 687 الذي فرض مجموعة متنوعة من القيود على العراق واصرت المملكة المتحدة اكثر من اي بلد آخر على ضرورة تدمير القدرات العسكرية العراقية الجرثومية والكيماوية واعربت بعض البلدان مثل فرنسا، عن شكوكها ازاء التحقق من الالتزام بتدمير تلك الاسلحة وهددت بريطانيا باستخدام حق النقض في مجلس الأمن، اذا لم تتم الموافقة على مشروع قرار بتدمير اسلحة العراق الكيماوية والجرثومية تدميراً كاملاً. انجلى الموقف العراقي فيما يتعلق بالتعاون في هذا الصدد عن تباطؤ العراق في تنفيذ القرار الدولي واثبتت الجهود التي قامت بها الامم المتحدة عبر «آنسكوم» بموجب تفويض ان امكانية تطبيق القرارات تتراوح ما بين الاحباط والتشجيع واشار مجلس الامن الى الجهود التي يبذلها العراق لتجنب التنفيذ ولكن المجلس لم يتراخ، بل واصل ضغطه الذي نجمت عنه استجابة كبيرة في نهاية المطاف. وفي السنة الاولى من عمليات التفتيش واجهت فرق التفتيش الدولية تهديدات ملموسة ونبه بيان لمجلس الامن صادر في يونيو 1991 الى ان الجنود العراقيين اطلقوا نيران اسلحتهم الخفيفة في الهواء عندما هم فريق تفتيش نووي بتصوير عربات وهي تغادر احد المواقع مثل هذا الاجراء دفع مجلس الامن الى توجيه انتقادات متكررة للعراق. وأجريت جولة التفتيش الثالثة عن الأسلحة الكيماوية خلال الاسبوع الاول من سبتمبر العام 1991 وكان احد المواقع هو موقع «التاج» الذي عثر فيه المفتشون على 6000 حاوية عناصر غاز اعصاب يمكن استخدامها للاطلاق بواسطة الصواريخ. وعندما سئل عن التوثيق الخاص بالحاويات قال العراقيون انها سرقت على الرغم من ان المرفق كان تحت الحراسة المشددة. كما اكتشف المفتشون في موقع المثنى 205 أطنان من عنصر الخردل اقل بـ 75 طناً كما اعلنه العراق سابقاً. اما اول عملية تفتيش عن الاسلحة البيولوجية فقد بدأت في الثاني من اغسطس واستمرت حتى الثامن من الشهر ذاته عام 1991. وكان العراقيون ابلغوا المفتشين انهم لم يصنعوا هذا النوع من الاسلحة على الاطلاق، ولكن الفريق اكتشف في موقع سلمان باك «قدرات بحثية واختبارية وانتاجية وعناصر بيولوجية مخزونة قابلة للاستخدام تحمل حرفي BW (اسلحة بيولوجية) وتشير الادلة الى وجود عمليات تخمير وانتاج واختبارات ايروسول وتخزين معدات في الموقع». واعترف مسئولون عراقيون بوجود برنامج عسكري لكنه كان مخصصاً للابحاث فقط، بعض المفتشين اشتبهوا بتطوير اسلحة بيولوجية وانتقلوا الى مكان آخر. وكان القرار الدولي رقم 678 حظر التعامل مع العراق تجارياً باستثناء استيراد الادوية او المواد ذات الاحتياجات الانسانية، وادى العجز عن تصدير النفط الى حرمان العراق من مصدر رئيسي للعملة الصعبة وكان الحافز الاولي للتعاون مع العراق الوعد برفع العقوبات وفوض القرار الآنف الذكر بمراجعة سلوك العراق كل 60 يوماً وعندما يتم تأكيد استجابة العراق فإن العقوبات سترفع. وفي ابريل 1995 راجع تقرير اللجنة الدولية تجاوب العراق في 4 موضوعات: الصواريخ، التطوير النووي، الاسلحة الكيماوية والبيولوجية وعلى الرغم من طبيعة التقارير الصادرة عن العراقيين افادت الوثيقة المكونة من 37 صفحة ان جميع الموضوعات جرت مراقبتها بالصورة الكافية وكان الاستثناء برنامج الاسلحة البيولوجية العراقية. ووفقاً للتقرير فإن العراق يصر على انه لم يكن لديه قط اي انشطة ذات صلة بالأسلحة البيولوجية وان الابحاث كانت في مراحلها الاولية وتوقفت تماماً في 1990 ولكن مسئولين عراقيين اعترفوا باستيراد مجموعات كبيرة من وسائل التنمية في العام 1988 لأغراض المختبرات التشخيصية في المستشفيات لكن الظنون كانت تساور اللجنة ورأت ان اسلوب التغليف يتواءم مع الاستخدام الواسع لاداة تنمية الجراثيم ذات الصلة بالعناصر البيولوجية ويظهر ان انواع المعدات المستوردة مناسبة لانتاج الجمرة الخبيثة والبوتولينوم الخاص بسم الطعام وهي عناصر اسلحة بيولوجية اجرى العراق أبحاثاً عليها في اطار برنامج عسكري بيولوجي معلن عنه. اما الانشطة العراقية البيولوجية الاخرى فكانت تنحصر في العثور فقط على 22 من اصل 39 طناً من وسائل تنمية وتطوير الجراثيم التي استوردها العراق في العام 1988. وقال العراق ان الـ 17 طناً المفقودة تم توزيعها على المستشفيات في العام 1989 لكن تم تدميرها مع الوثائق الخاصة بالتخزين والاستهلاك. وتعرفت اللجنة على 80 موقعاً حاولت تحديد صلتها بتطوير الاسلحة البيولوجية وتراوحت هذه المواقع ما بين المختبرات في المستشفيات والجامعات وصناعة الاغذية ومرافق تصنيع الادوية والتقطير وتقطير المياه العذبة وانطلاقاً من ان العمل في هذه المواقع مشروع لكن هذه المواقع اتسمت باستخدامها لعمليات التعمية واختتم تقرير «آنسكوم» بالقول: «عدم قيام العراق بالكشف الكامل عن آفاق برنامج الابحاث العسكرية البيولوجية الماضية يعني ان اللجنة لن يكون باستطاعتها التأكد من ان برنامج مراقبتها في النطاق البيولوجي يغطي جميع المواقع والمرافق والقدرات التي تتطلب المراقبة بموجب الخطة التي صادق عليها مجلس الامن». وفيما وراء تلك الاسئلة التي لم تتم الاجابة عليها تقف حرب الخليج الثانية كخط فاصل بين قضايا الاسلحة البيولوجية والكيماوية وقد عززت تطورات لاحقة المخاوف حول المواد السامة باعتبارها اسلحة فتاكة وغداة اندلاع الحرب تصاعدت الجهود الدولية للخلاص من هذه الاسلحة.