الملف السياسي: كانت الصورة لطفلة صغيرة ملفوفة بالضمادات البيضاء ولا يبدو منها سوى جزء من وجهها وعينيها. وقد حرص الرئيس رونالد ريجان على ان يضعها في اطار فوق مكتبه الرئاسي، وحرص ايضا أن تلتقط وكالات الانباء وشبكات التلفزيون المشهد: هو يجلس خلف مكتبه وينظر غاضباً الى صورة الطفلة الملفوفة بالضمادات. الطفلة كانت لبنانية، أصيبت بشظايا قنبلة أطلقتها الطائرات الاسرائيلية أثناء اجتياح بيروت الغربية في سبتمبر من العام 1982. كان رونالد ريجان ممثلا، ينبض عالمه بالمشاهد السينمائية، وكان يشعر بالغضب. وكما تقول الرواية الأمريكية، فإن غضب الرئيس لم يكن تمثيلاً، إذ ان حليفه رئيس وزراء اسرائيل وزعيم حزب الليكود مناحيم بيجن خدعه مرتين: مرة عندما أبلغه ان عملية سلامة الجليل لن تزيد على التوغل مسافة 25 كيلومترا في جنوب لبنان لاقتلاع مواقع المقاومة الفلسطينية وانتهى بالوصول الى مشارف بيروت. ومرة ثانية عندما اقتحمت دبابات وزير دفاعه أرييل شارون بيروت الغربية، بعد اجلاء رجال المقاومة الفلسطينية منها ورحيل ياسر عرفات. صورة الطفلة اللبنانية الجريحة كانت «رسالة» غضب الى اسرائيل. لم يقلها رونالد ريجان مباشرة، بل اعتمد على وسائل الإعلام في نقلها وتفسيرها، من غير ان ينطق بحرف واحد ضد مناحيم بيجن.. وقد وصلت الرسالة، وكانت بداية مواجهة انتهت في سبتمبر من العام 1983 عندما قدّم بيجن استقالته من رئاسة الوزراء وأعلن اعتزاله الحياة السياسية. كانت الاستقالة مفاجأة للعالم ولكن ليست للبيت الأبيض.. لماذا؟ ربما يمكن اعادة عرض بعض المشاهد، وهي مستمرة في واشنطن كما في تل أبيب، في هذا الفيلم الامريكي الطويل، مع استثناء، وهو ان الخاتمة ليست نفسها بالضرورة. شارون: امنحونا فقط بعض الوقت يوم 13 يونيو من العام 1982، كان الجمهور الامريكي يتابع الانباء في شبكات التلفزيون الرئيسية: القوات الاسرائيلية توغلت في لبنان ووصلت مشارف بيروت، وزير الخارجية الجنرال الكساندر هيج متألقا وهو يعلن ان الادارة الامريكية تحاول ان تتأكد من صحة الاخبار الواردة، وما اذا كانت هناك مبالغة فيها قال ان الادارة على اتصال مستمر مع حكومة اسرائيل وسوف تتخذ الموقف المناسب اذا ما ثبت ان القوات الاسرائيلية قد بلغت فعلا مشارف بيروت، قالت وسائل الاعلام في ذلك الوقت ان قوات شارون تطارد فلول المقاومة الفلسطينية المنسحبة من الجنوب بعد أن تحصنت في بلدة الدامور وهي لا تبعد عن بيروت اكثر من 20 كيلومترا واستنتجت انها مسألة وقت وما ان تنهي مهمتها حتى تعود، اذن فإن الادارة الامريكية كانت تمنح مناحيم بيجن بعض الوقت لينهي المهمة من دون ان تضطر لاتخاذ موقف. 40 عاما من السلام ولكن هذا لم يحصل، إذ ان هذه القوات وخلال أقل من أسبوع بلغت قصر الرئاسة في بعبدا واقامت تحصينات ثابتة واعلنت بيروت مدينة محاصرة واطلق الشاعر الفلسطيني محمود درويش يومئذ قصيدته الشهيرة «حاصر.. حصارك». أما البيت الابيض فقد اعلن ان المبعوث الامريكي فيليب حبيب يبذل كل جهوده لرفع الحصار عن المدنيين ونقلت وسائل الاعلام الامريكية عن مسئولين في الادارة ان فيليب حبيب قال لشارون بالحرف الواحد: «اننا نعيش في القرن العشرين، انت لاتستطيع ان تجتاح دولة وان تحاصر عاصمتها على مرأى ومسمع من العالم كله، ان احدا لن يقبل بهذا وبالذات الرئيس رونالد ريجان الذي كان يقود حربه على (امبراطورية الشر) في الاتحاد السوفييتي ويحتاج الى حلفائه العرب لتطويق الثورة الاسلامية في ايران خلال حربها الطاحنة مع العراق» ولكن ردود رئيس الوزراء الاسرائيلي كانت تدور حول نقطة واحدة: «امنحونا فقط بعض الوقت وعندما تنتهي هذه الحرب فاننا سوف نعيش (40) عاما من السلام». وفي اغسطس انسحبت المقاومة الفلسطينية من بيروت برعاية امريكية ودولية واعرب فيليب حبيب عن ارتياحه لانجاز المهمة بعد مفاوضات شاقة وتوقع ان تنسحب القوات الاسرائيلية خلال ايام وان تفك حصارها عن بيروت بعد ان باتت نظيفة من المقاتلين بل وازالت المتاريس والسواتر الترابية من شوارعها وبدأت بتفكيك خطوط التماس التي تفصلها عن بيروت الشرقية بعد ان اعلن الرئيس المنتخب بشير الجميل انه رئيس كل لبنان. ولكن شارون لم ينسحب بل انه استضاف في مقره شرقي بيروت خصمه السياسي اللدود اسحاق رابين الذي طلب منه ان يشدد الحصار وان يقطع المياه عن العاصمة اللبنانية وبينما كان البيت الابيض يعبر عن قلقه كان مناحيم بيجن مرتاحا، فكل اسرائيل معه من اقصى اليمين الى اقصى اليسار وكانت قيادة جيش الدفاع الاسرائيلي تنظم رحلات سياحية لليهود الامريكيين الى مدينة جونيه وبعبدا، يلتقطون خلالها الصور التذكارية وهم على ظهور الدبابات في مشاهد يصفها المعلق الامريكي توماس فريدمان بأنها كانت تجسد القوة الصرفة والقبضة الحديدية لدولة اسرائيل. مركز الدراسات والمخيم وفي 14 سبتمبر تم اغتيال بشير الجميل، وفي اليوم التالي كانت قوات شارون تجتاج بيروت الغربية بحثا عن ثلاثة آلاف مقاتل فلسطيني زعم شارون ان عرفات أبقاهم في العاصمة اللبنانية بعد انسحابه. ويروي فريدمان ان هدفين كانا يستهويان شارون: مركز الدراسات الفلسطينية وهو يقع في شارع السادات في منطقة رأس بيروت المطلة على البحر.. ومخيم صبرا وشاتيلا. المركز كان يضم آلاف الوثائق والمخطوطات عن فلسطين وتاريخها وسكانها والمخيم كان يضم مئات من اللاجئين الفلسطينيين وفقراء اللبنانيين. وقد تناقلت وسائل الاعلام صورا عن مركز الدراسات وقد عاث فيه الاسرائيليون فسادا الى حد استعمال غرفه كمراحيض، ثم لتنقل فيما بعد صورا عن مجزرة صبرا وشاتيلا. وينقل فريدمان عن شارون «ان اللبنانيين يساومون وهم يصلون دائما الى تسوية، نحن لا نستطيع أن نساوم، إن التسويات تعني نهايتنا.. نهايتنا السيئة». بيجن: ندفع الدم اليهودي تقول الروايات ان البيت الابيض كان يغلي بالغضب بعد اجتياح بيروت الغربية، وان مناوشات وقعت بين افراد من المارينز وبين القوات الاسرائيلية عند خط صيدا القديم وكان احد خطوط التماس في العاصمة اللبنانية، ما دفع الرئيس ريجان الى ارسال «انذار» الى مناحيم بيجن، وان الاخير رد على الانذار بخطاب ناري في الكنيست قال فيه: «اننا لا نكلف الامريكيين اكثر مما ينفقونه على حاملة طائرات واحدة، ولكننا نحن ندفع الدم اليهودي دفاعا عن العالم الحر والقيم التي يؤمن بها الشعب الامريكي». وبعد ثلاثة أشهر من الخطاب أعلن بيجن استقالته. قيل انه كان مريضا، وانه شعر بالاكتئاب بعد وفاة زوجته، ولكن زعيم الآرجون التي ارتكبت مذبحة دير ياسين، ونسفت فندق الملك داوود واغتالت الكونت برنادوت، هذا الزعيم الذي تحول الى اسطورة وتم انتخابه عضوا في الكنيست منذ العام 1949 واستمر في العمل السياسي حتى وصل الى زعامة حزب الليكود، ثم تقلد منصب رئيس الوزراء منذ العام 1977 وحتى العام 1983 لم يكن من النوع الذي يستقيل، فقد عاش بعد الاستقالة تسع سنوات، وأطلق عشرات التصريحات السياسية. إذن هل أقيل؟ الدبلوماسيون العرب في واشنطن يردون بالايجاب، ويقول دبلوماسي عربي مخضرم في واشنطن: «ان اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة في منتهى القوة، ولكن قوته تنتهي عند حدود المصالح الامريكية الاستراتيجية. إن واشنطن تستخدم تل أبيب وليس العكس». هل نشاهد قريبا صورة لطفلة فلسطينية على مكتب الرئيس جورج بوش، أم ان المصالح الامريكية مازالت مضمونة؟