... عرفات! عرفات! إنه هو المسئول عما يجرى! تلك هي العبارة التي يسمعها المرء بشكل متكرر من رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون ومن الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش. كيف يمكن لأي فرد يملك الحد الأدنى من ادراك التأثير النفسي لليأس والاحباط والاذلال ان يتخيل، فيما يتعلق بالصراع الدائر في منطقة الشرق الاوسط ان فرداً واحداً مثل عرفات، بصرف النظر عما يتمتع به من احترام كبير من قبل اتباعه ومكانة رفيعة وسط أفراد سلطته، أن يتحكم في افعال تنطلق من الشعور العميق بالجرح والضرر واليأس والمساس بالكرامة. عرفات لا يملك السيطرة على الاسلحة الموجودة لدى رجال المقاومة الفلسطينية، ولا حتى يمكن لجماعات المقاومة المتعددة ان تقول انها تحظى بتحكم كامل في العمليات الفردية التي يكون أساسها التصميم والمهارة الشخصية. لقد أزهق تيموثي ماكفاي اكثر من 150 روحاً في انفجار مدينة اوكلاهوما في جريمة قتل واحدة. وحينذاك لم يحاول أحد ان يلقي باللوم على رئيس اللوبي المناصر للأعمال المسلحة ويحمله وحده مسئولية اصرار ماكفاي على الانتقام والاخذ بثأر ضحايا حادثة واكو. وبالمبدأ نفسه لم يقم أحد بالقاء اللوم على رئيس الوزراء الاسرائيلي بشأن ما قام به أحد الاطباء الاسرائيليين عام 1994 عندما قام بفتح النار على مجموعة من المصلين في احد المساجد في مدينة الخليل، مما ادى الى مقتل عشرين أو أكثر من المصلين. ان حماقات الحكومتين الاسرائيلية والامريكية في هذا الشأن بالفعل محيرة وتذهب بالعقل، وكانت ستكون مضحكة وهزلية لو لم يسفر عنها ذلك الكم الهائل من العواقب المأساوية الوخيمة. فاصرار الحكومتين، على سبيل المثال، اثناء المراحل الأولى للانتفاضة الحالية، على ان يلتزم الفلسطينيون بوقف النار لمدة أسبوع على الأقل كشرط لبدء محادثات السلام يبدو بالتأكيد لأي كائن بشري يحمل أي ذرة من العقل طلباً صبيانياً وفي النهاية، اضطر حتى شارون نفسه للاعتراف بأن هذا الامر لا جدوى منه. الان انظر الى النماذج المعاصرة لجيل عمالقة اليونان ذوي العيون الواحدة تضرب في كل مكان مثلما كان يعمل العملاق بوليفيموس، الذي أصابه العملاق بوليسيس بالعمى والذي كان يقذف بالصخور المتفجرة في كل الاتجاهات أملاً في اصابة من يهاجمه ولكنه لا يراه. وإذا كان ثمة شيء اخذته معي بعد زيارتي الأخيرة لمدينة رام الله، فهو زيادة خوفي وهلعي الشخصي من ان الجانب الكبير من نزعة التدخل في الشئون العالمية يتحكم فيها قادة مثل شارون وبوش، لديهم قوة عسكرية غير محدودة تحت تصرفهم. لا، لم يكن هناك اكتشاف جديد توصلت اليه اثناء تلك الرحلة. فمنذ شهور مضت، استخدمت تعبيراً مفاده ان الحكومة الاسرائيلية كانت تقوم بتمزيق قلب وكبد عرفات وتعطيهما لابنائه. ترى هل هناك من لا يمكنه توقع العواقب الوخيمة لهذه العملية البشعة لنزع أحشاء شخص؟ مالاحظته في رام الله جعلني خائفاً بالفعل على الاسرائيليين، فالكثير من هؤلاء الذين يعتقدون ان زعيمهم السياسي يسير في الطريق السياسي الصحيح لم يكلفوا انفسهم عناء الأخذ في الاعتبار ظروف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في غمار معاناتهم اليومية، حتى لو كان الاسرائيليون لايستطيعون زيارة هذه المخيمات بأنفسهم والوقوف على مدى الاذلال اليومي الذي يتجرعه الفلسطينيون والجروح التي تعلق بذاكرتهم وتعبر عن الظروف القاسية التي تلم تقريباً بكل الفلسطينيين يومياً. رأينا نقاط التفتيش التي يعبر من خلالها الألوف من الفلسطينيين من أجل ان يصلوا الى مناطق عملهم يوميا حيث مصدر دخلهم الوحيد، وتعلقنا بين ثنايا عدد لا محدود من القوات العسكرية التي يمر بين افرادها الفلسطينيون اثناء ذهابهم وعودتهم الى ومن اسرائيل. تلك القوات ذكرتني بدولتي نيجيريا اثناء الفترة بين الانقلاب العسكري الأول وحرب بيافرا الاهلية، وما افرزته من عواقب وخيمة مباشرة. فلقد ذكرني هذا بالوجوه التي كان يعلوها اليأس والاذلال. وذكرني ايضا بحالة الحنق التي تملكت شعبا واجه اهانة وذلا يوميا على يد طبقة عسكرية متغطرسة. هذا الشعور والاحساس بالذل والاهانة كان واضحا في رام الله، يمكن للمرء أن يلمسه ويشعر به ويقدر نطاقه وقد تم التعبير عن هذا الشعور بطرق عدة من قبل الناس العاديين في الشوارع، ابتداء من الرجال والنساء والأطفال الى طلبة وأساتذة الجامعات الى الكتاب والزعماء المدنيين، وأكد هذا الشعور الاجانب الذين اضطروا الى مشاركة الفلسطينيين معاناتهم، بمن في ذلك موظفو منظمة الأنروا التابعة للأمم المتحدة والخاصة باغاثة اللاجئين. كانت هناك حالات عديدة من النساء اللواتي ولدن اطفالهن عند نقاط التفتيش من جراء الاجراءات غيرالمرنة المفروضة على تحركات الناس العاديين، وكان هناك العديد ممن توفوا في سيارات الاسعاف بسبب عدم قدرة هذه السيارات على الحركة من جراء تصرفات افراد القوات الاسرائيلية عند نقاط التفتيش، وبالطبع كنا نسير على العديد من الاسلحة التي كانت ملقاة على الارض، ومضت السيارات بين حطام المنازل التي هدمت، وشاهدنا على الطبيعة استيلاء المستوطنين على الاراضي بالقوة وهدم الابنية، واراضي متنازع عليها، وشاهدنا المناطق الفضاء التي اجبر الفلسطينيون على تركها تحت تهديد السلاح. كل تلك من أعمال النهب والحرمان من الملكية وما تتطلبه تلك الأعمال من وسائل مهينة ومروعة لتنفيذها، تم تسجيله بدقة من قبل الوكالات التابعة للأمم المتحدة والسفارات الاجنبية والزوار، ولقد كانت الدلائل رهيبة وغير قابلة للنقاش او الجدل. ترى هل كنت محايدا اثناء الزيارة؟ بالطبع نعم، ثم بالطبع لا، لا يمكن تكوين وجهة نظر موضوعية مباشرة عن الموقف هناك. فعدنما يتم تفجير اناس في المطاعم والفنادق في وقت يكونون مجتمعين على وليمة يحتفلون باحتفال مقدس مثل عيد الفصح .. في هذه الحالة يتملك المرء احساس بالغضب والفزع تجاه الذين يقومون بالحادث. وعند النظر الى الجانب الآخر من الرعب، اي الوجه الآخر مما يحدث، فإن الاستماع الى عائلة تقوم باعطاء سرد تفصيلي لاقتحام الدبابات لحوائط منزلهم ليلا، واستعمال مدافع واسلحة الهاون ضد اهل المنزل النائمين، والاعتداء على الابرياء اثناء نومهم، فانه من المستحيل ان يظل الفرد محايدا او ألا يتأثر نفسيا بما يجري. لو انه لم يكن هناك ابرياء في اي صراع، لكان علينا ان نتخلى عن قضية الانسانية. خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»